أهم الاخبارالأخبار

يمانيون في موكب الرسول.. عمار بن ياسر “كبير وعملاق مذحج وأمير الكوفة” (الحلقة الثامنة عشرة)

سلسلة حلقات يومية برعاية مياه “كرم الضيافة”

أعد الحلقة لـ”يمن ديلي نيوز” – احمد الشجاع: شخصية الليلة، هو “عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن عبدالمدان بن الديان، وبني الحرث بن كعب” من قبائل وعشائر مذحج، ومنهم العشيرة العنسية المذحجية السبئية في منطقة عنس محافظة ذمار اليمن.

      كان عمار بن ياسر، طويلا أشهل، بعيد ما بين المنكبين, لقد كان ذلك الجسم من سمات بعض عشائر وقبائل مذحج باليمن في الجاهلية، ومنهم بني عبد المدان بن الديان، وفيهم قال حسان بن ثابت

وقد كنا نقول إذا رأينا       لذي جسم يعد وذو بيان
كأنك أيها المعطى بيانا      وجسما من بني عبد المدان

       لما وفدت قبائل وعشائر بني الديان، بما فيها العشيرة العنسية، والتي كان منها ياسر بن عامر، والد عمار، الى رسول الله ﷺ، فلما رآهم قادمين نحوه، قال رسول الله ﷺ من هؤلاء الذين كأنهم رجال الهند؟ فقيل له: يا رسول الله هؤلاء من بني الديان”.

      فقد كانت قبيلة بني الديان مشهورة بطول أجسام رجالها، فكانوا كأنهم سيوف ورماح الهند.

      قصة ياسر والد عمار

 سافر ياسر مع أخوين له هما الحرث ومالك من منطقتهم بناحية عنس في محافظة ذمار حاليا، بحثاً عن أخ لهم رابع، كان قد سافر في نشاط تجاري الى خارج اليمن ولم يرجع.

مضت الفترة التي كان من المفترض أن يرجع فيها، فقرر اخوته الثلاثة السفر بحثا عنه، ويبدو أن البحث بدأ بمكة وانتهى بمكة، فلم يعثروا عن أي خبر عن أخيهم، فقرر الحارث ومالك العودة الى عنس اليمن.

في حين قرر ياسر البقاء في مكة، لعله يجد أخيه في مواسم الحج والأسواق، وبحسب النظام، فإن من يقيم بمكة عليه للتجارة أو الإقامة فعليه أن يحالف أسرة بهدف توفير الحماية، لان حليف القوم كأنه منه، فحالف ياسر أبا حذيفة المخزومي، ولهذا عندما كان ياسر يتعرض للتعذيب في مكة بعد اسلامه، كان ذلك على يد بني مخزوم، كما سيأتي.

   في مكة تزوج ياسر بن عامر بامرأة عربية، سمية بنت خياط، فأنجبت له عمار، وعبد الله، وكان ذلك في الجاهلية.

عندما بعث الله محمدا ﷺ نبيا يدعو إلى دين التوحيد، كان آل ياسر من السابقين الى الإسلام وصحبته صلى الله عليه وسلم.

      لقد أكرم الله تعالى آل ياسر بنعمة السبق إلى الإسلام فكانوا من أوائل الصحابة ومن أسبق السابقين الى الإسلام، فقد أسلم ياسر وزوجته سمية بنت خياط، وابنه عمار بن ياسر، وعبد الله أخو عمار بن ياسر.

قصة قريش مع آل ياسر

    لما أخذ جمع المؤمنين في النمو والازدياد، أخذت قريش تترصدهم، وتؤذي رسول الله ﷺ والمؤمنين بأنواع الأذى.

 أسندت قريش الى بني مخزوم تعذيب آل ياسر لكي يرجعوا عن الإسلام، فكانوا يخرجون بهم كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة، ويصبون عليهم من جحيم العذاب ألوانا وفنونا. 

     فكان صمود آل ياسر أعظم الصمود، وكان رسول الله ﷺ يمر عليهم ويقول “صبرا آل ياسر فان موعدكم الجنة” ولقد صبر آل ياسر أعظم ما يكون الصبر.

   ذات يوم خرج رسول الله ﷺ الى آل ياسر برمضاء مكة، وكان العذاب قد اشتد عليهم، فقال عمار “يا رسول الله، لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ.
 فناده الرسول قائلا “صبرا أبا اليقظان، صبرا أل ياسر، فان موعدكم الجنة”.

    وفي ذات يوم في السنة الخامسة من البعثة النبوية، كان ياسر بن عامر وزوجته سمية أم عمار يعذبان في رمضاء مكة الملتهبة، وكانت حرارة الشمس كافية لتعذيبهما، فقد كان ياسر في السبعين من عمره وكانت سمية قد جاوزت الستين سنة أيضا.

استشهدت سمية تحت التعذيب، فكانت اول شهيدة في طريق هذا الدين، فأول من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم امرأة هي “خديجة”، وأول شهيدة أيضا كانت امرأة “سمية”.

في ذلك اليوم الذي استشهدت فيه سمية، وقفت موقفا جعل منها أُما عظيمة للمؤمنين في كل العصور، ورمزا بطوليا للشرفاء والأبطال في كل مكان وزمان.
   
  ما أن ارتفعت روح سمية الى السماء حتى لحقت بها روح ياسر بن عامر فكان ياسر وسمية أول شهيدين في الإسلام.
 
صمود وصبر عمار بن ياسر عملاق مذحج، عملاقا في مواقفه، عملاقا في جسمه، أذهل قريش، فضاعف جلادوه في تعذيبه بأشد ألوان العذاب، تم تعذيب بكل الأساليب الشيطانية، من الصلب على الرمضاء المستعرة، الحرق والكي بالنار.

ذات يوم عذّب المشركون عمارا بالحرق والكي ثم غطسوه في الماء حتى يفقد وعيه تحت ذلك الهول، وهم يقولون له اذكر آلهتنا بخير، قل كذا، فأخذ يردد وراءهم القول في آلهتهم بما يشاؤون.

    فلما استعاد وعيه وتذكر ما قاله أصابه شعور الندم والاثم، فاذا برسول الله ﷺ قد أقبل اليه، فألفاه يبكي، فجعل يمسح دموعه بيده الشريفتين ﷺ ويقول له: أخذك الكفار فغطوك في الماء، فقلت كذا وكذا، قال عمار نعم يا رسول الله.
 فقال له وهو يبتسم: ان عادوا، فقل لهم مثل قولك هذا وتلا عليه الآية الكريمة التي أنزلها الله عزوجل: “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان” فاسترد عمار سكينة نفسه. 

فضائله

    تذكر كتب السير أن الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه، سابع سبعة رجال هم أول من جاهر بالإسلام وأعلنوه، من أعلام وعمالقة كبار أصحاب رسول الله ﷺ.
كما أن عمار من وزراء ونجباء ورفقاء رسول الله ﷺ الذين ذكرهم قائلا “لم يكن نبي الا أعطي سبعة نجباء ووزراء ورفقاء، واني قد أعطيت أربعة عشر” فذكرهم النبي ﷺ وذكر منهم عمار بن ياسر.

فعن عائشة رضى الله عنها قالت “ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أشاء أن أقول فيه الا قلت، الا عمار بن ياسر فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ملى عمارا ايمانا الى مشاشه، وفي رواية أخمص قدميه”.

وهو من الصحابة المهاجرين الى الحبشة، في رجب سنة 5 هـ، وقد عام مع المقداد البهراني، قبل سنتين من الهجرة المدينة المنورة، وهو ممن صلى نحو القبلتين”.

وكان ممن شارك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة في بناء المسجد النبوي.

كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب عمار ويغضب لغضبه، ويغضب على من يسيء إليه.
وذات يوم جاء عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن  فعرف رسول الله صوته فقال مبتهجا ” مرحبا بالطيب المطيب، إئذنوا له”

أهم غزواته

    شهد عمار بن ياسر رضى الله عنه المشاهد والغزوات مع رسول الله ﷺ، فقد كان بطلا في غزوة بدر، وغزوة أحد، والأحزاب، وفتح خيبر، وصلح الحديبية، وفتح مكة، وتبوك، وحجة الوداع، ولم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رحل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى”

  وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كان لعمار بن ياسر اسهامه الوافر في اعلاء راية الإسلام ومحاربة المرتدين بنجد واليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضى الله عنه.
    
  ففي موقعة اليمامة، وهي الموقعة الحاسمة بين المسلمين، وبين جيش مسيلمة الكذاب، استشهد عدد من الصحابة بينهم الطفيل بن عمر الدوسي “ذو النور”، وأصيب آخرون بجراح، وكاد الجيش الإسلامي أن يتقهقر، ولكن ثبات عمار وجهاده الباسل كان قدوة للمسلمين، فقد قطعت أذن عمار في المعركة، فما تزحزح عن موقفه ولا توقف عن الزحف، أنطلق هذا العملاق في استبسال عاصف يحصد في جيش مسيلمة الكذاب، ويهدي اليه المنايا والدمار.

   شهد عمار بن ياسر، رضي الله عنه، فتوحات الشام والعراق والجزيرة الفرانية في جنوب تركيا حاليا, وكان فتحها في رجب من السنة السابعة عشر للهجرة النبوية في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

     في أوائل سنة تسعة عشر هجرية, أصبح عمار بن ياسر أميرا واليا لولاية الكوفة, فكان ثاني أمراء الكوفة وما اليها من العراق منذ الفتح الإسلامي للعراق.

     كان عمار في ولايته للكوفة خلال مدة حكمه, والتي دامت سنتين, مثال عظيم في العدل والورع والزهد والتواضع, وقد توسعت ولاية الكوفة في عهد عمار, وامتدت الى غرب وشمال ايران.
     أنطلق عمار بن ياسر مع الجيش الإسلامي الى فتوحات مصر, فخاضوا معارك عديدة طيلة تسعة أشهر تتوجت بفتح البهنساء والصعيد في أواخر خلافة عمر بن الخطاب, توفي عمر وعمار بن ياسر ما يزال في مصر يجاهد في سبيل الله ويساهم في نشر الإسلام, ثم رجع للمدينة المنورة أوائل خلافة عثمان بن عفان. 

سنوات عمار بن ياسر الأخيرة

     كان عمار قد بلغ من الكبر عتيا في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه, تقديرا من عثمان لعمار بن ياسر وجهاده العظيم وتأريخه المجيد منذ البعثة النبوية قام عثمان بمنح عمار أرضا في سواد العراق هو وعدد من كبار الصحابة.

     كان عمار من الصحابة الذين وقفوا الى جانب علي بن أبي طالب رضى الله عنه، متيقنا أن الحق معه، فشهد موقعة صفين مع علي في صفر سنة 37 هجرية، استشهد عمار بن ياسر فارتاع المسلمون من الجانبين لمقتل عمار وغيره من الصحابة.
 
      فنادى المسلمون الى حقن الدماء فانتهت الحرب في صباح اليوم التالي، وسكنت روح عمار بن ياسر العنسي، رضى الله عنهم وارضاهم جميعا.

سلسلة حلقات “يمانيون في موكب الرسول”:

الحلقة الأولى: الطفيل بن عمرو الدوسي “ذو النور” 
الحلقة الثانية: زرعة بن سيف بن ذي يزن أول أذواء حمير إسلاما
الحلقة الثالثة: أبو هريرة راوي الأحاديث وأول صادح بالأذان في البحرين
الحلقة الرابعة: جرير بن عبدالله البجلي “خير ذي يمن”
الحلقة الخامسة: سواد بن قارب الكاهن الذي قاد كهان اليمن والجزيرة إلى الإسلام
الحلقة السادسة: شرحبيل بن حسنة الكندي مترجم السريانية وفاتح غور الأردن
الحلقة السابعة: المقداد بن عمرو الحميري “الفارس الوحيد في بدر”
الحلقة الثامنة: فروة بن مسيك المرادي “أمير رسول الله على مذحج”
الحلقة التاسعة: أبرهة ابن الصباح الحميري “كريم قومه”
الحلقة العاشرة: الصحابي ضماد بن ثعلبة الأزدي “الطبيب الأول إسلاماً”
الحلقة الحادي عشرة: زيد بن حارثة “الصحابي الذي خلده القرآن”
الحلقة الثانية عشرة: زهير بن قيس البلوي “أمير أفريقية وقاهر أمير البربر”
الحلقة الثالثة عشرة: معاوية بن حديج السكوني “فاتح أفريقية”
الحلقة الرابعة عشرة: جنادة بن أبي أمية الأزدي “فاتح رودوس اليونانية”
الحلقة الخامسة عشرة: دحية بن خليفة الكلبي الحميري “شبيه الوحي”
الحلقة السادسة عشرة: قيس بن مكشوح المرادي “بطل اليمن في فجر الإسلام”
الحلقة السابعة عشرة: حسان بن النعمان “فاتح الجزائر وأمير إفريقية”

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading