يمانيون في موكب الرسول.. قيس بن مكشوح المرادي “بطل اليمن في فجر الإسلام” (الحلقة السادسة عشرة)

سلسلة حلقات يومية عن سيرة صحابي يمني برعاية مياه “كرم الضيافة”
أعد الحلقة لـ”يمن ديلي نيوز” – أحمد الشجاع: هو قيس بن هبيرة المكشوح المرادي، و “المكشوح” لقب لأبيه هبيرة، وقيس هو إبن أخت عمرو بن معد يكرب الزبيدي.
وقيس ينتمي إلى منطقة مراد، ناحية جبل مراد، وناحية الجوبة بمحافظة مأرب حاليا.
وقيس أبرز زعماء وفرسان مذحج المشهورين في الجاهلية، فهو زعيم ورئيس بني زاهر بن ناجية بن مراد، فقد كان بمثابة القائد العام لقبيلة مراد ومن يليها من قبائل وبطون مذحج في الحروب.
كانت قبيلة مراد في العصر الجاهلي، تمتد إلى وادي مذاب وإلى معين وبراقش في الجوف حاليا.
وشهدت تلك المنطقة من الجوف اجتماع رؤساء مذحج لمحاربة الفرس المجوس بصنعاء، حيث تم الاجتماع في “مذاب” بمحافظة الجوف حاليا.
ومن بين القادة المجتمعين، عمرو بن معد يكرب الزبيدي، ويزيد بن عبد المدان الحارثي، وعنبسة بن سحيم الخولاني، وجماعة من الفرسان والأشراف، فعسكروا عسكرا عظيما وجمعوا الجموع الكثيرة.
وعندما بلغ ذلك، باذان، عامل هرمز في صنعاء، خرج إليهم في خيل الأساورة.
كما خرجت همدان في عشرة آلاف مقاتل ما بين فارس وراجل في عدة كاملة وعرضوا على باذان النصرة والحلف، ثم تولت همدان الدور الرئيس في الهجوم على الثائرين الذين كانت غالبتهم من مذحج.
ودارت بين الطرفين موقعة عظيمة، وسميت بـموقعة “الردم” التي مرت علينا في سرد قصة الصحابي فروة بن مسيك المرادي، حين وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ من هو؟ فقال له رسول صلى الله عليه وسلم، يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟ فقال يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم ولا يسوؤه ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام الا خيرا”.
وكان في هذه الموقعة زعماء وفرسان مذحج أبرزهم، عمرو بن معد يكرب، والحصين بن قنان، وفروة بن مسيك، وقيس بن مكشوح المرادي صاحب القصة حاليا.
فتغلبت همدان في تلك الموقعة بسبب تحالفها مع الفرس المجوس، وقتل مرثد وعمرو بن مرثد وآخرون من زعماء مراد.
فأقسم قيس بن مكشوح بأنه سيأخذ بثأر مرثد وعمرو بن مرثد من الفرس في صنعاء ذات يوم، وهو ما حدث في موقعة يوم صنعاء.
إسلام قيس بن مكشوح
كانت أنباء بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمكة قد وصلت اليمن منذ وقت مبكر، سواء عن طريق الذين يقصدون مكة للحج والتجارة، أو الذين أسلموا وعادوا إلى مناطقهم وقبائلهم باليمن يدعون إلى الإسلام منذ سنوات ما بعد البعثة بمكة، أمثال الصحابي الطفيل بن عمرو الدوسي وضماد بن ثعلبة وأبو موسى الأشعري.
وكانت ديار بني زبيد، قوم عمرو بن معد كرب في منطقة تثليث بأعالي نجران قريبة من مكة، حيث سمع عمرو بن معد كرب ظهور النبي صلى الله عليه وسلم منذ وقت مبكر، فأراد المسير مع ابن أخته قيس بن مكشوح المرادي لمعرفة النبأ اليقين، وقيل إن عمرو بن معد كرب وابن أخته قيس بن مكشوح المرادي أسلما في اليمن.
في السنة التاسعة من الهجرة النبوية انطلق فروة بن مسيك في وفد من مذحج ومعه عمرو بن معد كرب في ناس من بني زبيدة، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفا من تبوك، ثم ما لبث أن لحق بهم قيس بن مكشوح المرادي، وكانت مع قيس حين وفد إلى المدينة المنورة أخته كبشة بنت مكشوح، وهي مذكورة في النساء الصحابيات، وقيل إنها تزوجت من الصحابي الجليل أبان بن سعيد بن العاص.
والصحابي قيس بن مكشوح من أعلام اليمن والعروبة والإسلام في فتوحات العراق والشام وبلاد فارس، وهو أحد الصحابة الذين شهدوا فتح نهاوند، وله ذكر صالح في الفتوحات بالقادسية وغيرها.
عرف قيس بن مكشوح بـفروسيته وشجاعته وبطولته، كما كان شاعرا فصيحا، وسيدا كريما، وهو الذي قتل زعيم المجوس، شهر بن باذان في معركة يوم صنعاء، كما أنه من قتل الأسود العنسي حين أرتد عن الإسلام وطرد أبا المهاجر من صنعاء.
أهم غزواته
أثناء وجود قيس بن مكشوح والعديد من الوفود بالمدينة المنورة وصل إليها شخصان فارسيان مجوسيان بعثهما عامل كسرى في صنعاء باذان بن ساسان بناء على طلب من كسرى أبرويز بن هرمز ملك فارس بأن يبعثهما ليأتياه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول مؤلف كتاب “يمانيون في موكب الرسول” إن ذلك الموقف كان يمثل ذروة الغرور الفارسي المجوسي بصفة عامة، واستخفاف وغرور كسرى أبرويز بن هرمز بصفة خاصة.
لبث قيس في المدينة المنورة إلى سنة عشر للهجرة، ثم عاد إلى منطقته مع فروة بن مسيك، حيث استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقة مراد، فكان قيس بمنطقة مراد مع فروة بن مسيك أمير النبي صلى الله عليه وسلم على مذحج، بينما كان الفرس بصنعاء ما يزالون مجوسا، وما يزال ملكهم باذان عاملا لكسرى على صنعاء والمناطق الخاضعة لسلطة الفرس ونفوذهم في اليمن.
قصة الفرس في اليمن
في السنة 570 ميلادية، استعان سيف بن ذي يزن بالفرس للقضاء على الأحباش في اليمن، فأمده كسرى ملك الفرس بنحو ستمائة مقاتل، قيل إنهم من ذوي المحكومين عليهم بالإعدام فأراد هرمز التخلص منهم، بدليل أنهم لم يتمكنوا من العودة إلى فارس فأسكنهم سيف بن ذي يزن، صنعاء، بعد انتهاء المعركة وطرد الأحباش.
بعد قتل الفرس لسيف بن ذي يزن أخذ الدعم الفارسي يتحول إلى احتلال فقد بعث كسرى ببقية المحكومين عليهم، كقوة عسكرية عن طريق البحر، ثم بعث أربعة آلاف من الفرس مع عائلاتهم برا، فاستقروا جميعا في صنعاء، واستتب الحكم فيها للفرس وحاكمهم باذان الفارسي.
وفي صدر السنة الأولى من السنة العاشرة للهجرة تشاور وتكاتب رؤساء قبائل، مذحج، وهمدان، وكندة، وأزدة، السراة، وأجمعوا على حرب الفرس المجوس بصنعاء، واتفقوا على التجمع بفرسانهم ورجالهم في نجران والانطلاق منها إلى صنعاء.
وبذلك يكون الذين احتشدوا بنجران هم رؤساء وفرسان قبائل مذحج وخولان وأزد السراة وكندة، وغيرهم من القبائل المجاورة.
وقد كان الأسود عبهلة بن كعب العنسي من رؤساء مذحج، وكان الكاهن والزعيم الديني لمذحج في الجاهلية وكان مقره في منطقة “خب” بالجوف.
تجمع من تلك القبائل ما يزيد عن 20 الف مقاتل، تولى قيادتهم قيس بن مكشوح المرادي.
تحركت القوة بقياد قيس المرادي، حتى أتوا صنعاء فالتحم الجيشان، جيش الفرس المجوس بقيادة شهر بن باذان وجيش الثائرين بقيادة قيس بن مكشوح المرادي، وذلك بمنطقة شعوب، عند مسجد المشهد حاليا في منطقة شعوب بأمانة العاصمة.
وقد سمي جامع “المشهد” بهذا الاسم نظرا لشدة المعركة التي دارت وكثرة دماء الفرس المجوس التي قتلت فكان إذا مر الرجل ورأى المعركة وكثرة دماء الفرس المجوس قال: مشهد، أو مشهد عظيم.
وفي هذه المكان دارت أحداث المعركة وسقط فيها جنود فارس على رأسهم، ملكهم، شهر بن باذان، صريعا مع جنوده بسيف قيس بن مكشوح المرادي.
وقد قال قيس بن مكشوح في يوم صنعاء:
وفيت لقومي واحتشدت لمعشر أصابوا على الأحياء عمرا ومرثدا
وكنت لدى الأبناء لما لقيتهم كأصيد يسمو في العزازة أصيدا
وقال ابن ذي جرة الحميري:
لعمرك أن يوم صنعاء عصبة يمانية الأحساب غير لئام
غداة جدعنا في (شهر) بضربة أبان بها المكشوح راس همام
وقد كانت موقعة “يوم صنعاء” عملا تحريريا وطنيا من وجهة نظر اليمانيين، ولم يجد الرؤساء والقادة الذين شاركوا في تلك الموقعة ما يتعارض مع الإسلام.
مع الأسود العنسي
بعد هزيمة الفرس في موقعة “يوم صنعاء” في السنة العاشرة من الهجرة، أقام الأسود العنسي بصنعاء ومعه فرسانه السبعمائة الذين كانوا معه منذ التجمع في نجران وهم رجاله وأتباعه المخلصين له لأنه كان من الرؤساء المرموقين.
وأقام بصنعاء أيضا قيس بن مكشوح المرادي ومعه فرسان مراد وهمدان لأنه كان قائد الجيش في موقعة “يوم صنعاء”.
لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع إلى المدينة المنورة، أعاد بعث معاذ بن جبل أميرا على أعمال اليمن، فتوجه معاذ بن جبل رضى الله عنه إلى مأرب ومنها إلى حضرموت، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي على صنعاء، فوصل المهاجر المخزومي، إلى صنعاء في المحرم من السنة الحادية عشر للهجرة النبوية.
لما عقد الأسود العنسي العزم على الردة وادعى النبوة بصنعاء، واستمال الأبناء الفرس، وأحكم سيطرته على صنعاء، أخرج المهاجر بن أبي أمية المخزومي عامل رسول الله ﷺ في صنعاء.
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وسائر العمال في اليمن بالتوجه إلى صنعاء للقضاء على الأسود العنسي بصنعاء، فأقبل الأمراء والعمال والزعماء والفرسان من أرجاء اليمن وحاصروا صنعاء.
فكتب إليهم قيس بن مكشوح المرادي قائلا: أن لا تحدثوا شيئا حتى نبرم أمرنا.
تمكن قيس بن مكشوح المرادي، من أن يعتلي سور مدينة صنعاء، والتي كان يحتمي بها الأسود العنسي، وتمكن من الوصول إليه فقتله، ثم فتح أبواب مدينة صنعاء فدخل المسلمون، وهكذا تم القضاء على الأسود العنسي على يد قيس بن مكشوح بأقل خسائر في المعركة.
قيس في الفتوحات
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدء عهد الخلافة وعهد الفتوحات، أقبلت كتائب مراد ومذحج يتقدمهم قيس بن مكشوح المرادي رضى الله عنه، إلى المدينة المنورة تلبية لنداء خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه للجهاد.
لقد كان قيس من الصحابة القادة الذين شهدوا فتوح الشام منذ بدايتها وحتى موقعة اليرموك، فكان قيس على نصف الجيش في موقعة اليرموك.
قال قيس في فتوح الشام:
جلبت الخيل من صنعاء تردي بكل مدجج كالليث سامي
إلى وادي القرى وديار كلب إلى اليرموك والبلد الشام
فلما أن زوينا الروم عنها عطفناها صواهل كالسهام
وفي عهد الخليفة عمر ابن الخطاب كتب الخليفة رضى الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح “إبعث قيس بن مكشوح إلى القادسية، وذلك فيمن انتدب معه.
كان قيس بن مكشوح قائد ميسرة الجيش العربي الإسلامي بالقادسية بينما كان جرير بن عبد الله البجلي قائد الميمنة، فكان لقيس ابن مكشوح المرادي، مع قومه دورا بارزا في هزيمة الفرس، فكانوا أعلم بقتالهم وأصحاب ثأر لما حدث لهم في موقعة “الردم” في الجوف قبل أن يسلم.
وكان قيس بن مكشوح سابع سبعة أمراء عقد لهم أبو عبيدة بن الجراح الألوية لفتح القدس ونواحيها، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنهم أجمعين، كما توجه قيس مع أبو عبيدة لفتح حمص وغيرها من مناطق الشام.
كما كان قيس بن مكشوح المرادي سابع سبعة من الصحابة الذين كتب لهم عمر بن الخطاب بأن يتولوا قيادة الجيش في نهاوند.
وقيس أيضا من الصحابة الذين شهدوا فتح مصر فقد عقد له عمرو بن العاص ألوية القيادة لفتح البهنساء وصعيد مصر.
وفاته
آخر الأنباء الموثوقة عن قيس بن مكشوح المرادي هو مشاركته في فتوح البهنساء، والبحيرة، وصعيد مصر، حيث تواصلت فتوحات صعيد مصر وبلاد النوبة في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه.
بعد مشاركته في فتح مصر انتقل قيس بن مكشوح إلى الكوفة في العراق، التي استقرت فيها العديد من عشائر مراد أثناء الفتوحات.
واستقر قيس في الكوفة إلى أن وافاه الأجل قبل موقعة “صفين” في السنة الـ 37 للهجرة النبوية فرضى الله عنه وأرضاه.
سلسلة حلقات “يمانيون في موكب الرسول”
الحلقة الأولى: الطفيل بن عمرو الدوسي “ذو النور”
الحلقة الثانية: زرعة بن سيف بن ذي يزن أول أذواء حمير إسلاما
الحلقة الثالثة: أبو هريرة راوي الأحاديث وأول صادح بالأذان في البحرين
الحلقة الرابعة: جرير بن عبدالله البجلي “خير ذي يمن”
الحلقة الخامسة: سواد بن قارب الكاهن الذي قاد كهان اليمن والجزيرة إلى الإسلام
الحلقة السادسة: شرحبيل بن حسنة الكندي مترجم السريانية وفاتح غور الأردن
الحلقة السابعة: المقداد بن عمرو الحميري “الفارس الوحيد في بدر”
الحلقة الثامنة: فروة بن مسيك المرادي “أمير رسول الله على مذحج”
الحلقة التاسعة: أبرهة ابن الصباح الحميري “كريم قومه”
الحلقة العاشرة: الصحابي ضماد بن ثعلبة الأزدي “الطبيب الأول إسلاماً”
الحلقة الحادي عشرة: زيد بن حارثة “الصحابي الذي خلده القرآن”
الحلقة الثانية عشرة: زهير بن قيس البلوي “أمير أفريقية وقاهر أمير البربر”
الحلقة الثالثة عشرة: معاوية بن حديج السكوني “فاتح أفريقية”
الحلقة الرابعة عشرة: جنادة بن أبي أمية الأزدي “فاتح رودوس اليونانية”
الحلقة الخامسة عشرة: دحية بن خليفة الكلبي الحميري “شبيه الوحي”



