“الجنيد”.. صحفي نجا من مقصلة الحوثيين ليصبح عامل فندق في الخوخة (قصة صحفية)

أعد القصة لـ”يمن ديلي نيوز” عميد المهيوبي: كان الليل يضغط على صدره كيدٍ خفية، ممر ضيق، ضوء أصفر متعب، وخطوات تقترب ببطء.
لم يكن محمد علي الجنيد يخاف السجن، فقد عرفه مبكرًا، ما كان يخيفه حقاً أن يُطلب منه مرة أخرى، أن يكذب، أن يتخلى عن صوته. بهدوءٍ قاسٍ، قالوا له: كن معنا.لم يصرخوا، لم يهددوا، لم يقولوا اكتب، بل تركوا الباب مواربًا بين طريقين: “سلام ملوث، أو ألم نظيف”.
في تلك اللحظة، لم يستحضر شعارات ولا مواقف كبرى، فقط آية واحدة ((رب السجنُ أحب إلي مما يدعونني إليه)).
ولد محمد علي الجنيد في الخوخة، حيث البحر جار دائم، والنخيل ذاكرة مفتوحة، هناك تعلم الإصغاء للتفاصيل، وتحويل الهامشي إلى حكاية.
منذ أواخر التسعينات، اختار الصحافة طريقًا، أسس مجلة محلية، وكتب عن الناس البسطاء، عن الأماكن التي لا تصلها الكاميرات دون علمٍ بأن الكتابة، في بلد مختطف، قد تتحول إلى تهمة، أن هذا الاختيار سيطارده سنوات طويلة، وأن السجن لن يكون جدرانًا فقط، بل حياة تُسحب منه قطعةً قطعة.
الكلمة هي الطلقة القاتلة في عمق الفكر السلالي حيث سطرت ست حلقات تحت عنوان “تفاهات الحسين بدر الدين في ملازمه السوداء” قراءة تكشف ظلال مافيها من كذب ودجل على عامة الناس“.
بداية المأساة
تبدأ مأساة الجنيد من لحظة سعادته في مساء يوم الأربعاء 13/11/2018م، عندما حاصر الحوثيون منزله في حي السلخانة بمديرية الحالي التابعة لمحافظة الحديدة وهو برفقة أسرته يلعب مع ابنه أركان ذوِ الربيع السابع من العمر، وصغيرته رينال ذات الربيع الثاني، بسعادة وفرح، لتنقلب الفرحة إلى مأساة بشكل مفاجئ عندما نودي عليه بصوت خرج من مكبراتٍ محمولة، باردًا، حادًا، بلا روح: يا صحفي محمد علي الجنيد، اخرج فورًا… البيت محاصر، لا داعي للهرب.
سقطت الضحكة، تجمدت الحركة، وفهم في جزءٍ من الثانية، أن حياته ستنقسم بعدها إلى ما قبل وما بعد.
يقول الجنيد “حينما سمعتُ الصوت علمت أن الحوثيين قد جاءوا لاختطافي، فأعطيتُ زوجتي دفترًا فيه كل الأرقام الخاصة بي، وقلت لها ولأطفالي بنبرة منكسرة تخنقها الحسرة لا تخافوا، هؤلاء الحوثيين يريدونني”.
خرج ولم يعد
في ليلة الاختطاف، قيل له: “خمس دقائق وبترجع”، خمس دقائق تمددت إلى سنوات، قيدت يداه، عُصبت عيناه، وتحول الطريق إلى أمكنة بلا أسماء، حتى وصل إلى أول سجن، وهناك مُنع من التواصل مع أسرته، لم يعرفوا أين هو، ولا إن كان حيًا.
كانت أولى محطاته سجن في المدافن الواقع خلف الأمن السياسي في شارع الستين بالحديدة، حيث التقى بزملاء سبقوه إلى الظلمة، وثم نُقلوا إلى صنعاء، وفيها صار الألم رفيقًا يوميًا له.في السجن، لا ليل ولا نهار، فقط أسئلة بلا إجابة، ووجع لا ينتهي.
سجون وجراح
لا تلتئممر الصحفي الجنيد بخمسة سجون: من المدافن، إلى الأمن السياسي، ومرورًا بشملان الجديد، حيث “لا تزال الذاكرة تنزف”.
يروي الجنيد بصوت خافت: “قلعوا لي أربعاً من أسناني بالقوة، وضربوني حتى لم أعد أستطيع الجلوس من شدة الألم”.
ويضيف: “كان يتم تعليقي لأكثر من سبع ساعات كل يوم من المغرب للفجر.. ناهيك عن الضرب بالأسلاك الكهربائية وغيرها من وسائل التعذيب الشديدة والتعذيب النفسي”.
ويواصل أنه في إحدى ليالي السجن المظلمة في أغسطس من العام 2021م ” تعرضت لإمساك وكنت أشكو من ألم في البطن فتم إقرار عملية جراحية لي ونقلي إلى مستشفى الثورة بالعاصمة ليأتي الطبيب الخاص بالجماعة ويعمل العملية دون أدنى ضمير أو تقديراً لإصابتي بالسكر فقاموا بفتح بطني واستئصال ثلثي القولون والشبكة التي تغذي المعدة وعبثوا بالأمعاء وتركوا في بطني مناديل (فاين) بهدف أن أموت بعد الخروج من السجن”.
بعدها بيوم واحد فقط، حاولوا إعادته إلى السجن قبل التئام الجرح، ما أدى إلى تمزق العملية بالكامل ليتم نقله على إثرها إلى المستشفى السعودي الألماني، ومنها إلى السجن ليبقى يتألم هناك دون جدوى.
محاكمة غير عادلة
بعد ثلاثة أعوام من السجن والتعذيب تمت محاكمة الجنيد في العام 2021م “اتهمت بقضية مقتل صالح الصماد بالإضافة إلى عشرين قضية غيرها من رصد بعض الشخصيات الحوثية، والتخابر مع العدوان حد وصفهم وغيرها من القضايا الكيدية التي لا أساس لها من الصحة. أفضت جميعها إلى اصدار حكم إعدام بحقي”.
تمت إعادته إلى السجن مجدداً ولمدة عامين ونصف من التعذيب رفضت خلالها جماعة الحوثي الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل أسرى حتى خرج بوساطة منظمة العفو الدولية في تاريخ 1-7-2023م بعد خمس سنوات وسبعة أشهر من المعاناة.خرج الجنيد من السجن بجسد نحيل، وصوت أكثر هدوءاً، وعينان لا تزالان تعرفان الحقيقة.
يقول: “فور خروجي زرت أسرتي، لكن التهديدات لم تتوقف، فاضطررت للتهرب بحرًا إلى الخوخة”.
من السجن الى الخذلان
حينما وصل الجنيد إلى الخوخة خضع لعملية تصحيح جراحية، لإزالة آثار العملية السابقة (التي اجريت له في الاسر).
لم يجد شيئًا.. لا عمل، لا بابًا مفتوحًا، ولا حتى سؤالًا حقيقيًا عن حاله.مر عامان وهو جالس في قريته، بعيدًا عن أسرته التي اضطر لتركها ، يتأمل الطريق، ويحسب الأيام ليفهم لماذا صار الخذلان أثقل من السجن، وكيف أن بعض الألم يبدأ حين تظن أنك نجوت.”
توقعت أجد عملًا بالمقاومة الوطنية، كون الكثير من الزملاء هناك ممن تربطني بهم علاقات سابقة، وظننت أن الفريق أول طارق صالح سوف يستوعبني تقديرًا لما تعرضتُ له طيلة خمس سنوات و7 أشهر داخل سجون الحوثيين بصنعاء ولكن دون جدوى”.
وجع مستمر
الجنيد بحث عن الصحافة فلم يجدها، حاول البحث عن اسمه في ذاكرة الساحل الغربي فوجد الغبار والخذلان ممن كان يظن أنهم سيقفون معه ما تبقى من عمره.اليوم، يقف على حافة الطريق، لا يمد يده، ولا يطلب شفقة. كل ما يريده عملًا.. شريفاً، لقمة حلال، وشيء يعيد له الشعور بأنه ما زال قادرًا على الوقوف.
صحفي قضى أكثر من خمسة عشر عامًا يكتب قصص الآخرين، انتهى به المطاف عاملًا بسيطًا في فندق “الشرق الأوسط” بالخوخة؛ يفتح الأبواب للآخرين، بينما أُغلقت في وجهه كل الأبواب التي فتحها يومًا بالكلمةويمضي السؤال مع خطواته البطيئة: كم يحتاج الناجون من السجون، لينجوا من الخذلان؟



