ملخص كتابأهم الاخبارالأخبار

أثر خطط الاستجابة الإنسانية على الحد من تدهور المؤشرات المعيشية في اليمن (دراسة)

الدراسة تشمل مراجعة تحليلية للفترة من 2015 – 2025

إعداد المستشار/ د. محمد أحمد المعزب

الملخص التنفيذي

تهدف هذه الدراسة إلى مراجعة نظرية في تحليل أثر وفعالية خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال الفترة (2015-2025) في الحد من تدهور المؤشرات المعيشية الأساسية، معتمدةً على منهج تحليلي يستند إلى بيانات وتقارير موثوقة من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) والمنظمات الدولية.

وتوصلت الدراسة إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الاستجابة الإنسانية عملت كـجهاز تنفس صناعي نجح في منع الانهيار الكامل للدولة والمجتمع، لكنه في المقابل كرّس حالة من الاعتمادية المزمنة دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمة.

وتُرجع الدراسة هذا القصور إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

  • أولاً، تصميم التدخلات للتركيز على “عتبة البقاء” البيولوجي بدلاً من تحقيق الرفاه.
  •  ثانياً، أن الفجوة السياسية المتمثلة في القيود المفروضة من أطراف الصراع كانت أشد تأثيراً من الفجوة التمويلية.
  • ثالثاً، فشل استراتيجيات “الترابط التنموي” و”الصمود” في إحداث تحول هيكلي في ظل غياب الإرادة السياسية.

وبناءً على ذلك، توصي الدراسة بضرورة إعادة توجيه الاستراتيجية المستقبلية عبر استخدام المساعدات كورقة ضغط سياسي لضمان الوصول، وتصميم برامج تهدف لكسر دائرة الاعتمادية عبر مكونات “تخريج” إلزامية، وقياس “تكلفة القيود” بالأرقام لتحويلها إلى حجة دامغة في حملات المناصرة الدولية.

المقدمة

منذ اندلاع النزاع المسلح في اليمن عام 2015م، دخلت البلاد في أزمة إنسانية معقّدة وممتدة، تُعد من بين الأشد حدة على مستوى العالم، نتيجة تداخل عوامل الصراع المسلح مع الانهيار الاقتصادي، وتآكل مؤسسات الدولة، وتدهور الخدمات الأساسية، فضلًا عن التأثيرات المتزايدة للصدمات المناخية.

وقد أسهم هذا التداخل في تفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي، وتدهور سبل العيش، وارتفاع مخاطر الحماية، لا سيما بين الفئات الأشد ضعفًا، مثل النساء والأطفال، والنازحين داخليًا، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمهمشين، واللاجئين والمهاجرين (OCHA, 2025).

وفي مواجهة هذا الواقع، اضطلع المجتمع الدولي، عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) وبالشراكة مع المنظمات الإنسانية الدولية والوطنية، بإعداد وتنفيذ سلسلة متعاقبة من خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن ( HRPs) منذ عام 2015م، باعتبارها الإطار التنسيقي الرئيس لتوجيه التدخلات الإنسانية وتحديد الأولويات القطاعية والجغرافية.

وقد ركزت الخطط الأولى (2015–2016م) على الاستجابة الطارئة للاحتياجات المنقذة للحياة، خاصة في قطاعات الأمن الغذائي، والصحة، والمياه والإصحاح البيئي، والحماية، في ظل تصاعد وتيرة النزاع واتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية (OCHA, 2015; OCHA, 2016).

ومع استمرار الأزمة خلال الفترة (2017–2018م)، شهدت خطط الاستجابة الإنسانية تطورًا تدريجيًا من حيث حجم التمويل المطلوب، وعدد المستفيدين المستهدفين، وتعزيز آليات التنسيق بين الشركاء الإنسانيين.

كما بدأت هذه الخطط في الانتقال من التركيز الحصري على الاستجابة الطارئة إلى تبني تدخلات إنسانية أكثر شمولًا في سياق أزمة مزمنة، مع التأكيد على مبادئ العمل الإنساني، ودور الشراكات مع الفاعلين الوطنيين، رغم القيود التشغيلية المتزايدة (OCHA, 2017; OCHA, 2018).

وخلال الفترة من 2019م إلى 2021م، تعمّق اعتماد خطط الاستجابة الإنسانية على نهج تحديد الأولويات استنادًا إلى شدة الاحتياج، مع تطوير أدوات التحليل الإنساني المشترك، بما في ذلك تقديرات عدد المحتاجين (People in Need – PiN).

وقد تزامن ذلك مع تداعيات جائحة كوفيد-19، والانكماش الاقتصادي، وتراجع مستويات التمويل الإنساني، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية والقدرة الفعلية على الاستجابة لها، رغم استمرار الجهود الإنسانية المنسقة (OCHA, 2020; OCHA, 2021).

وتأتي خطط الاستجابة الإنسانية للأعوام (2022–2025م) في سياق يتسم باستمرار النزاع وتفاقم التحديات التمويلية والتشغيلية، ما دفع إلى تبني مقاربات أكثر تركيزًا وكفاءة.

وتُبرز خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025م بشكل خاص أن نحو 19.5 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، وهو ما يعكس استمرار الاتجاه التصاعدي للاحتياجات الإنسانية بعد عقد كامل من التدخلات الدولية (OCHA, 2025).

كما تصف الخطة نفسها بأنها خطة عالية الأولوية ومحددة النطاق، تركز على الأنشطة المنقذة للحياة والضرورية لاستدامتها، في ظل محدودية الموارد المالية (OCHA, 2025).

وتؤكد خطة 2025م، بوضوح، أن العمل الإنساني، رغم أهميته في التخفيف من المعاناة الإنسانية وإنقاذ الأرواح، لا يمكن أن يشكل حلًا دائمًا للأزمة في اليمن. إذ إن الحد المستدام من الاحتياجات الإنسانية يتطلب إحراز تقدم فعلي نحو السلام، وإنعاش الاقتصاد الوطني، وتعزيز مسارات التعافي المبكر والتنمية، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية.

وبناءً على ذلك، تمثل خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال الفترة (2015–2025م) إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم تطور المقاربات الإنسانية الدولية، وتقييم أثرها وحدودها في سياق أزمة ممتدة ومعقّدة (OCHA, 2025).

 الإطار المفاهيمي والنظري:

يُعد فهم الإطار المفاهيمي والنظري أمرًا بالغ الأهمية لتحليل العلاقة المعقدة بين التدخلات الإنسانية وتأثيرها على المؤشرات المعيشية في سياق الأزمات المعقدة مثل الأزمة اليمنية.

 أهداف خطط الاستجابة

تشمل الأهداف الرئيسية ما يلي:

1.     إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة من خلال توفير المساعدات الطارئة مثل الغذاء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الصحية

2.     حماية الفئات الأكثر ضعفًا بما في ذلك النساء والأطفال والنازحون داخليًا والأشخاص ذوو الإعاقة، من العنف والاستغلال والانتهاكات

3.     استعادة الكرامة الإنسانية من خلال توفير الخدمات الأساسية والدعم النفسي والاجتماعي

4.     دعم سبل العيش الأساسية لتمكين المجتمعات من الصمود والتعافي على المدى القصير

منهجية الدراسة:

تعتمد هذه الورقة على منهجية تكاملية تمزج بين التحليل الوثائقي ومنهج الباحث-الممارس. يستند الجانب الأول إلى استقصاء مكتبي منهجي للمصادر والوثائق الرسمية، وتحديداً كافة خطط الاستجابة الإنسانية (HRPs) الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في اليمن خلال الفترة (2015-2025).

أما الجانب الثاني، فتستمد فيه الورقة رصانتها التحليلية من الخبرة الميدانية التراكمية للباحث التي تمتد لأكثر من 18 عاماً في قطاع العمل الإنساني اليمني كمنفذ ميداني للكثير من التدخلات ومتابعاً ومقيماً ومستشاراً.

وقد أتاحت هذه الخبرة المشاركة المباشرة في اجتماعات المجموعات القطاعية (Clusters) وحضور الاجتماعات العامة وحلقات النقاش والمشاركة في إعداد تقارير الاحتياجات الإنسانية، مع توظيف منهج الملاحظة بالمشاركة.

هذا المنهج سمح بمقاربة المعطيات الإحصائية بالواقع الميداني عبر الاحتكاك المهني المستمر مع خبراء الوكالات الأممية والمنظمات الدولية ضمن جلسات التخطيط الاستراتيجي ولقاءات المجموعات القطاعية.

وتم العمل على موازنة هذه الخبرة الميدانية مع التحليل الموضوعي للوثائق لضمان أكبر قدر من الدقة والموثوقية في الاستنتاجات.

خطط الاستجابة الإنسانية 

تُعرف خطط الاستجابة الإنسانية (HRPs) بأنها وثائق استراتيجية شاملة تُعدها الأمم المتحدة وشركاؤها الإنسانيون، بالتعاون مع الحكومات المحلية، لتحديد الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحًا وتنسيق الاستجابة لها في بلد أو منطقة متأثرة بأزمة.

تهدف هذه الخطط إلى توفير إطار عمل موحد لجميع الجهات الفاعلة الإنسانية، وتحديد الأهداف الاستراتيجية، والقطاعات ذات الأولوية، والموارد المالية المطلوبة لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المتضررين.

المؤشرات المعيشية

تُشير المؤشرات المعيشية إلى مجموعة من المقاييس التي تعكس جودة حياة الأفراد والمجتمعات وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية والوصول إلى الموارد والفرص. في سياق الأزمات الإنسانية، يُركز على المؤشرات التي تتأثر بشكل مباشر بالصراع والتدخلات الإنسانية. تشمل المؤشرات المعيشية الرئيسية في هذه الدراسة ما يلي:

1.     الأمن الغذائي: يُقاس بمدى توفر الغذاء الكافي والآمن والمغذي للأفراد، وقدرتهم على الوصول إليه بانتظام. تشمل مؤشراته مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد (وفق تصنيف IPC)، ومعدلات سوء التغذية (خاصة بين الأطفال)، وتوفر السلع الغذائية الأساسية.

2.     الدخل: يُعبر عن القدرة الشرائية للأفراد والأسر، ويُقاس بمتوسط الدخل الفردي أو الأسري، ومعدلات البطالة، ومستويات الفقر. يُعد تدهور الدخل مؤشرًا رئيسيًا على تدهور الأوضاع المعيشية.

3.     الصحة: تشمل مؤشرات الصحة مدى توفر الخدمات الصحية الأساسية، ومعدلات الوفيات (خاصة وفيات الأمهات والأطفال)، وانتشار الأمراض والأوبئة، والوصول إلى الأدوية والمستلزمات الطبية.

4.     التعليم: يُقاس بمدى الوصول إلى التعليم الجيد، ومعدلات الالتحاق والتسرب من المدارس، ومستوى التحصيل العلمي، وتوفر البنية التحتية التعليمية .

5.     سبل العيش: تُشير إلى الأنشطة والموارد التي يعتمد عليها الأفراد والأسر لتوليد الدخل وتلبية احتياجاتهم. تشمل مؤشراتها فرص العمل، والوصول إلى الأراضي الزراعية والمياه، ودعم المشاريع الصغيرة، والقدرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية.

تطوّر خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن (2015–2025):

تُمثّل خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن، خلال الفترة الممتدة من عام 2015م إلى عام 2025م، الإطار الرئيس لتنظيم التدخل الإنساني الدولي في سياق نزاع مسلح معقّد وطويل الأمد.

وقد أظهرت هذه الخطط تحوّلًا تدريجيًا من الاستجابة الطارئة المنقذة للحياة في السنوات الأولى للنزاع، إلى نموذج لإدارة أزمة إنسانية مزمنة يتّسم بتضييق نطاق التدخل، وتحديد أولويات صارمة، والتركيز على الحد الأدنى من الأنشطة المنقذة للحياة.

كما كشفت عن فجوة متزايدة بين الاحتياجات الإنسانية المتصاعدة والموارد التمويلية المتاحة.

 –1خطة الاستجابة الإنسانية 2015 م

تعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2015م (النسخة المنقحة) وثيقة استراتيجية طارئة استهدفت إنقاذ الأرواح، وحماية المدنيين، وبناء قدرات الجهات المحلية في ظل تصاعد النزاع المسلح، حيث اعتمدت منهجية صارمة لترتيب الأولويات تركز على التدخلات العاجلة والقصوى بدلاً من برامج التعافي الطويل الأمد؛ وذلك لمواجهة احتياجات 21.1 مليون شخص حوالي (80% من السكان)، مع وضع هدف تشغيلي للوصول إلى 11.7 مليون مستهدف بميزانية إجمالية بلغت 1.6 مليار دولار أمريكي؛ وقد حققت الخطة نتائج ملموسة شملت تقديم مساعدات غذائية لـ 1.9 مليون شخص، وتوفير خدمات المياه والإصحاح لمليون شخص، ودعم المنشآت الصحية بالوقود، فيما خلصت إلى توصيات تؤكد أن الحل السياسي هو المخرج الوحيد للأزمة، مع ضرورة استئناف الواردات التجارية وتوسيع النطاق العملياتي للمنظمات الدولية لضمان الفعالية الميدانية.

–2  خطة الاستجابة الإنسانية 2016 م

تعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2016م وثيقة استراتيجية ركزت بشكل أساسي على الأنشطة المباشرة لإنقاذ الأرواح وحماية المدنيين في ظل استمرار النزاع، حيث استهدفت تلبية احتياجات 21.2 مليون شخص (حوالي 82% من السكان)، مع وضع هدف تشغيلي للوصول إلى 13.6 مليون مستهدف بميزانية إجمالية قدرها 1.8 مليار دولار أمريكي؛ وقد اعتمدت الخطة منهجية تقوم على أربعة أهداف استراتيجية تشمل تقديم المساعدات المنقذة للحياة للفئات الأضعف، وتعزيز ومناصرة الحماية، وضمان المساواة في الوصول للمساعدات بين الجنسين، ودعم القدرة على الصمود والتعافي المستدام عبر مشاريع مثل إزالة الألغام وتعزيز القدرات المحلية؛ وأبرزت الخطة في نتائجها الأولية نجاح الشركاء في الوصول إلى 8.8 مليون شخص خلال العام السابق رغم فجوات التمويل، وخلصت إلى توصيات ملحة بضرورة توفير التمويل الفوري البالغ 1.3 مليار دولار للأنشطة العاجلة، مع التأكيد على أن كافة البرامج المقترحة قابلة للتنفيذ وضرورية لتخفيف معاناة المدنيين في المناطق الأكثر تضرراً مثل تعز وحجة وصعدة.

–3  خطة الاستجابة الإنسانية  2017م

تُعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2017م وثيقة استراتيجية متكاملة استهدفت تقديم المساعدة المنقذة للحياة لـ 12 مليون شخص من الفئات الأكثر ضعفاً، وذلك استجابةً للاحتياجات المتزايدة لـ 18.8 مليون شخص (بينهم 10.3 مليون في حاجة ماسة) بميزانية إجمالية بلغت 2.1 مليار دولار أمريكي؛ وقد اعتمدت الخطة منهجية استراتيجية تركز على ثلاثة أهداف رئيسة: تقديم المساعدات المباشرة لإنقاذ الأرواح، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والمياه، وتعزيز حماية المدنيين وفق القانون الدولي الإنساني. وتميزت الخطة بالتحول نحو الاستجابة المتكاملة في القطاعات الحيوية لاسيما في مواجهة خطر المجاعة وتفشي الأمراض كالكوليرا، محققة نتائج ملموسة عبر توفير شبكة أمان غذائي وصحي لملايين اليمنيين رغم القيود الأمنية والتمويلية؛ وخلصت الوثيقة إلى توصيات مهنية تدعو المانحين لتقديم تمويل مرن وسريع، وتؤكد على ضرورة حماية البنية التحتية المدنية وضمان حرية الوصول الإنساني كركائز أساسية لفعالية التدخل الدولي في اليمن.

–4  خطة الاستجابة الإنسانية 2018 م

تُعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2018م الوثيقة الأكبر والأكثر طموحاً في مسار العمل الإنساني باليمن حتى ذلك الوقت، حيث استهدفت الوصول إلى 13.1 مليون شخص من الفئات الأكثر ضعفاً، لمواجهة احتياجات هائلة شملت 22.2 مليون شخص (حوالي 75% من السكان) بميزانية ضخمة بلغت 2.96 مليار دولار أمريكي؛ وقد اعتمدت الخطة منهجية استراتيجية ترتكز على أربعة أهداف محورية: تقديم المساعدات المنقذة للحياة، والحد من انتشار الأمراض والأوبئة (لاسيما الكوليرا)، وتعزيز الحماية للمدنيين، بالإضافة إلى هدف نوعي يدعم الحفاظ على قدرات مؤسسات الخدمة العامة لمنع الانهيار الكامل للدولة؛ وقد حققت الخطة في نتائجها الأولية توسعاً في شبكة الأمان الغذائي والصحي رغم التحديات الأمنية في الموانئ والمطارات، وخلصت إلى توصيات استراتيجية بضرورة استدامة التمويل المرن والربط بين الإغاثة الطارئة وبين تعزيز الصمود المجتمعي لتقليل الاعتماد طويل الأمد على المساعدات.

 –5 خطة الاستجابة الإنسانية 2019 م

تُمثل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2019م التحول الاستراتيجي الأكبر في آليات التدخل الدولي، حيث صُممت لمواجهة أزمة بلغت ذروتها بوجود 24.4 مليون شخص في احتياج للمساعدة (حوالي 80% من السكان)؛ وقد وضعت الخطة هدفاً عملياتياً طموحاً للوصول إلى 15 مليون مستهدف بميزانية قياسية بلغت 4.19 مليار دولار أمريكي. اعتمدت منهجية الخطة على “الاستجابة المتكاملة” من خلال خمسة أهداف استراتيجية ركزت على: إنقاذ الأرواح، والحفاظ على تدفق المساعدات عبر الموانئ الحيوية، وتوسيع نطاق الحماية، وتعزيز الصمود المعيشي، وتفعيل التنسيق البيني بين القطاعات لمنع المجاعة وتفشي الأوبئة؛ وقد أفرزت الخطة نتائج جوهرية في استقرار مؤشرات الأمن الغذائي في مناطق “البؤر الساخنة”، وخلصت إلى توصيات مهنية مشددة بضرورة تمكين الشركاء الوطنيين وتوسيع الرقابة الميدانية لضمان وصول الدعم لمستحقيه في ظل تعقيدات الوصول الإنساني .

 –6 خطة الاستجابة الإنسانية2020  م

تُعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2020م (وثيقة التمديد: يونيو – ديسمبر) وثيقة استثنائية جاءت في ظل “العاصفة الكاملة” التي جمعت بين دخول النزاع عامه السادس، والانهيار الاقتصادي، وتفشي جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)؛ حيث استهدفت الخطة الوصول إلى 19 مليون شخص من أصل 24.3 مليون محتاج (ما يعادل 80% من السكان) بميزانية إجمالية بلغت 2.41 مليار دولار أمريكي (تضمنت 180 مليون دولار مخصصة للاستجابة لوباء كوفيد-19).

اعتمدت الخطة منهجية مرنة قائمة على “السيناريوهات المتعددة” (الأهداف المثلى مقابل الأهداف المُخفّضة) نظراً لعدم اكتمال بيانات الاحتياجات الجديدة بسبب القيود البيروقراطية في المناطق الشمالية، وركزت استراتيجياً على مسارين متوازيين: الحفاظ على برامج البقاء على قيد الحياة (الغذاء، الصحة، المياه)، ومواجهة الجائحة عبر ثلاثة خطوط جهد: كبح انتقال العدوى، تأمين الإمدادات الطبية، وتعزيز القدرات السريرية لإنقاذ الأرواح.

أبرزت الوثيقة تحديات تشغيلية غير مسبوقة، حيث سجلت 1,810 حادثة إعاقة وصول في الربع الأول من العام فقط، واضطرار الشركاء لتقليص المساعدات الغذائية وخدمات الصحة بسبب نقص التمويل الحاد، وخلصت إلى أن اليمن يواجه خطر “المجاعة الصامتة” وتفشي الأوبئة ما لم يتم تأمين بيئة تشغيلية آمنة وتمويل عاجل لمنع الانهيار الكامل للمؤسسات العامة.

– 7 خطة الاستجابة الإنسانية2021  م

تُعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2021م وثيقة استراتيجية حاسمة صُممت لمنع حدوث مجاعة واسعة النطاق واحتواء تفشي الأوبئة في ظل دخول الصراع عامه السابع، حيث استهدفت الوصول إلى 16 مليون شخص من الفئات الأشد ضعفاً من أصل 24.3 مليون محتاج (ما يعادل 80% من السكان)، وذلك بميزانية إجمالية بلغت 3.85 مليار دولار أمريكي؛ وقد اعتمدت الخطة منهجية ترتكز على ثلاثة أهداف استراتيجية تشمل الحد من الوفيات والمرضى عبر التدخلات المنقذة للحياة، وتحسين الظروف المعيشية من خلال تعزيز الوصول إلى الخدمات الأساسية، ومنع وتخفيف مخاطر الحماية، مع تميزها بالتركيز على معالجة الدوافع الاقتصادية للأزمة وتوفير استجابة متكاملة في المناطق ذات الأولوية القصوى (المستوى 4 و5 من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) لضمان الفعالية في ظل قيود الوصول ونقص التمويل الحاد.

– 8 خطة الاستجابة الإنسانية 2022 م

تُعد خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2022م وثيقة استراتيجية شاملة صُممت للاستجابة لواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالمياً مع دخول النزاع عامه الثامن وتفاقم التدهور الاقتصادي؛ حيث استهدفت الخطة الوصول إلى 17.9 مليون شخص من أصل 23.4 مليون محتاج (ما يقارب ثلاثة أرباع السكان) بميزانية إجمالية بلغت 4.27 مليار دولار أمريكي. ارتكزت الخطة على ثلاثة أهداف استراتيجية محورية: الحد من انتشار الأمراض والوفيات من خلال المساعدات المنقذة للحياة، وتحسين مستويات المعيشة وتعزيز القدرة على الصمود، ومنع وتخفيف مخاطر الحماية وتيسير سبل الانتصاف للفئات المتضررة. وقد تميزت هذه النسخة بتبني نهج الاستجابة المتكاملة (مثل مبادرة الحد من مخاطر المجاعة IFRR) والربط مع الإطار الاقتصادي لمعالجة جذور الأزمة، مع إيلاء أولوية قصوى للفئات الأشد ضعفاً كالنازحين داخلياً (4.3 مليون)، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمهاجرين، والنساء والأطفال.

– 9 خطة الاستجابة الإنسانية 2023 م

تُمثل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2023م وثيقة التخطيط الاستراتيجي لدخول الصراع عامه التاسع، حيث صُممت لمواجهة أزمة إنسانية ممتدة ومعقدة استهدفت من خلالها المنظمات الدولية الوصول إلى 17.3 مليون شخص من الفئات الأشد ضعفاً، استجابةً لاحتياجات 21.6 مليون محتاج (ما يعادل ثلثي السكان)، وذلك بميزانية إجماليّة بلغت 4.3 مليار دولار أمريكي؛ وقد اعتمدت الخطة منهجية ثلاثية الأبعاد ترتكز على الحد من معدلات الوفيات والمراضة عبر التدخلات المنقذة للحياة، وتعزيز الاستدامة والصمود لتحسين سبل العيش لـ 2.8 مليون شخص لتقليل الاعتماد المفرط على المساعدات، بالإضافة إلى توفير بيئة آمنة وحماية قانونية لـ 4.7 مليون شخص، مع تميزها بتبني نهج “الترابط” (Nexus) الذي يدمج بين العمل الإغاثي والحلول التنموية لمواجهة التحديات الهيكلية المتمثلة في الانهيار الاقتصادي وتدهور قيمة العملة لضمان عدم تراجع المؤشرات المعيشية.

 – 10خطة الاستجابة الإنسانية 2024 م

تُمثل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2024م وثيقة التخطيط الاستراتيجي مع دخول الصراع عامه العاشر، حيث صُممت لمواجهة أزمة إنسانية ممتدة استهدفت من خلالها المنظمات الدولية الوصول إلى 11.2 مليون شخص من الفئات الأشد ضعفاً، استجابةً لاحتياجات( 18.2 مليون محتاج  (ما يزيد عن نصف السكان)، وذلك بميزانية إجمالية بلغت 2.7 مليار دولار أمريكي.

وقد اعتمدت الخطة منهجية ثلاثية الأبعاد؛ يرتكز الهدف الأول فيها على الحد من معدلات الوفيات والمرضى عبر تدخلات منقذة للحياة متكاملة ومتعددة القطاعات، بينما ركز الهدف الثاني على تحسين الوصول غير المشروط للخدمات الأساسية وتعزيز الصمود من خلال نهج “الترابط” (Nexus) الذي يدمج بين العمل الإغاثي والتنموي وبناء السلام لضمان حلول مستدامة وتقليل الاعتماد على المساعدات، في حين ركز الهدف الثالث على حماية وصون كرامة الفئات المتضررة بما يتماشى مع المعايير الدولية.

وتتميز خطة عام 2024م بتبني نهج تصاعدي (Bottom-up) يعتمد على المشاورات المحلية على مستوى المحافظات، وتعزيز أجندة توطين العمل الإنساني (Localization)، مع التركيز على التصدي لآثار التغير المناخي والتحديات الاقتصادية الهيكلية لضمان تقديم استجابة أكثر كفاءة وقرباً من أولويات السكان المتضررين.

– 11 خطة الاستجابة الإنسانية 2025 م

تُمثل خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025م المرحلة الأحدث في مسار إدارة الأزمة مع دخول الصراع عامه الحادي عشر، حيث تتبنى الوثيقة نهجاً استراتيجياً متقدماً يدمج بين الاحتياجات والاستجابة (HNRP) لمواجهة تحديات 19.5 مليون شخص في احتياج للمساعدة، مع وضع هدف عملياتي للوصول إلى 10.5 مليون شخص من الفئات الأشد ضعفاً بميزانية إجمالية قُدرت بـ 2.47 مليار دولار أمريكي؛ وتعتمد الخطة منهجية تركز على الكفاءة النوعية عبر أهداف استراتيجية تشمل تقديم المساعدات المنقذة للحياة، وتعزيز الوصول العادل للخدمات الأساسية، وتقليل المخاطر المتعلقة بالحماية، مع تميزها هذا العام بتركيز مكثف على الفئات الأكثر تهميشاً مثل النازحين (15% من المستهدفين) والأشخاص ذوي الإعاقة (15%)، واعتمادها على شراكة واسعة تشمل 197 شريكاً إنسانياً (بينهم 128 منظمة محلية) لتعزيز نهج الاستجابة القائمة على المناطق والتحول نحو الحلول المستدامة في ظل متغيرات جيوسياسية واقتصادية معقدة.

جدول رقم (1) يبين اعداد المخطط والمستفيد من السكان والمبالغ المخططة والمستلمة خلال فترة خطط الاستجابة

العامالأشخاص المحتاجون (مليون)الأشخاص المستهدفون (مليون)الأشخاص الذين تم الوصول إليهم (مليون)مبالغ الاستجابة المطلوبة (مليار دولار)مبالغ الاستجابة المستلمة (مليار دولار)
201521.111.7غير متاح1.600.89
201621.213.6غير متاح1.631.03
201718.812.0غير متاح2.341.76
201822.213.1غير متاح3.112.51
201924.121.413.74.23.6
202024.121.410.03.42.0
202120.716.011.63.92.4
202223.417.910.74.32.2
202321.617.38.74.31.6
202418.211.28.02.71.4
202519.510.55.02.50.7
الاجمالي33.9820.09

المصدر/ من إعداد الباحث مستعينا بخطط الاستجابة الإنسانية الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيةOCHA

عرض النظريات المفسّرة للعلاقة بين التدخلات الإنسانية وتحسين/تدهور المؤشرات المعيشية

1.     نظرية إدارة الأزمات الإنسانية الممتدة

تُعرَّف نظرية إدارة الأزمات الإنسانية الممتدة بأنها إطار تحليلي يُعنى بفهم كيفية تعامل الفاعلين الإنسانيين مع الأزمات التي تفقد طابعها الطارئ وتتحول إلى أوضاع إنسانية مزمنة طويلة الأمد، حيث يصبح الهدف الرئيس هو إدارة الأزمة والحد من تدهورها بدل السعي إلى إنهائها. وقد تطورت هذه المقاربة من خلال أعمال مارك دوفيلد (Mark Duffield) وتقارير ALNAP والبنك الدولي حول الدول الهشّة والنزاعات الممتدة.

تفسيّر النظرية لهذه الدراسة:

في سياق هذه الدراسة، تقدم نظرية إدارة الأزمات الإنسانية الممتدة تفسيراً عميقاً للتحولات الاستراتيجية في خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن. فبدلاً من النظر إلى هذه التحولات على أنها مجرد استجابة لتغير الاحتياجات أو تقلبات التمويل، تكشف النظرية أنها تمثل تحولاً نموذجياً مقصوداً في كيفية إدارة الأزمة. يمكن تفصيل هذا التفسير في النقاط التالية:

1.     تُفسر النظرية التحول التدريجي في أهداف خطط الاستجابة الإنسانية. فبعد أن كانت التدخلات في السنوات الأولى للنزاع تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية بشكل واسع، تحولت الأهداف لتصبح أكثر واقعية بشكل قاسٍ: منع الانهيار الكامل لمؤشرات الحياة الأساسية. لم يعد الهدف هو إعادة بناء سبل العيش، بل ضمان بقاء السكان عند الحد الأدنى من الكفاف، وهو ما يظهر جلياً في التركيز على الأمن الغذائي الطارئ والخدمات الصحية الأولية فقط.

2.     تُظهر النظرية أن تقليص عدد المستفيدين وتشديد معايير الاستهداف ليسا دليلاً على تحسن الأوضاع الإنسانية، بل هما تطبيق عملي لاستراتيجية إدارة الندرة (Managed Scarcity). في ظل أزمة مزمنة، ومحدودية الموارد، وغياب أي حل سياسي في الأفق، يضطر الفاعلون الإنسانيون إلى اتخاذ قرارات صعبة حول “من يستحق المساعدة” بناءً على معايير البقاء على قيد الحياة، مما يحول المساعدات إلى أداة لإدارة الحياة والموت.

3.     تفيد النظرية بأن استمرار الأزمة لسنوات طويلة يؤدي إلى حالة من “التطبيع”، حيث تصبح هياكل الطوارئ جزءاً من الواقع اليومي. الاستجابة الإنسانية لم تعد جسراً مؤقتاً نحو التعافي، بل أصبحت بنية تحتية شبه دائمة تعمل بالتوازي مع (أو كبديل عن) مؤسسات الدولة المنهارة. هذا الوضع يكرس الاعتماد على المساعدات ويجعل من الصعب التخطيط لمرحلة ما بعد الأزمة.

4.     تؤكد النظرية أن هذا التحول في الاستجابة الإنسانية هو نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية لحل النزاع. عندما تصبح الأزمة “ممتدة”، يتحول التركيز من الحلول المستدامة (التي تتطلب استقراراً سياسياً) إلى حلول مؤقتة لإدارة الأعراض. وبالتالي، فإن الاستجابة الإنسانية، على أهميتها، تصبح جزءاً من إدارة الوضع الراهن بدلاً من تغييره، مما قد يقلل من البحث عن حل سياسي شامل.

بهذا المعنى، لا تعكس خطط الاستجابة المتغيرة مجرد قيود لوجستية أو مالية، بل تعكس تبنّياً واعياً أو غير واعٍ لمنطق “إدارة الأزمة الممتدة”، حيث الهدف لم يعد إنهاء المعاناة، بل جعلها قابلة للإدارة ضمن حدود الموارد المتاحة

2.نظرية الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية

تشير نظرية الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية إلى أن الاستجابة الإنسانية في البيئات عالية الخطورة يجب أن تضمن إبقاء الأفراد فوق عتبة البقاء البيولوجي والاجتماعي دون استهداف تحسين شامل لمستويات الرفاه. وترتكز هذه النظرية على المعايير التي وضعها مشروع SPHERE، وإسهامات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب الأسس المفاهيمية التي قدمها أمارتيا سن في تحليل الحرمان والقدرات.

تفسيّر النظرية لهذه الدراسة:

 في إطار هذه الدراسة، تقدم نظرية الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية عدسة تحليلية دقيقة لفهم منطق تصميم خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن. فبدلاً من اعتبار هذه الخطط قاصرة أو فاشلة في تحقيق التنمية، تُظهر النظرية أنها مصممة بوعي لتحقيق هدف محدد ومحدود: إبقاء السكان فوق عتبة البقاء. يمكن تفصيل هذا التفسير عبر النقاط التالية:

1.     تُفسر النظرية لماذا اعتمدت خطط الاستجابة بشكل شبه حصري على مؤشرات الأزمة الحادة والمباشرة. إن التركيز على معدلات سوء التغذية الحاد الوخيم (SAM)، ومعدلات الوفيات الخام (CMR)، والوصول إلى المياه الصالحة للشرب بالحد الأدنى، ليس مجرد اختيار، بل هو تطبيق مباشر لمنطق “عتبة البقاء”. هذه المؤشرات، المستمدة من معايير عالمية مثل مشروع SPHERE، تعمل كبوصلة لتوجيه الموارد الشحيحة نحو منع الوفيات الجماعية، مع تجاهل شبه كامل لمؤشرات الرفاه الأوسع مثل التعليم، وجودة السكن، أو المشاركة الاجتماعية.

2.     تُظهر هذه الدراسة أن ثبات أو تدهور مؤشرات المعيشة العامة خلال الفترة (2015–2025) ليس فشلاً للاستجابة، بل هو نتيجة متوقعة ومنطقية لتصميمها. فالهدف لم يكن أبداً معالجة الأسباب الجذرية والبنيوية للتدهور المعيشي كالفقر المزمن، وانهيار الخدمات العامة، وتوقف عجلة الاقتصاد. بدلاً من ذلك، صُممت التدخلات لتكون “شبكة أمان أخيرة” تمنع السقوط في هوة المجاعة الشاملة أو الأوبئة الفتاكة، دون أن تمتلك الأدوات أو التفويض اللازم لإعادة بناء السلم الذي انهار.

3.     توفر النظرية إطاراً لشرعنة التدخلات المحدودة في بيئة شديدة الخطورة والتعقيد مثل اليمن. فمن خلال التركيز على الحد الأدنى المتفق عليه عالمياً، يستطيع الفاعلون الإنسانيون تبرير قراراتهم الصعبة بتخفيض المساعدات أو استبعاد فئات معينة، بحجة أن الأولوية القصوى هي إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح المهددة بشكل مباشر. هذا المنطق يحول النقاش من “لماذا لا نفعل المزيد؟” إلى “هل نجحنا في منع الكارثة الكبرى؟”.

4.     تُبرز النظرية الفصل الحاد الذي فرضته الأزمة بين العمل الإنساني (المرتبط بالبقاء) والعمل التنموي (المرتبط بالازدهار). في سياق اليمن، تم تجميد الأجندة التنموية تقريباً، وأصبحت الاستجابة الإنسانية هي الفعل الوحيد الممكن. ونتيجة لذلك، فإن تصميم الخطط يعكس هذا الواقع، حيث يتم التعامل مع السكان كمجرد “مستفيدين” بحاجة إلى سعرات حرارية ورعاية صحية طارئة، وليسوا “مواطنين” لهم حقوق تنموية واقتصادية واجتماعية.

بهذا التحليل، يتضح أن خطط الاستجابة لم تكن مجرد ردود فعل عشوائية، بل كانت تطبيقاً صارماً لنظرية “الحد الأدنى للمعيشة”، حيث تم تعريف النجاح ليس بتحسين الحياة، بل بتأجيل الموت ومنع الانهيار الكامل للنظام الإنساني.

3.نظرية الفجوة الإنسانية

تفترض نظرية الفجوة الإنسانية وجود اختلال هيكلي دائم بين حجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة من جهة، والموارد المالية والسياسية المتاحة للاستجابة من جهة أخرى. وقد تبلورت هذه النظرية من خلال تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وتحليلات منظمة Development Initiatives، وأعمال بول هارفي (Paul Harvey) في اقتصاديات العمل الإنساني

تفسيّر النظرية لهذه الدراسة:

في سياق هذه الدراسة، تُعد نظرية الفجوة الإنسانية إطاراً محورياً لفهم الأسباب المباشرة وراء محدودية تأثير خطط الاستجابة في اليمن. النظرية لا تكتفي بوصف النقص في التمويل، بل تفسره كاختلال هيكلي ودائم بين الاحتياجات المتصاعدة والموارد المتناقصة، مما يترتب عليه عواقب استراتيجية حتمية. يمكن تفصيل هذا التفسير في النقاط التالية:

1.     تُظهر النظرية أن الفجوات التمويلية المتكررة ليست مجرد عقبة، بل هي المحرك الرئيس لإعادة تشكيل الاستراتيجيات الإنسانية. عندما تواجه خطط الاستجابة فجوة تمويل تصل إلى 40% أو 50% (كما حدث مراراً)، فإنها تضطر إلى الانتقال من خطة شاملة إلى خطة انتقائية. هذا يؤدي مباشرة إلى تقليص نطاق التدخلات (مثل خفض الحصص الغذائية)، وتقليص عدد المستفيدين، وإعادة ترتيب الأولويات بشكل جذري لصالح القطاعات المنقذة للحياة (الغذاء، الصحة الطارئة، المياه) على حساب قطاعات الاستقرار طويلة الأجل (سبل العيش، التعليم، المأوى الدائم(

2.     توضح النظرية كيف أن محدودية التمويل وعدم استقراره يخلقان حلقة مفرغة. فعندما يركز التمويل المتاح فقط على منع الوفيات، فإنه يتجاهل الأسباب التي تدفع الناس إلى حافة الهاوية في المقام الأول (مثل انهيار سبل العيش). هذا التجاهل يضمن أن نفس السكان، أو غيرهم، سيحتاجون إلى مساعدات طارئة مرة أخرى في الدورة التالية. وبالتالي، فإن الفجوة الإنسانية لا تؤدي فقط إلى استجابة أضعف، بل تساهم في إدامة الأزمة نفسها، مما يجعل الاحتياجات في العام التالي أكبر وأكثر تعقيداً.

3.     تسلط النظرية الضوء على مفارقة مؤلمة: على الرغم من دقة وقوة تقييمات الاحتياجات الإنسانية التي تجريها منظمات مثل OCHA، فإن النتائج الفعلية على الأرض لا تعكس حجم المشكلة. تُفسر النظرية هذا الانفصال بأن المشكلة ليست في “تشخيص” الأزمة، بل في “علاجها”. فجوة الموارد تعني أن الخطط الطموحة والمبنية على أدلة قوية تظل حبراً على ورق، ويتم تنفيذ نسخة مصغرة ومجزأة منها لا تستطيع تحقيق أثر مستدام على مستوى معيشة السكان.

4.     تفسر النظرية الفجوة الإنسانية أيضاً كنتيجة لعوامل سياسية واقتصادية خارج نطاق الأزمة نفسها. إرهاق المانحين من أزمة ممتدة لا حل سياسي لها، وتنافس الأزمات العالمية الأخرى على نفس الموارد المحدودة، والاعتبارات السياسية للدول المانحة، كلها عوامل تساهم في توسيع هذه الفجوة. وبالتالي، فإن حياة اليمنيين لا تعتمد فقط على احتياجاتهم، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالأولويات السياسية والاقتصادية العالمية.

بهذا المعنى، فإن نظرية الفجوة الإنسانية تقدم تفسيراً عملياً ومباشراً لسبب بقاء مؤشرات المعيشة في اليمن منخفضة أو متدهورة، مؤكدة أن الاستجابة الإنسانية، مهما كانت جيدة التخطيط، تظل مقيدة بسقف الموارد المتاحة، وهو سقف أقل بكثير من حجم الاحتياج الفعلي.

4.نظرية الترابط الإنساني–التنموي–السلام

تقوم نظرية الترابط الإنساني–التنموي–السلام (Nexus) على دمج العمل الإغاثي الطارئ مع التنمية المستدامة وبناء السلام لضمان أثر مستدام في الأزمات المعقدة، بدل الفصل التقليدي بين هذه المسارات. وقد طوّرتها مؤسسات مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومنظومة الأمم المتحدة، بدعم فكري من باحثين مثل ماري أندرسون (Mary Anderson)، لتوفير إطار متكامل للاستجابة الإنسانية المتشابكة مع الحلول التنموية والسياسية.

تفسيّر النظرية لهذه الدراسة:

 في سياق هذه الدراسة، لا تعمل نظرية الترابط (Nexus) كإطار تفسيري للماضي بقدر ما تعمل كإطار معياري وتصحيحي يسعى للتغلب على أوجه القصور التي كشفتها النظريات السابقة (إدارة الأزمات الممتدة، الحد الأدنى للمعيشة، والفجوة الإنسانية). تطبيق هذه النظرية في اليمن، خاصة منذ عام 2022، يمثل محاولة واعية لتجاوز منطق “إدارة البقاء” والانتقال نحو “بناء الصمود”. يمكن تفصيل ذلك في النقاط التالية:

1.     تُظهر النظرية أن الفاعلين الدوليين أدركوا أن الاستجابة الإنسانية وحدها غير كافية وتساهم في إدامة حلقة الاعتماد. لذلك، جاء التركيز المتزايد في خطط الاستجابة على مكونات تنموية مثل دعم سبل العيش )قروض صغيرة، دعم زراعي) وتعزيز صمود الخدمات العامة )دعم رواتب المعلمين والأطباء، توفير الطاقة الشمسية للمستشفيات). هذه ليست مجرد مساعدات، بل هي استثمارات تهدف إلى تمكين الأفراد والمجتمعات من الاعتماد على أنفسهم وتقليل حاجتهم للمساعدات الطارئة مستقبلاً.

2.     تكشف الدراسة أن تطبيق نظرية الترابط في اليمن واجه تحديات هائلة جعلت تأثيره احتوائياً جزئياً بدلاً من كونه تحولاً هيكلياً.

3.     الركن الأساسي للـ “Nexus” وهو السلام، لا يزال غائباً. ففي ظل استمرار النزاع وانعدام الاستقرار، تصبح المشاريع التنموية هشة وعالية المخاطر، مما يحد من قدرتها على تحقيق أثر مستدام.

4.     تتطلب برامج الترابط تمويلاً مرناً ومتعدد السنوات، وهو ما نادراً ما توفره الجهات المانحة التي لا تزال تفضل التمويل السنوي المخصص للطوارئ. هذا القيد المالي يمنع التخطيط طويل الأجل ويجبر المنظمات على العودة إلى منطق “الحد الأدنى” عند أول أزمة تمويل.

5.     الترابط كأداة لتغيير طريقة العمل: الأهم من المشاريع نفسها، تدعو النظرية إلى تغيير جذري في كيفية عمل الفاعلين. وهذا ما يمكن استخلاصه كتوصيات عملية من الدراسة: (ربط التدخلات بدلاً من توزيع سلة غذاء (إنساني)، يتم ربطها بمشروع زراعة منزلية (تنموي) وتشكيل لجان مجتمعية لحل النزاعات على المياه (سلام). هذا يضمن أن التدخل لا يحل مشكلة آنية فقط، بل يبني قدرة على المدى الطويل. ووحدة التكامل الجغرافي التي تؤدي إلى تركيز أنواع متعددة من التدخلات (صحة، مياه، تعليم، سبل عيش) في نفس المناطق الأكثر تضرراً لتحقيق أثر مضاعف وتكاملي، بدلاً من تدخلات متفرقة ومشتتة. وتوسيع الشراكات: كسر العزلة بين المنظمات الإنسانية والجهات الفاعلة التنموية (مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي) والسلطات المحلية، لضمان أن المشاريع تتماشى مع الخطط المحلية وتؤسس لبنية تحتية مستدامة.

6.     تقليل الاعتمادية: في جوهرها، تُفسر نظرية الترابط التحولات الأخيرة في خطط الاستجابة بأنها محاولة لمعالجة “المرض” (الأسباب الجذرية للأزمة) وليس فقط “الأعراض” (الجوع والمرض). الهدف النهائي هو تقليل الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الدولية من خلال بناء قدرة ذاتية للمجتمعات والدولة على الصمود والتعافي.

باختصار، يُظهر تطبيق نظرية الترابط في اليمن اعترافاً بأن الحلول الإنسانية وحدها وصلت إلى طريق مسدود، ولكنه يكشف أيضاً عن الصعوبة البالغة في تطبيق نهج متكامل في بيئة لا تزال تفتقر إلى أهم مقوماته: السلام والتمويل المستدام.

5. نظرية الصمود والمرونة المجتمعية

تركّز نظرية الصمود والمرونة المجتمعية على قدرة الأفراد والمجتمعات على امتصاص الصدمات والتكيّف معها والحفاظ على الوظائف الأساسية للمعيشة في البيئات غير المستقرة. وقد نشأت هذه النظرية من أعمال فولك (Folke) ونوريس (Norris)، وتم اعتمادها عمليًا من قبل منظمات دولية مثل FAO وUNDP والبنك الدولي.

تفسيّر النظرية لهذه الدراسة:

في سياق هذه الدراسة، تقدم نظرية الصمود (Resilience Theory) منظوراً بالغ الأهمية يركز على قدرات السكان أنفسهم، بدلاً من التركيز فقط على التدخلات الخارجية. هي لا تفسر فقط ماذا تفعل المنظمات، بل لماذا تفعله، وكيف أن السكان المحليين ليسوا مجرد متلقين سلبيين للمساعدات. يمكن تفصيل هذا التفسير في النقاط التالية:

1.     تفسير التحول نحو برامج التمكين: تُفسر النظرية سبب إدماج برامج مثل دعم سبل العيش، النقد مقابل العمل، ودعم سلاسل القيمة الزراعية ضمن خطط الاستجابة الإنسانية. هذه البرامج ليست مجرد شكل آخر من أشكال المساعدة، بل هي أدوات مصممة بوعي لتعزيز قدرة الأسر والمجتمعات على امتصاص الصدمات والتكيف معها. فبدلاً من إعطاء الأسرة سلة غذاء (مما يجعلها معتمدة)، يتم منحها أصولاً إنتاجية (مثل بذور أو مواشٍ) أو مهارات تمكنها من توليد دخلها الخاص، وبالتالي تقليل اعتمادها المستقبلي على المساعدات.

2.     الصمود كهدف تكميلي وليس بديلاً: تُظهر الدراسة بوضوح أن برامج بناء الصمود في اليمن ظلت هدفاً تكميلياً ومحدود الأثر، ولم تتمكن من أن تصبح بديلاً للاستجابة الإنسانية الطارئة. النظرية تفسر هذا الواقع من خلال مفهوم “عتبة الصدمة” (Shock Threshold). عندما تكون الصدمات السياسية والاقتصادية (مثل انهيار العملة، انقطاع الرواتب، تصاعد القتال) مستمرة وشديدة، فإنها تتجاوز قدرة الأسر والمجتمعات على الامتصاص والتكيف. في هذه الحالة، تعود أولوية البقاء البيولوجي لتطغى على أي محاولة لبناء الصمود طويل الأمد. بعبارة أخرى، لا يمكن لشخص يواجه خطر المجاعة أن يفكر في استثمار قرض صغير.

3.     التركيز على القدرات المحلية الموجودة: من أهم إسهامات النظرية أنها تلفت الانتباه إلى أن المجتمعات اليمنية تمتلك بالفعل آليات صمود متجذرة (مثل شبكات التكافل الاجتماعي، التحويلات المالية من المغتربين، تنويع مصادر الدخل البسيطة). وتُظهر الدراسة أن أنجح برامج الصمود هي تلك التي لا تبدأ من الصفر، بل تبني على هذه القدرات الموجودة وتعززها، بدلاً من فرض حلول خارجية قد لا تكون مستدامة.

4.     محدودية النطاق والتغطية: تفسر النظرية أيضاً لماذا ظل أثر هذه البرامج محدوداً. فطبيعتها التي تتطلب متابعة وتدريباً مكثفاً تجعلها أكثر تكلفة وأصعب في التنفيذ على نطاق واسع مقارنة بالتوزيعات الغذائية الجماعية. ونتيجة لـ “الفجوة الإنسانية” (كما في النظرية السابقة)، غالباً ما يتم التضحية ببرامج الصمود لصالح التدخلات الطارئة الأقل تكلفة والأوسع انتشاراً، مما يجعلها غير قادرة على إحداث تحول هيكلي على المستوى الوطني.

باختصار، تفسر نظرية الصمود إدراج برامج التمكين كاعتراف بأهمية القدرات الذاتية للسكان، لكنها في الوقت نفسه توضح بجلاء كيف أن استمرار الصدمات الكبرى وقيود التمويل جعلت من “بناء الصمود” طموحاً ثانوياً في مواجهة الحقيقة القاسية لـ “ضمان البقاء”، مما أبقى ملايين اليمنيين في دائرة الاعتماد على المساعدات الطارئة.

سياسة صناعة الخطط الانسانية

من منظور دراستنا، يجب ألا تُقرأ خطط الاستجابة الإنسانية كوثائق فنية موضوعية بحتة، بل كـنتاج لعملية تفاوض سياسي معقدة بين أربعة فاعلين رئيسيين: المانحون الدوليون بأجنداتهم وأولوياتهم، ووكالات الأمم المتحدة وعلى رأسها مكتب تنسيق الشؤون الانسانية – OCHA, التي تسعى لتأمين التمويل والحفاظ على دورها، والمنظمات الدولية الكبرى التي تتنافس على الحصص، وسلطات الحوثيين التي تفرض قيوداً وشروطاً. هذا الواقع يعني أن الأهداف المعلنة والميزانيات المطلوبة قد تكون أحياناً نتاجاً لمواءمات سياسية، حيث يتم صياغتها بشكل طموح لإقناع المانحين وإظهار حجم الكارثة، دون أن تعكس بالضرورة القدرة التنفيذية الواقعية على الأرض في ظل القيود. وبالتالي، فإن الفجوة بين الأهداف والنتائج ليست مجرد فشل في التنفيذ، بل هي أيضاً فجوة كامنة في تصميم الخطط نفسها التي تتأرجح بين الطموح الإنساني والواقع السياسي.

النتائج الرئيسية لخطط الاستجابة (2015-2025)

بعد تحليل مسار الاستجابة الإنسانية على مدار أكثر من عقد كامل، يمكن استخلاص النتائج الجوهرية. ولكن قبل الخوض في النتائج التحليلية، من الضروري عرض الأثر الكلي لهذه التدخلات على أرض الواقع من خلال الأرقام. يكشف الجدول التالي عن مفارقة صارخة: فعلى الرغم من ضخامة الموارد المالية والبشرية التي حُشدت، ظلت المؤشرات المعيشية الكلية للسكان إما ثابتة عند مستويات كارثية أو استمرت في التدهور. هذا الواقع الرقمي يمثل نقطة الانطلاق الأساسية لفهم حدود فعالية الاستجابة الإنسانية، ويشكل الخلفية التي يمكن على أساسها تفسير النتائج النوعية التالية

جدول( 2) تطور بعض المؤشرات المعيشية الرئيسية في اليمن خلال (2015 – 2025 م

القيمة التقريبية 2025القيمة التقريبية 2015ملاحظات على الاتجاه العامالمصدر المقترح للبياناتالمؤشرات
80%49%تدهور حاد ومستمر في مستويات المعيشةالبنك الدولي، UNDPنسبة السكان تحت خط الفقر
19.5 مليون21.1 مليونثبات عند مستويات كارثية رغم تغيرات التمويلOCHA خطط الاستجابة الإنسانيةعدد الأشخاص المحتاجين للمساعدة الإنسانية
17.5%16%ارتفاع طفيف واستقرار عند مستويات حرجةUNICEF، WFPمعدل سوء التغذية الحاد لدى الأطفال
35%  15%تضاعف حاد نتيجة انهيار الاقتصاد وسوق العملUNDPنسبة البطالة (خصوصًا بين الشباب(
183168تراجع مستمر يعكس الانهيار التنموي الشاملUNDP  تقارير التنمية البشريةترتيب اليمن في مؤشر التنمية البشرية

المصدر/ من إعداد الباحث مستعينا بالتقارير  الدولية

 بعد استعراض هذه الأرقام التي ترسم صورة قاتمة للوضع المعيشي العام، يمكننا الآن استخلاص النتائج التحليلية التي تفسر أسباب هذه الفجوة بين الجهد والأثر:

.1 النجاح في منع الانهيار الكلي (منع المجاعة والأوبئة)

حققت الخطط نجاحاً مشهوداً في منع تحول انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مجاعة شاملة في لحظات حرجة (مثل عامي 2018 و2021). كما ساهمت التدخلات الصحية في احتواء أكبر تفشٍ للكوليرا في التاريخ الحديث، مما أنقذ ملايين الأرواح.

. 2 الفجوة التمويلية المزمنة

أظهر التحليل أن التمويل الفعلي لم يتجاوز في المتوسط 55% من الاحتياجات المطلوبة سنوياً. هذه الفجوة أدت إلى تقليص الحصص الغذائية، وإغلاق مرافق صحية، وتعليق برامج حماية، مما جعل الاستجابة دائماً في حالة “دفاع” بدلاً من “هجوم” لتحسين المؤشرات.

.3 تكريس حالة الاعتماد على المساعدات

رغم الجهود المبذولة، أدت الاستجابة القائمة على الإغاثة الطارئة لسنوات طويلة إلى إضعاف آليات الصمود المحلية وتكريس اعتماد الأسر على السلال الغذائية، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 65% من الأسر تعتمد كلياً أو جزئياً على المساعدات لتلبية احتياجاتها الأساسية.

.4 تآكل رأس المال البشري والمؤسسي

فشلت الخطط في وقف التدهور طويل الأمد في قطاعي التعليم والصحة. فرغم توفير الحوافز، ظل النظام التعليمي يعاني من تسرب ملايين الأطفال، وظل النظام الصحي يعمل بنصف طاقته، مما يعني أن الأثر الإنساني كان “مسكناً” للألم وليس “علاجاً” للبنية التحتية.

مناقشة النتائج

تُظهر النتائج أن الاستجابة الإنسانية في اليمن عملت كـجهاز تنفس صناعي للدولة والمجتمع، حيث حالت دون الانهيار الكامل للمؤشرات المعيشية الأساسية، لكنها لم تعالج الأسباب الجذرية للأزمة. يمكن فهم هذه الديناميكية المعقدة من خلال تحليل متكامل يجمع بين عدة نظريات أساسية في العمل الإنساني.

1.     فمن منظور نظرية إدارة الأزمات الممتدة، نجحت المنظمات في مأسسة العمل الإغاثي وتحويله من استجابة طارئة إلى نظام مستدام لإدارة أزمة مزمنة. لكن هذا النجاح الإداري أوقعها في فخ “الاستجابة الدائرية”، حيث يتم تقديم المساعدة لنفس الفئات السكانية لسنوات دون تمكينها من الخروج من دائرة الاحتياج. هذا التحول يعكس تبنيًا مقصودًا لاستراتيجية إدارة الندرة في ظل غياب حل سياسي، حيث أصبح الهدف هو منع الانهيار بدلًا من تحقيق التعافي.

2.     ويتضح هذا التوجه بشكل أكبر عند تطبيق نظرية الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية .لقد صُممت خطط الاستجابة في اليمن بشكل واضح لإبقاء السكان فوق “عتبة البقاء” البيولوجي، من خلال التركيز على مؤشرات حرجة مثل سوء التغذية الحاد والوصول للمياه والصحة. هذا التصميم، الذي يستهدف منع الانهيار الإنساني الشامل، يفسر لماذا ظلت مؤشرات المعيشة الأوسع، كالفقر والبطالة، ثابتة أو متدهورة؛ فهي لم تكن يومًا الهدف الأساسي للتدخلات.

3.     علاوة على ذلك، تسلط نظرية الفجوة الإنسانية الضوء على السبب الرئيسي وراء محدودية الأثر. فالفجوة لم تكن مالية فحسب، بل كانت أيضًا “فجوة وصول” و”فجوة سياسية”. إن سياسات أطراف الصراع المتمثلة في تقييد الحركة، وفرض الرسوم، والتدخل في قوائم المستفيدين، قللت من القيمة الحقيقية لكل دولار تم صرفه. هذا الاختلال الهيكلي بين الاحتياجات الهائلة والموارد المتاحة والمقيدة جعل الأثر الميداني أقل بكثير من المتوقع نظريًا.

4.     ورغم محاولات تطبيق نظرية الترابط الإنساني–التنموي–السلام (Nexus) منذ عام 2022 لربط الإغاثة بمشاريع تنموية، إلا أن غياب التمويل المستدام واستمرار حالة اللاسلام جعل هذه التدخلات جزئية وغير قادرة على إحداث تحول هيكلي. وبالمثل، فإن برامج دعم الصمود المستندة إلى نظرية المرونة المجتمعية، مثل النقد مقابل العمل، ظل أثرها محدودًا لأن أولوية البقاء الطارئ طغت على أهداف التكيف طويلة الأمد، مما جعل الصمود هدفًا تكميليًا لا بديلًا عن المساعدات الإنسانية العاجلة.

في المحصلة، تكشف هذه النظريات مجتمعة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن كانت عملية إدارة أزمة ناجحة ضمن حدودها، لكنها لم تكن، ولم يكن من الممكن أن تكون، أداة للتنمية أو بناء السلام في ظل استمرار الصراع والقيود السياسية والاقتصادية.

نقاط الاتفاق والاختلاف بين الخطط

أبرز نقاط الاتفاق:

1.     الأولوية القصوى للأمن الغذائي: ظلت قطاعات الغذاء والصحة والمياه هي المحرك الرئيسي لكافة الخطط بنسبة تتجاوز 70% من الميزانيات.

2.     الاستناد إلى البيانات: اتفقت جميع الخطط على ضرورة التقييم السنوي للاحتياجات (HNO) كأساس لبناء الاستجابة.

3.     مبادئ العمل الإنساني: التأكيد المستمر على الحياد والاستقلالية والنزاهة، رغم صعوبة تطبيقها ميدانياً.

أبرز نقاط الاختلاف:

1.     حجم الاستهداف: تراوح الاستهداف بين الشمولية الواسعة (2018-2019) والتركيز الشديد على الأشد فقراً (2024-2025) نتيجة نقص التمويل.

2.     التحول النوعي: انتقلت الخطط من “توزيع المواد العينية” في البداية إلى “المساعدات النقدية” و”نهج الرابطة” (Nexus) في السنوات الأخيرة.

3.     التعامل مع المؤسسات: بدأت الخطط الأولى بتجاوز المؤسسات الرسمية، بينما حاولت الخطط اللاحقة (خاصة من 2018) دعم بقاء المؤسسات العامة) مثل دفع حوافز المعلمين والأطباء.

الاتجاهات الناشئة جراء استمرار الأزمة

1      توطين العمل الإنساني: بروز دور المنظمات المحلية كفاعل أساسي لا يمكن تجاوزه، وزيادة الضغط لتمكينها من الموارد والقرار.

2      الرقمنة والشفافية: الاعتماد المتزايد على البصمة الحيوية والأنظمة الرقمية في توزيع المساعدات للحد من التلاعب.

3      التحول نحو “الصمود الاقتصادي”: إدراك أن استقرار العملة والبنك المركزي هو “تدخل إنساني” بحد ذاته، يفوق أثره توزيع السلال الغذائية.

4      تعب المانحين: ظهور بوادر تراجع الاهتمام الدولي باليمن لصالح أزمات مستجدة (أوكرانيا، غزة)، مما يفرض ضرورة البحث عن بدائل تمويلية مستدامة.

أبرز التحديات

واجهت خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن تحديات هيكلية وسياسية وأمنية عميقة أثرت بشكل كبير على فعاليتها:

.1 التحديات السياسية

أ‌-      الانقسام السياسي الداخلي: أدى تحكم الفواعل السياسية المتعددة (الحكومة المعترف بها دوليًا، الحوثيون، المجلس الانتقالي الجنوبي) إلى فرض قيود مشددة على وصول المساعدات وفرض ضرائب ورسوم على المنظمات الإنسانية.

ب‌-    القيود البيروقراطية: فرضت الأطراف المتنازعة ضوابط صارمة على دخول الموظفين والمساعدات، مما أدى إلى تأخير أو منع وصولها أحيانًا. تشير تقارير OCHA إلى متوسط تأخير في تسليم المساعدات يتراوح بين 3-6 أشهر في بعض المناطق .

ت‌-    تسييس المساعدات: أدى الاستقطاب السياسي الدولي والإقليمي إلى تسييس المساعدات الإنسانية، مما أثر على حياد وفاعلية العمليات الإنسانية.

2. التحديات الأمنية

أ‌-      العمليات العسكرية والنزاعات المسلحة: أدت الاشتباكات والعمليات العسكرية إلى تعطيل عمل فرق الإغاثة ومنع وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.

ب‌-    المخاطر الأمنية على العاملين: تعرض 45% من العاملين في المجال الإنساني لهجمات أو تهديدات مباشرة بين 2015 و2023

ت‌-    الألغام الأرضية: تسببت الألغام الأرضية والعبوات الناسفة في مئات الإصابات ومنع وصول المساعدات إلى المناطق النائية.

3. التحديات الهيكلية

أ‌-      ضعف المؤسسات المحلية: تعاني المؤسسات المحلية من ضعف القدرات المؤسسية والفنية والمادية، مما يؤثر على جودة تنفيذ البرامج الإنسانية.

ب‌-    تفكك البنية التحتية: أدى النزاع إلى تدمير وتفكك البنية التحتية الأساسية) الطرق، الموانئ، المستشفيات، المدارس مما أعاق عمليات الإغاثة والتنمية.

ت‌-    غياب الحوكمة الرشيدة: أثر غياب الحوكمة الرشيدة والمساءلة على فعالية استخدام الموارد وتوزيع المساعدات.

الاستنتاجات والتوصيات

الاستنتاجات:

بناءً على تحليل الاستجابة الإنسانية في اليمن على ضوء النظريات الخمس، يمكن استخلاص النتائج الرئيسية التالية:

1.     الاستجابة كأداة لإدارة الأزمة وليس لحلها: لقد تحولت الاستجابة الإنسانية في اليمن من تدخل طارئ إلى آلية مزمنة لإدارة الأزمة (نظرية إدارة الأزمات الممتدة) ورغم نجاحها في منع الانهيار الكامل للمجتمع والدولة، إلا أنها كرّست حالة من الاعتمادية الدائمة، حيث أصبحت المساعدات جزءاً من الوضع الراهن بدلاً من كونها جسراً نحو التعافي.

2.     تصميم التدخلات يركز على البقاء لا الرفاه: كانت أهداف خطط الاستجابة مصممة بشكل واعٍ لضمان الحد الأدنى من متطلبات البقاء، وليس لتحسين جودة الحياة أو معالجة الأسباب الجذرية للفقر (نظرية الحد الأدنى للمعيشة) هذا يفسر التناقض بين حجم التمويل الضخم وثبات أو تدهور مؤشرات المعيشة العامة، لأن الهدف لم يكن التنمية بل منع الكارثة.

3.     الفجوة السياسية والوصول أخطر من الفجوة التمويلية: أثبت التحليل أن القيود التي فرضتها أطراف الصراع على حركة المساعدات والوصول إلى المستفيدين، والتدخل في العمل الإنساني، قلّصت من فعالية كل دولار تم إنفاقه. وبالتالي، فإن “الفجوة السياسية” كانت عاملاً حاسماً في إضعاف الأثر الميداني، ربما بشكل أكبر من “الفجوة المالية” المعلنة (نظرية الفجوة الإنسانية)

4.     فشل الترابط بين الإنساني والتنموي والسلام في غياب الإرادة السياسية: على الرغم من تبني خطاب “الترابط” (Nexus)، ظلت الجهود لدمج العمل الإنساني مع التنمية وبناء السلام محدودة الأثر. ففي غياب تقدم سياسي حقيقي وتمويل مرن طويل الأجل، بقيت المشاريع التنموية معزولة وغير قادرة على إحداث تحول هيكلي، مما أبقى الاستجابة أسيرة للمنطق الإغاثي الطارئ (نظرية الترابط).

5.     الصمود المجتمعي هدف ثانوي أمام صدمات الأزمة المستمرة: لم تتمكن برامج تعزيز الصمود من تحقيق أهدافها في بناء قدرة المجتمعات على التكيف، لأن الأسر كانت ولا تزال تواجه صدمات اقتصادية وسياسية متلاحقة تفوق قدرتها على الامتصاص. لقد أصبح “الصمود” هدفاً تكميلياً يُستهدف بعد ضمان البقاء، وليس استراتيجية أساسية يمكن أن تحل محل المساعدات الطارئة

6.     الاستجابة الإنسانية كبديل غير مقصود للدولة: أظهرت الدراسة أن خطط الاستجابة، خصوصًا منذ 2018م، أدّت عمليًا إلى إحلال جزئي لوظائف الدولة المنهارة في قطاعات الغذاء والصحة والمياه، دون أن تكون مصممة للقيام بهذا الدور. هذا الإحلال المؤقت، وإن كان ضروريًا لمنع الانهيار، ساهم في إطالة أمد هشاشة المؤسسات العامة بدل إعادة بنائها.

7      . تحوّل المؤشرات المعيشية إلى أدوات إدارة لا أهداف تحسين: لم تعد المؤشرات المعيشية (الفقر، الدخل، الأمن الغذائي) تُستخدم كغايات للتحسين، بل كمؤشرات تحذير لضبط مستوى التدخل ومنع “الانفجار الإنساني”، وهو ما حوّل التحليل الإنساني من أداة تغيير إلى أداة ضبط أزمة.

8      تآكل الثقة المجتمعية في الفاعل الإنساني: أدّت الاستمرارية الطويلة للمساعدات، مقرونة بعدم تحسّن ملموس في حياة الناس، إلى بروز فجوة ثقة بين المجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية، حيث بات يُنظر إلى العمل الإنساني كجزء من “إدارة الأزمة” لا كرافعة للخروج منها.

9      تحييد البعد الاقتصادي الكلي عن التخطيط الإنساني: أثبتت الدراسة أن تجاهل قضايا الاقتصاد الكلي (العملة، الرواتب، السياسة النقدية) داخل خطط الاستجابة أفقد التدخلات جزءًا كبيرًا من أثرها، رغم أن استقرار هذه العوامل يُعد من أكثر التدخلات فاعلية في تحسين المؤشرات المعيشية.

التوصيات

أولا: التوصيات التطبيقية والتنفيذية

 تقدم الدراسة حزمة من التوصيات التطبيقية الموجهة للفاعلين الرئيسيين في الاستجابة الإنسانية.

1.     إعادة تعريف هدف الاستجابة الإنسانية:

الانتقال من هدف “منع الانهيار” إلى هدف مزدوج, ومنع الانهيار + تقليل الاعتمادية، من خلال إدراج مؤشرات تخريج إلزامية  في جميع البرامج.

2.     استخدام المساعدات كأداة ضغط سياسي مشروع:

ربط التمويل الإنساني بآليات واضحة لتحسين الوصول الإنساني، وقياس “تكلفة القيود”  رقميًا وتحويلها إلى مادة مناصرة دولية.

3.     دمج الاقتصاد الكلي كمسار إنساني موازٍ:

اعتبار دعم استقرار العملة، ودفع الرواتب، ودعم البنك المركزي تدخلات إنسانية عالية الأثر، وليست قضايا تنموية مؤجلة.

4.     إعادة هيكلة نهج الصمود:

تحويل برامج الصمود من تدخلات هامشية إلى مسار رئيسي متعدد السنوات، مرتبط بالأسواق المحلية، وليس فقط ببرامج النقد مقابل العمل قصيرة الأجل.

5.     تعميق توطين القرار لا التنفيذ فقط:

نقل جزء من سلطة التخطيط وتحديد الأولويات إلى الفاعلين المحليين، وليس الاكتفاء بتوطين التنفيذ، بما يعزز الشرعية المجتمعية ويقلل تكاليف التشغيل.

6.     فصل التحليل الإنساني عن اعتبارات التمويل:

تعزيز استقلالية تقييمات الاحتياج (HNO) عن منطق “ما يمكن تمويله”، لضمان عدم تسييس الأرقام أو تحجيم الكارثة لأسباب مالية.

ثانيا: التوصيات للجهات

أولا: للمانحين الدوليين والأمم المتحدة:

1.     الانتقال من إدارة الأزمة إلى الضغط لحلها: يجب استخدام المساعدات الإنسانية كورقة ضغط دبلوماسي وسياسي لرفع القيود عن العمل الإنساني، وربط التمويل المستقبلي بتحقيق تقدم ملموس في تسهيل الوصول وحماية العاملين في المجال الإنساني.

2.     اعتماد “التمويل المشروط بالوصول”: تصميم آليات تمويل تربط بشكل مباشر بين حجم المساعدات المقدمة لمنطقة معينة وبين درجة تعاون السلطات المحلية في ضمان وصول المساعدات دون عوائق.

3.     الاستثمار الجاد في “الترابط” (Nexus): تخصيص نسبة ثابتة من التمويل الإنساني (مثلاً 15-20%) لمشاريع تنموية طويلة الأجل (سبل العيش، إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية) وتنفيذها بالتوازي مع المساعدات الطارئة، حتى في غياب حل سياسي كامل.

ثانيا: للمنظمات الإنسانية العاملة على الأرض:

4.     إعادة تصميم البرامج لكسر دائرة الاعتمادية: يجب أن تتضمن برامج المساعدات النقدية والغذائية مكونات “تخريج” إلزامية (مثل التدريب المهني، دعم المشاريع الصغيرة، التوظيف المؤقت) لتمكين الأسر القادرة من الانتقال تدريجياً من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على الذات.

5.     التركيز على “الصمود الاقتصادي المحلي”: بدلاً من المشاريع الصغيرة المتفرقة، يجب التركيز على دعم سلاسل القيمة المحلية (مثل الزراعة، الصيد، الحرف اليدوية) لتعزيز الاقتصادات المحلية وجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وتوفير فرص عمل مستدامة.

6.     تعزيز الشفافية والمناصرة القائمة على الأدلة: توثيق أثر القيود السياسية والعوائق البيروقراطية بالأرقام (مثلاً: “كل 100 دولار من المساعدات تصل قيمتها الفعلية إلى 60 دولاراً بسبب الرسوم والقيود”) واستخدام هذه البيانات في حملات المناصرة الدولية لتسليط الضوء على “الفجوة السياسية”.

ثالثا: للحكومة اليمنية

لتحويل دور الحكومة من مجرد متلقٍ للمساعدات إلى شريك فاعل في قيادة التعافي، نوصي بتبني حزمة من السياسات والإجراءات الدقيقة التالية:

 .1 تجاوز الفجوة التمويلية عبر الدبلوماسية الاقتصادية: بدلاً من مجرد طلب زيادة التمويل، يجب على الحكومة إطلاق مبادرة دبلوماسية اقتصادية تهدف إلى:

أ‌-      تأمين تمويل مرن وطويل الأجل: التفاوض مع المانحين لتخصيص نسبة من التمويل الإنساني لمشاريع تنموية مباشرة عبر المؤسسات الحكومية (مثل مشاريع النقد مقابل العمل لإعادة تأهيل البنية التحتية).

ب‌-    تفعيل أدوات الدين الخارجي: السعي لدى المؤسسات المالية الدولية لتحويل جزء من الديون إلى استثمارات في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والمياه.

 .2 تفعيل “نهج الترابط” (Nexus) عبر قيادة حكومية: يجب على الحكومة قيادة تطبيق نهج الترابط بدلاً من تركه للمنظمات، وذلك عبر:

أ‌-      إنشاء “مجلس أعلى للتعافي الاقتصادي”: هيئة حكومية مشتركة بين الوزارات (التخطيط، المالية، الزراعة، إلخ) تكون مسؤولة عن مواءمة خطط الاستجابة الإنسانية مع أولويات التنمية الوطنية، وضمان تكامل المشاريع بدلاً من تشتتها.

ب‌-    إطلاق “مشاريع رائدة للترابط”: تحديد مناطق جغرافية معينة وتصميم برامج متكاملة فيها تربط المساعدات الإغاثية الطارئة بمشاريع مستدامة لسبل العيش وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية.

ت‌-    توطين الاستجابة عبر تمكين السلطات المحلية: لتعزيز القدرات المحلية بشكل حقيقي.

ث‌-    تخصيص ميزانيات مباشرة للسلطات المحلية: نقل نسبة من المساعدات الدولية مباشرة إلى ميزانيات المديريات والمحافظات لتنفيذ مشاريع خدمية صغيرة (صيانة مدارس، إعادة تأهيل وحدات صحية) بإشراف مجتمعي.

ج‌-     بناء “سجل وطني للشركاء المحليين”: إنشاء قاعدة بيانات موثوقة للمنظمات والمبادرات المحلية المؤهلة، وتوجيه المنظمات الدولية للشراكة معها كشرط لتسهيل عملها.

.3 ضمان الوصول الآمن عبر “ممر إنساني وطني”: لتجاوز التحديات البيروقراطية والأمنية، على الحكومة أن:

أ‌-      تؤسس “نافذة موحدة للتصاريح الإنسانية”: إنشاء مكتب مركزي يتبع رئاسة الوزراء يكون مسؤولاً عن إصدار كافة تصاريح الحركة والتنقل للمنظمات خلال فترة زمنية محددة (مثلاً 72 ساعة)، لإنهاء الازدواجية والابتزاز.

ب‌-    تفعيل آليات الرقابة والمساءلة: تشكيل لجان رقابة ميدانية مشتركة (حكومية-أممي-مجتمعية) لمراقبة توزيع المساعدات وضمان وصولها لمستحقيها، ومحاسبة أي جهة تعرقل العمل الإنساني.

.4 الانتقال نحو الاكتفاء الذاتي عبر دعم القطاعات الإنتاجية: بدلاً من التركيز على سبل العيش الفردية، يجب وضع سياسات وطنية تهدف إلى:

أ‌-      إطلاق “البرنامج الوطني لدعم القمح والزراعة”: تقديم قروض ميسرة، بذور محسنة، ودعم فني للمزارعين لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد.

ب‌-    تنشيط قطاع الثروة السمكية: إعادة تأهيل موانئ الصيد الصغيرة وتوفير الدعم للصيادين لتعزيز الأمن الغذائي وتوفير فرص عمل.

.5 فرض المساءلة عبر “المنصة الوطنية للشفافية”: لتعزيز الرصد والتقييم، يجب على الحكومة:

أ‌-      إطلاق منصة إلكترونية موحدة وشفافة: تعرض جميع المشاريع الإنسانية والتنموية، حجم تمويلها، مناطق تنفيذها، وأعداد المستفيدين، وتسمح للمواطنين بتقديم الشكاوى والملاحظات مباشرةً. هذا يعزز ثقة المانحين والمجتمع المحلي على حد سواء.

 المراجع والمصادر

1. OCHA. (2015). Yemen: Humanitarian Response Plan 2015. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-response-plan-2015

2.         OCHA. (2016). Yemen: 2016 Humanitarian Response Plan. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-2016-humanitarian-response-plan-january-december-2016

3.         OCHA. (2017). Yemen: 2017 Humanitarian Response Plan. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-2017-humanitarian-response-plan

4.         OCHA. (2018). Yemen: 2018 Humanitarian Response Plan. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-2018-humanitarian-response-plan-enar

5.         OCHA. (2019). Yemen: Humanitarian Response Plan 2019. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-response-plan-2019-enar

6.         OCHA. (2020). Yemen: Humanitarian Response Plan (June – December 2020). United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-response-plan-june-december-2020-enar

7.         OCHA. (2021). Yemen: Humanitarian Response Plan 2021. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-response-plan-2021-march-2021-enar

8.         OCHA. (2022). Yemen: Humanitarian Response Plan 2022. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/humanitarian-response-plan-yemen-2022-enar

9.         OCHA. (2023). Yemen: Humanitarian Response Plan 2023. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/humanitarian-response-plan-yemen-2023-february-2023-enar

10.       OCHA. (2024). Yemen: Humanitarian Needs and Response Plan 2024. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2024-january-2024-enar

11.        https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2025-january-2025-enar

12.       World Bank. (2022). Yemen Economic Update. 

13.       IPC Global Platform. (2023). Yemen Acute Food Insecurity Report. https://www.ipcinfo.org/

14.       Frank, A. (2019). “Humanitarian Intervention and Development: Bridging the Divide.” Journal of Development Studies. Sana’a Center for Strategic Studies. .Assessing the Impact of Aid in Yemen. https://sanaacenter.org/ar/publications-all/main-publications-ar/25307

15.       World Bank. (2021). Yemen Labor Market Assessment. https://www.worldbank.org/en/country/yemen

16.       WHO. (2019). Cholera in Yemen: Situation Report. https://www.who.int/countries/yem/

17.       Duffield, M. (2019). Post-Humanitarianism: Governing Precarity in the Digital World. Polity Press.

18.       OCHA. (2025). Yemen Humanitarian Response Plan 2025. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs.

19.       World Bank. (2024). Yemen Economic Monitor: Navigating Through the Crisis. World Bank Group.

20.       IPC Global Partners. (2025). Yemen: Acute Food Insecurity Analysis. Integrated Food Security Phase Classification.

21.       Harvey, P. (2021). The Humanitarian Gap: Challenges and Opportunities in Yemen. Humanitarian Policy Group.

22.       UNDP. (2023). Assessing the Impact of War in Yemen: Pathways for Recovery. United Nations Development Programme.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading