محمد الجعماني.. الصحفي الذي خسر كل شيء إلا مبادئه

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: يجسد الصحفي محمد الجعماني نموذجاً استثنائياً للمناضل الذي صهرته الشدائد؛ فمن كفاح الطفولة بغسل السيارات في صنعاء لتأمين دراسته، إلى رحلة صعود مهنية بدأت من موزع الصحيفة، وموظف خدمات حتى أضحى المشرف الفعلي على صحيفة كبرى رغم سياسات التهميش والتمييز.
تتجلى بطولته الحقيقية في انحيازه المطلق لمبادئه، حيث رفض مداهنة سلطة الحوثيين أو قبول مناصبهم الزائفة، وفضل حياة النزوح والتشرد بكرامة على الحياة والذل تحت تسلطهم والقبول بأفكارهم الطائفية الرجعية.
محمد علي الجعماني من مواليد 1978، قرية “بيت جعمان” مديرية الجبين محافظة ريمة، نشأ في بيئة ريفية بسيطة وقاسية.
تميز في طفولته بالكفاح الشخصي المبكر، وأيضا بمزيج من التمرد على ثقافة البيئة التقليدية السائدة فكان يرفض منذ صغره ثقافة “الخضوع والخنوع” التي كانت تسود مجتمعه القروي، حيث كان والده يمتلك اهتمامات سياسية وثقافية رغم أنه فلاح بسيط.
طفولته والأزمة الصحية
تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “العيد الفضي” بقريته، ثم انتقل إلى مركز المديرية للدراسة الإعدادية في مدرسة “الفتح”، وهي مسافة طويلة كان يقطعها للوصول إلى تعليمه.
أثناء دراسته في الصف الثاني الإعدادي، أصيب بشلل في الوجه (يُعرف محلياً باللوقان)، وهي حالة تكررت معه أربع مرات سابقاً، لكنها في تلك المرة استمرت لفترة طويلة، مما استدعى نقله إلى صنعاء للعلاج، واستقر عند ابن عمه وبدأ يتلقى العلاج بـ “الوخز بالإبر الصينية” إلى أن تماثل للشفاء.
بعد تحسنه، رفض العودة إلى البلاد وقرر جلب ملفه الدراسي ليستقر في صنعاء، حيث التحق بمدرسة “سيف بن ذي يزن” الإعدادية، في شارع القصر الجمهوري.
جسّد نموذجاً للكفاح المبكر؛ فبينما كان طالباً، كان يعمل في غسل السيارات في الصباح ليعيل نفسه ويوفر مصاريفه، بينما يقضي أوقاته الأخرى في المسجد أو في القراءة.
شغفه بالصحافة.. والاشتباه الأمني
بدأت ملامح اهتمامه بالإعلام تظهر منذ طفولته، حيث كان لديه شغف كبير بقراءة الصحف اليومية والأسبوعية التي كان يشتريها من الأكشاك في شارع جمال والتحرير، لكن ذلك الشغف أفقده زبائنه في المؤسسات والشركات التي كان يغسل سيارات موظفيها، بسبب الاشتباه الأمني به.
فقد أدى جلوسه المستمر وهو يقرأ الصحف بتركيز إلى اعتقاد البعض بأنه “عنصر أمن سياسي” لمراقبة المكان، فتخلصت منه المؤسسات بطريقة ما، وهو لا يعرف السبب، فقد كان البعض يلمزه بـ “عنصر”، أدرك لاحقا ذلك فكان يتعامل مع الموضوع بـ”دعابة”.
المرحلة الثانوية
انتقل لدراسة الثانوية في مدرسة “عبد الناصر” (القسم العلمي) وحصد تقديراً بنسبة 87%، واشتغل لفترة قصيرة في إحدى شركات هائل سعيد بدلاً عن ابن عمه الذي كان مريضاً.
في نفس عام تخرجه تقريباً توفي والده، بعد سنوات من انفصاله مع والدته، لتتضاعف معاناته ويتحمل مسؤولية إعالة إخوانه.
العمل في الصحيفة ودراسة الاعلام
في العام 1998، بدأ العمل في صحيفة “الرأي العام” الأهلية، كمساعد موزع ثم أضيفت إليه مهام، موظف خدمات، وبعدها حارس، ثم سكرتير، ثم كلف بأخذ “البروفة” النهائية (كراك) للمطبعة فجر كل ثلاثاء، ثم توزيع الصحيفة على الأكشاك والمكتبات والمؤسسات الحكومية.
يذكر الجعماني، أنه كان يقبل بأي مهمة إضافية تُوكل إليه لرغبته في الوصول إلى طموحه في العمل الصحفي رغم شعوره بأنه كان “مهضوماً” ماديًا في تلك الفترة.
غلاء المهور.. والشاهي الحليب
بمرور الوقت، بدأ الجعماني يتقرب من إدارة التحرير في الصحيفة بخدمتهم والتودد لهم بـ”الشاهي الحليب” ويتعرف على طبيعة عملهم.
يذكر بفكاهة أنه عندما كتب أول مقال (خربشة) عن “غلاء المهور”، وسلمه لـ “حمدي دوبلة” وقدم له كاس شاهي بالحليب فرد عليه “دوبلة” مازحاً “تشتي تطلع صحفي بقلص شاهي حليب”، فكان أول مقال له ظهر فيه اسمه.
تقرير عن الشيخ
يعتبر هذا العمل هو الثاني له، حيث انتقد فيه تصرفات شيخ قبلي بمنطقته، لكنه لم يذكر اسمه صريحاً.
سلم الموضوع للصحفي، عبد الحميد الشرعبي، حيث قال إن “الشرعبي قام بإعادة صياغة المقال بذكاء وقوة، ولم يكتفِ الشرعبي بالتعديل، بل نُشر الموضوع بعنوان ملون وتم إبرازه بشكل لافت في “المانشيت” (العنوان الرئيس) في الصفحة الأولى من الصحيفة.
تسبب هذا النشر في فتح “باب جهنم” عل الجعماني في قريته؛ فرغم عدم ذكر اسم الشيخ، إلا أن المحيطين به فهموا المقصود، مما دفعهم للتعصب ضد عائلة الجعماني والبسط على أرضهم التي استصلحها والده منذ 40 عاماً.
اضطر بعد هذه الحادثة أن يتحمل مسؤولية اخوته الأربعة (ولدان وبنتان) وجلبهم إلى صنعاء، وبعد عناء وبسبب ظروفه المادية، استأجر لهم “دكاناً” للسكن في منطقة مذبح.
في العام 2000، التحق بكلية الإعلام بجامعة صنعاء، ضمن الدفعة العاشرة، بعد أن حصل على إعفاء من الخدمة الإلزامية (الخدمة الوطنية) بفضل وساطة أحد أقاربه.
تغطية الفعاليات البحث عن إعلانات
بدأ الجعماني يوسع عمله بتغطية المؤتمرات والندوات والورش بهدف كسر العزلة والتعرف على الصحفيين والمسؤولين مما مكنه لاحقاً من الحصول على أخبار أو “تهاني” خاصة للصحيفة، حتى أصبح في فترة كما يقول: “باسط” على الصفحة الثالثة “محليات”، إضافة إلى حصوله على مقابل مادي رمزي يساعده في تحسين دخله.
كما بدأ بالبحث عن إعلانات لكن مالك الصحيفة الجديد (ابن المؤسس) كان يرفض منحه نسبته المعروفة، وللتضييق عليه ومنعه من الخروج من العمل، تم تكليفه بأعمال مكتبية في الصباح، ولاحقاً مراجعة مواد الصحيفة “السياسة التحريرية” وليس الأخطاء اللغوية، فكان يقوم بـ “تجميد” أو استبعاد أي موضوع لا يتناسب مع السياسية التحريرية للصحيفة بحكم خبرته وقربه من رئيس التحرير (الأب) قبل وفاته.
بفضل هذه الصلاحيات والغياب والسفر المتواصل لرئيس التحرير الجديد (ابن المؤسس) أصبح يصف الجعماني نفسه بـ “الكل في الكل”، ويقرر مسار المواد المنشورة، وقبل الطباعة كان يقرأ على رئيس التحرير عبر الهاتف عناوين الصفحة الأولى فقط (قبل توفر الوسائل الحديثة منها مواقع التواصل) ليقرها للطباعة.
الخلاف والاستقالة
وصف الجعماني رئيس التحرير، كمال العلفي، بأنه شخص “عنصري ومناطقي”، وكان يتعمد مناداته بـ “يا ريمي” بطريقة فيها استنقاص، إضافة إلى قيام بالخصم التعسفي عليه لأتفه الأسباب، وإهانته المتكررة أمام الآخرين، مرجعًا ذلك إلى “عقدة نقص” يحاول تعويضها بإهانة الآخرين، والغيرة من النجاح المهني.
وصل الخلاف إلى طريق مسدود عندما أهانه بلغة استعلائية ومناطقية، فكان هذا الموقف هو “القشة التي قصمت ظهر البعير”، حيث قرر الجعماني مغادرة الصحيفة عام 2008، تاركاً خلفه كافة مستحقاته المالية بعد خدمة استمرت 11 عاماً.
تأسيس صحيفته الخاصة
عام 2009، بدأ الجعماني بمتابعة إجراءات ترخيص صحيفة باسم “المنبر الحر”، لكن الوزارة رفضت الاسم بعد شهرين من المتابعة بحجة أنه اسم مركب، ثم غير اسمها الى “التفاصيل” واستمر في المتابعة لأربعة أشهر إضافية.
أنشأ مقراً للصحيفة بتكلفة تقارب 10 ملايين ريال، (45 ألف دولار تقريبا) اعتمد في توفيرها على “شيكات آجلة” بحكم علاقاته السابقة مع المؤسسات والشركات.
بعد رفض الوزارة منحه الترخيص بحجة وجود “توجيهات عليا” بإيقاف التراخيص، قرر الجعماني طباعة الصحيفة ونشرها في السوق بدون ترخيص لمدة سبعة أشهر.
رفعت الوزارة عليه قضية لدى النيابة، فدافع عن نفسه بأنه ملتزم بعقود إعلانية وإجراءاته مكتملة، مما ضغط على الوزارة حتى منحه الترخيص أخيراً.
بعد صدور التصريح، أصدرت الصحيفة حوالي 40 عدداً، وكانت تصدر بشكل نصف شهري وأحياناً أسبوعي حسب توفر الدعم المالي.
في مران صعدة
نهاية العام 2009، ذهب الى صعدة (بمناسبة المولد النبوي) من طريق الحديدة برفقة ركاب عاديين، تظاهر أنه من “أنصار رسول الله” ليتمكن من الاندماج والتحرك دون كشف هويته الحقيقية.
وصل إلى منطقة مران (معقل الجماعة) وجلس مع الناس هناك وتناقش معهم، مما مكنه من جمع معلومات كثيرة ومهمة، بعد خروجه، قام بنشر تلك المعلومات في سلسلة حلقات في وسائل الإعلام، تحت عنوان ” جماعة الحوثي.. احتفالات بمولد النبي، شرارة لابتلاع اليمن وتهديد أمن المنطقة” نشرت بدون اسمه حرصاً على سلامته.
عام 2010، تم استدعاء محمد الجعماني هذه المرة رسمياً من الحوثيين للحضور ضمن وفد إعلامي إلى صعدة ضمن مجموعة من الصحفيين لتغطية فعالية “المولد”، وكانت هذه الرحلة مليئة بالتوتر والتقييد.
عند وصولهم، أُنزل الصحفيون في فندق السلام، وصدرت توجيهات من عبد الملك الحوثي بدخولهم، لكنهم مُنعوا من مغادرته أو التحرك بحرية.
وصف الجعماني الوضع بأنه كان أشبه بـ “الحبس”، حيث كان علي القحوم وحسين العزي متواجدين في الصالة، مع وجود حراسة مشددة على المداخل والمخارج وعربات مصفحة خارج الفندق.
بعد قضائه يوماً كاملاً وهو يشعر بأنه مسجون، غادر الفندق، ولحق به علي القحوم وآخرين وأعادوه من فرزة الباصات، وخلال ذلك، قاموا بفتح حقيبته وتفتيشها، ليجدوا فيها نسخاً من صحيفته “التفاصيل” تحتوي على مواد ضد الحوثيين، فتركوه يغادر، قال: “عادهم كانوا يستحوا شوية”.
يذكر الجعماني أنه عضو نقابة الصحفيين، وعضو اتحاد الصحفيين العرب، وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين، وشارك في العديد من المؤتمرات المحلية والندوات وورش العمل.
عمل سكرتيرا اعلاميا لأول محافظ لمحافظة ريمة (الخضمي) في 2004، وفي مأرب عمل سكرتيرا للعميد محمد الجرادي، قائد اللواء 80 مشاة.
المعاناة بعد 2011
كان الجعماني من ضمن الشباب الذين شاركوا في الساحات، وبسبب تدهور الأوضاع توقفت الصحيفة، لتبدأ معاناته التي تنوعت بين التنكيل العائلي، والفقر الشديد، فقد أنفق كل مدخراته (بما فيها ذهب زوجته) في التأسيس والطباعة.
وبسبب الظروف المادية اضطر للعودة إلى قريته عام 2012، وهناك تعرض لحملة تحريض واسعة من الأهالي، حيث وُصف بـ “الملحد” و”المجرم”، لأنه شارك في الثورة في 2011.
ونتيجة لذلك تم اقتحام منزله وتهديد أطفاله بالسلاح، كما تم البسط على منزله وأرضه من قبل نافذين بحُجة أنه “مرتزق” (حتى الآن) وتم طرده من القرية ليتجه مجدداً مع اطفاله إلى صنعاء.
ولا يزال بيته في القرية منهوبا مع احد ابناء المنطقة الذي رفض الخروج منه واعادته لأسرة الجعماني وأطفاله، كما نهبت أرضه مجددا ويرفض الناهبون حتى اليوم اعادتها.
وفي صنعاء نهب الحوثيون مقر صحيفته وكل اثاث المقر، حيث لا يزال محملا ديون تأسيس الصحيفة بمبلغ أكثر من 10 مليون ريال.
الاختطاف والتعذيب
اختطفه الحوثيون في صنعاء مرتين، في المرة الأولى قضى نحو ثلاثة أسابيع، والمرة الثانية، اختطف لمدة سبعة أشهر، تنقل خلالها في أكثر من سجن، حيث تعرض للضرب المبرح والجلد بالإسلاك والإهانات، بتهمة أنه “مرتزق” عبر تشغيل أناشيد “وزوامل” تؤيد الجيش الوطني، إضافة الى إعلانه في منشور له على فيسبوك استعداده للتبرع بكليته لأي بطل من أبطال الجيش الوطني.
أثناء الاختطاف اكتشف الحوثيون أن لديه موقع الكتروني باسم “التفاصيل برس” فقاموا بحجبه.
خرج بوساطات من شخصيات مقربة، وضمانات، وبعد دفع مبالغ مالية، كما أنه لحسن حظه أن تلفونه لم يصل الى أيديهم.
النقد مقابل العمل
بدأت قصة عمل محمد الجعماني في مشروع “النقد مقابل العمل” حيث كان يمُر بظروف معيشية قاسية جداً وحالة من الخذلان من قبل السياسيين والزملاء.
وسمع أن الصندوق الاجتماعي للتنمية يوفر فرص عمل تحت مسمى “النقد مقابل العمل”، فذهب للتسجيل بصفته “نازحاً” للحصول على فرصة عمل يعيل بها عائلته.
ارتدى “بدلة صيانة” مخصصة للمشروع، وكانت طبيعة العمل تتمثل في تنظيف الشوارع، وكان يبدأ عمله في تمام الساعة الخامسة فجراً ويستمر حتى العصر.
وصف الأجر الذي كان يتقاضاه بأنه “زهيد”، لكنه كان ضرورياً لسد رمقه بعد أن وصل لمرحلة لم يعد يمتلك فيها قيمة وجبة طعام واحدة.
رفض العمل مع الحوثيين
وقعت أحداث هذه القصة تقريباً في عامي 2014 و2015، وهي تجسد مرحلة صعبة من حياته فضل فيها العمل اليدوي الشاق على التنازل عن قناعاته السياسية.
والقصة عندما حاول أحد زملائه السابقين، سيف الوشلي، (من جماعة الحوثي) إغرائه بمنصب “مدير عام” لدى الحوثيين مقابل عمله معهم، رفض الجعماني بشدة، مصرحاً بأن “كنس الشوارع أشرف لي” من العمل معهم، وسيأتي اليوم الذي يكنسهم أيضا، مؤكداً تمرده على ثقافة “التقبيل” والتبعية، وأنه لم “يُـقبل والده”.
أسلوب الترغيب والترهيب
استخدم سيف الوشلي أسلوب “الترغيب والترهيب”، حيث قام بأخذه إلى البحث الجنائي ليجعله يرى عيانًا كيف يُعذب الناس وكيف يُفعل بهم، وكان الهدف من ذلك هو تخويفه وإرسال رسالة غير مباشرة حول مصير من يعارضهم.
واجه الجعماني هذا الأسلوب بصلابة، حيث أخبر الوشلي بأنه قضى سبعة أشهر في سجونهم سابقاً ولم يعد يخشى شيئاً، قائلاً: “أنا راسي يابس.. وما فيش حاجة معي أزيد أخسرها”.
وأضاف: إذا قدك ناوي تأخذني كلمني عشان أشل لي بطانية، لأن المرة الأولة بردت في السجن”.
كشف الجعماني أن سيف الوشلي، (حينها) كان يملك سجناً خاصاً في البحث الجنائي، وكان السجان فيه شخصاً من أبناء لحج.
مع وزير إعلام الحوثيين
بالتوازي مع أسلوب التخويف، حاول الوشلي إغراءه بعرض منصب “مدير عام” عليه، وهو ما رفضه الجعماني بشدة.
يذكر الجعماني أن الصحفي عبد السلام جابر، كان زميلاً سابقاً له؛ حيث عملا معاً في صحيفة “الرأي العام” لسنوات، وفي عهد الحوثيين عُين وزيرا للإعلام، فاستدعى جابر الجعماني إلى مكتبه في الوزارة وأبلغه أن الحوثيين يضعون أعينهم عليه، وعرض عليه منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الجمهورية، مع امتيازات تشمل سيارة ومرافقين.
رفض الجعماني العرض مباشرة، وقال لجابر صراحة: “أنت تعمل في مكان ليس أهلاً لك، وسيأتي اليوم الذي تفر فيه من هذا المكان”، وبالفعل هرب جابر لاحقاً.
بعد رفضه العرض، تواصل معه “سيف الوشلي” ليسأله عن رده، وعندما علم برفضه المنصب، قال له: “وضعك صعب”، ليغادر الجعماني صنعاء في اليوم التالي متجها الى مأرب”.
النزوح الى مأرب
في طريق نزوحه إلى مأرب في 2018، كانت رحلة محفوفة بالمخاطر، برفقته ابنه (8 سنوات) للتمويه.
في رداع منعه الحوثيون، وأعادوه، لكنه واصل طريقه عبر تعز إلى أن وصل عدن في رحلة شاقة أيضا.
يذكر أنه كان يعتقد أنه سيصل مأرب (المدينة الفاضلة) لكنه واجه معاناة جديدة، حيث لم يجد مأوى حتى عند زملائه الصحفيين، ولم يحصل على فرصة عمل، فاضطر للسكن في “كوخ” خشبي على الرصيف في الشارع، وذكر أنه كان يمر بأيام لا يأكل فيها سوى وجبة واحدة فقط بسبب وضعه المادي المزري، قال: “إنه شعر بالخذلان”.
موقف عفوي ومؤثر
عندما وصل مأرب في شهر رمضان، صادف أن التقى بالصحفي محمد الجماعي في الشارع، حيث قام الجماعي بإعطاء ابنه مبلغ 5000 ريال، وصف الجعماني هذا المبلغ البسيط بأنه في نظره حينها “10 مليون”، نظراً لحاجته الشديدة وظروفه الصعبة في ذلك الوقت؛ حيث كان ينام في المسجد وعلى الرصيف.
ذكر الجعماني هذا الموقف ليقارنه بخذلان زملائه الآخرين الذين التقاهم لاحقاً؛ وكان تصرف الجماعي بسيطاً وعفوياً، الذي لا يزال يتذكره بتقدير واحترام كبير.
اضطر بعد فترة لمغادرة مدينة مأرب نحو الحدود للالتحاق بالجبهة وتثبيت اسمه من أجل الحصول على راتب.
وهو الآن في جبهة رازح الحدودية، حيث يشرف على إصدار صحفي ورقي، لخدمة الجبهة، ورغم ذلك يعاني من توقف راتبه منذ أشهر بعد أن سقط من الكشوفات حسب قوله، وقد وُعد حل الإشكالية.
رسالته
يرى أن المرحلة تتطلب إعلاماً “جبهوياً” يخدم المعركة ويلامس الواقع، بدلاً من الإعلام الهزيل الذي يكتفي بـ “تعبئة الفراغات” في القنوات، كما يدعو إلى الاعتناء بـ “الرعيل الأول” من أصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة، بدلاً من الاعتماد على “المفسبكين و المطبلين الذين يصنعون الوهم للناس”. حسب وصفه.
يشدد على ضرورة صناعة وعي شعبي حقيقي يخدم “القضية العادلة” التي يؤمنون بها، لمواجهة “الوعي التضليلي” الذي يصنعه الحوثي، ويؤكد أن الإعلام القوي هو الذي يبذل جهداً في استقاء المادة الإعلامية من الميدان مباشرة، وليس من المكاتب.
يرى أن النصر يتطلب وجود “رجال دولة” مؤهلين وقادرين على قيادة المرحلة وإدارتها بكفاءة، وأن التضحيات تهون في سبيل الإيمان بقضية عادلة والاستعداد لدفع ثمنها.
سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :
الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني
الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقل
الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية
الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية
الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية
الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار
الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح
الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)
الحلقة الثامنة: مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)
الحلقة التاسعة: محمد الأشول.. حكاية نجاح ولدت من رحم التحديات وبدأت بفكرة إعلان لـ”كاك بنك”
الحلقة العاشرة: عبدالحميد الشرعبي.. شاهِدُ الحروب وراويها الرسمي من وادي النشور إلى مأرب
الحلقة الثانية عشرة: صادق هيسان.. حكاية مخرج إذاعي بدأت من نافذة المطبخ
الحلقة الثالثة عشرة: فؤاد مسعد: مهنية الصحفي وعين الإنسانية وروح الشاعر
الحلقة الرابعة عشرة: الصحفية وئام الصوفي.. مسيرة وفاء للوطن لم تُثنِه المساومة على طفلها الوحيد
الحلقة الخامسة عشرة: عبدالواسع راجح.. ابن قرية الإمام الذي صنعت منه المعاهد صوتاً للجمهورية (1-2)
الحلقة السادسة عشرة: عبدالواسع راجح.. سيرة صحفية حافلة وشاهد على وصية آخر أئمة حميد الدين (2-2)
الحلقة السابعة عشرة: ناصر الخولاني.. عدّاء الأمس وحارس الأرشيف المرئي لمأرب لثلاثة عقود
الحلقة الثامنة عشرة: الصحفي عبدالله القانصي.. حكاية رحلة إلى “العرش” بدأت بمطوية محلية
الحلقة التاسعة عشرة: عبدالقوي غالب.. قائد عسكري صمتت بندقيته فدوى صوته الوطني أرجاء اليمن
الحلقة العشرون: عبدالقوي غالب.. محطات ملهمة وطريفة في طريق انتقاله من المعسكر إلى الإعلام (2-2)
الحلقة الحادية والعشرون: المصور الفوتوغرافي حسين الحرازي: نصف قرن من توثيق وطن مثقل بالتحديات
الحلقة الثانية والعشرون: صلاح سيف.. الوصول إلى بلاط صاحبة الجلالة بدأ بقصة كفاح في عدن
الحلقة الثالثة والعشرون: مسيرة إعلامية صنعتها التجربة.. محمد الجداسي: عين مأرب وصوتها وصورتها
الحلقة الرابعة والعشرون: يسرى بيرق.. “مهندسة الكلمة” التي حولت الصدفة إلى مسار صحفي ملهم
الحلقة الخامسة والعشرون: ذياب الشاطر.. المراسل التلفزيوني الذي دفع حواسه ثمناً لنقل الحقيقة
الحلقة السادسة والعشرون: علي سنحان.. الصحفي الذي سخر قلمه وبندقيته وأبناءه دفاعاً عن الوطن



