فؤاد مسعد: مهنية الصحفي وعين الإنسانية وروح الشاعر

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: بدأ فؤاد مسعد حياته القاسية من ريف مديرية دمت محافظة الضالع، وتلقى هناك دراسته الأساسية بتقدير ممتاز، ليواصل مشواره التعلمي في دراسة اللغة الإنجليزية، لكن شغفه بالإعلام كان أقوى فالتحق بالعمل الصحفي.
تنقل بين رسالة التربية وأمانة الإعلام، محولاً التقارير الصحفية إلى قصص إنسانية حية أعادت الأمل للمنسيين خلف القضبان.
جسد فؤاد مسعد في مسيرته معنى أن يكون الإعلام جبهةً لحماية الهوية الوطنية ورسالةً تتجاوز حدود الخبر لتلامس واقع المجتمع وخدمتهم، ولم يكن قلمه جافاً بلا مشاعر، بل نضح برهافة الحس والشعر، حيث تُوجت مسيرته الأدبية بإصدار ديوانه الشعري الأول “مواعيد الغروب”.
وُلد فؤاد مسعد عام 1977 بقرية “خاب” بمدينة دمت (التي كانت تتبع محافظة إب سابقاً ثم محافظة الضالع حالياً).
يذكر فؤاد أن تسمية القرية بهذا الاسم يعود الى كثرة “المخابئ” فيها، خاصة مع ظروف الصراع والخوف التي انتشرت خلال العقود الماضية حيث كانت القرية القديمة تقع في سفح الجبل.
يقدر عمر القرية بنحو 200 عام، ومع انتشار الأمان وتغير الظروف، بدأ الناس بالتوسع والبناء باتجاه الوادي والمدينة، وأصبحت جزءا من المدينة.
اتسمت طفولة الصحفي فؤاد مسعد بمزيج من التحديات البيئية والمواهب المبكرة، فقد واجه تجربة قاسية في طفولته بفقدان والدته وهو في سن العاشرة تقريباً، وتولى والده، الذي كان مزارعاً بسيطاً، تربيته وتشجيعه على التعليم رغم أن الأب نفسه لم ينل حظاً من التعليم، إلا أنه كان حريصاً على تفوق أبنائه.
يصف فؤاد طفولته في بداية الثمانينيات بأنها كانت صعبة؛ إذ كانت المنطقة تعاني من تداعيات “صراع المناطق الوسطى” الذي توقف عام 81-1982، وكان حضور الدولة هامشياً والخدمات بسيطة جداً.
في تلك الفترة، كانت دمت تفتقر للمدارس الثانوية، وكان الطلاب يضطرون للانتقال إلى مناطق أخرى لمواصلة تعليمهم قبل أن تتحسن الأوضاع التعليمية لاحقاً في منتصف الثمانينيات.
درس فؤاد مسعد مرحلة التعليم الأساسي والثانوي، في معهد زيد بن حارثة العلمي بدمت، وكان طالباً متفوقاً حيث تخرج بتقدير (امتياز)، وبرزت موهبته بوضوح في اللغة العربية والإلقاء، وتخرج من الثانوية عام 1998.
بعد الثانوية بدأ بكتابة مقالات ثقافية نُشرت في صحف محلية، وفي ملحق “الثقافية” التابع لصحيفة الجمهورية.
“دمت” في عهد عبدالقادر هلال
يذكر فؤاد أن مرحلة نضجه الدراسي تزامنت مع تعيين الفقيد عبد القادر علي هلال مديراً لمديرية دمت، وهي الفترة التي مثلت انتقالاً تاريخياً للمنطقة من “إدارة الصراع” إلى “الإدارة المدنية والتنموية”.
فقد رعى هلال بيئة تنافسية للمبدعين، كان مسعد أحد ثمارها، حيث نال نصيبه من التكريم في المحافل السنوية التي كانت تحتفي بالمتفوقين.
بدايات الشغف الإعلامي
ظهر شغفه بالإعلام منذ مرحلة الدراسة من خلال المشاركة الفاعلة في الإذاعة المدرسية، وكتابة المقالات في المجلات الحائطية، وإلقاء القصائد، والمشاركة في فرق الإنشاد التابعة للمعهد، وكان تفوقه في اللغة العربية هو الدافع الأساسي له.
وبالرغم من محدودية الوسائل الإعلامية حينها (مكتبتين فقط في المديرية)، إلا أنه كان يتابع الصحف المتاحة، وتشكل وعيه البصري والسمعي عبر شاشة تلفزيون اليمن، (التلفزيون الرسمي) حيث استقر صوت الإعلامي “أنور العنسي” في ذاكرته كنموذج رصين للإعلامي الذي يجمع بين قوة الحضور والتمكن اللغوي، والذي ظل صوته وصورته حاضرين في ذاكرته منذ تلك المرحلة.
دراسة البكالوريوس والماجستير
بعد تخرجه من الثانوية درس (دبلوم) لغة انجليزية كلية التربية محافظة الضالع؛ اختار هذا التخصص كونه متوفر في دمت، ولأن دراسة الإعلام لم تكن متاحة حينها إلا في صنعاء أو عدن، وهو ما كان سيتطلب منه “اغتراباً” لم يكن مستعداً له وقتها بسبب الظروف المادية.
في العام 2003، حصل على الدبلوم، وتوظف رسمياً في سلك التربية والتعليم عام 2007، ولاحقاً عام 2011، حصل على البكالوريوس من نفس الكلية التي تتبع جامعة عدن.
استمر خلال فترة دراسته في الأنشطة الطلابية وإصدار النشرات والمطويات، مما ساعده على التوفيق بين دراسته وشغفه الإعلامي.
لم يكتفِ فؤاد مسعد بالخبرة الميدانية، بل سعى لتأطيرها أكاديمياً عبر دراسة الماجستير في كلية الإعلام بجامعة عدن، وهو حالياً في مرحلة إعداد الرسالة، والتي هي بعنوان “أداء الصحافة الإلكترونية اليمنية خلال الحرب”، وهو اختيار يعكس رغبته في فهم الأدوات الرقمية التي باتت تصيغ الوعي الجمعي في زمن النزاع.
الحياة المهنية
في البداية كان عمله الإعلامي “خفيفاً ووقتياً”، مما أتاح له التوفيق بين الالتزام الوظيفي وشغفه الصحفي.
انطلق مهنياً كصحفي ومراسل عام 2007، كمراسل لصحف عدة مثل “الصحوة”، “الوحدة”، “يمن تايمز” (ناطقة بالإنجليزية) وصحيفة “النداء” المستقلة، وكان مهتماً بتغطية فعاليات الحراك الجنوبي الذي تأسس في نفس العام، وكان فؤاد أحد أبرز الإعلاميين في المحافظة.
يذكر فؤاد أنه مع مرور الوقت، زادت وتيرة عمله الإعلامي، خاصة مع ارتباطه بصحيفتي “يمن تايمز” و”النداء” وتغطيته لأحداث الحراك الجنوبي، لكنه ظل يجمع بينهما حتى طغى العمل الإعلامي وأصبح يأخذ “كل الجهد” على حساب عمله التربوي.
ولإدارة هذا التداخل في العمل، حصل على تفريغ من عمله في التربية لمواصلة دراسته الأكاديمية (البكالوريوس ثم الماجستير في الإعلام)، وهو ما أدى في النهاية إلى إيقاف ارتباطه المباشر بالتدريس ليتفرغ للرسالة الإعلامية.
حينها كان فؤاد يرى أن التربية والإعلام “جبهتان متلازمتان” تتظافران لحماية الهوية الوطنية، فكلاهما في نظره رسالة تهدف للتوعية وبناء المجتمع.
صحيفة “النداء” وملف المعسرين
يُعتبر ملف المعسرين من أبرز الأعمال الصحفية التي تركت أثراً ملموساً في مسيرة فؤاد مسعد المهنية، وكانت صحيفة “النداء” تخصص مساحة واسعة لهذا الملف خلال شهر رمضان من كل عام، حيث كان فؤاد مسعد يشارك فيه كمراسل من محافظة الضالع.
وركزت الحملة على الأشخاص الذين قضوا فترات طويلة في السجون ليس لعقوبات جنائية مستمرة، بل بسبب عجزهم عن سداد ديون أو حقوق مالية للغير.
لم يكتفِ فؤاد بنشر قوائم جافة للأسماء، بل كان يزور السجن المركزي ويطلع على الكشوفات، ثم يختار حالات معينة ليصيغها في قصص إنسانية مؤثرة؛ كأن يقابل أطفال السجين أو والديه لتسليط الضوء على الجانب الإنساني ومعاناتهم.
وأحدث هذا النشاط الصحفي صدىً واسعاً وتفاعلاً على مستويين رسمي بالتوجيه بإطلاق سراحهم أو على المستوى المجتمعي حيث يعلن رجال أعمال وخيريين تسديد ديون عدد من تلك الحالات.
قرار وقف 7 صحف
تأثر فؤاد مع قرار الحكومة اليمنية عام 2009، وقف 7 من الصحف، الأسبوعية، من بين تلك الصحف، صحيفتان يعمل فيهما فؤاد مسعد بشكل مباشر، هما صحيفة “الوطنية” التي كان يشغل فيها منصب مدير التحرير في عدن، وصحيفة “النداء” التي كان يعمل مراسلاً لها.
والصحف التي أوقفت حينها هي “الأيام” و”النداء” و”المستقلة” و”المصدر” و”الديار” و”الشريعة” إضافة إلى صحيفة “الوطني” الأسبوعية.
الاجراء الحكومي جاء تزامناً مع تصاعد الحراك الجنوبي؛ حيث كانت صحيفة “النداء” من أكثر الصحف اهتماماً وتغطية ومتابعة لهذه الفعاليات، وهو ما أدى لاحقاً إلى توقيفها.
يذكر فؤاد أنه بعد هذه “المجزرة” حسب وصفه، وتوقف الصحف الورقية، بدأ نشاط المواقع الإخبارية يبرز عام 2010، ثم انتقل العمل الإعلامي إلى حيز أوسع بعد أحداث ثورة 2011.
العمل مع وكالة الأناضول
مع مطلع عام 2013، انتقل مسعد إلى طور جديد من الاحتراف بالتحاقه بوكالة “الأناضول” التركية، وهي تجربة استمرت عقداً كاملاً (حتى 2023)، تحت إدارة، راجح بادي، (حاليا سفير اليمن في قطر).
كشف مسعد عن مفارقة مهنية مؤلمة؛ فرغم العمل مع وكالة دولية، إلا أن الصحفي ظل يعاني من غياب الحماية والضمانات الوظيفية، حيث يتم التعامل معه بنظام “القطعة”، وهو نظام “مجحف” لا يوفر الأمان المهني المطلوب في مناطق النزاع.
الحرب والنزوح
عند اجتياح جماعة الحوثي لمدينة عدن في عام 2015، عاش فؤاد مسعد تجربة قاسية من الرعب والنزوح الداخلي، فقد كان يتواجد في مديرية خور مكسر عند بداية وصول الحوثيين إلى أطراف المدينة.
وبعد أن سيطر الحوثيون على منطقة المطار والعريش ثم أحكموا قبضتهم على كامل خور مكسر (بعد حوالي أسبوع من وصولها)، اضطر فؤاد للانتقال والنزوح إلى “مدينة الشعب”، وهي منطقة لم يكن الحوثيون قد وصلوا إليها بعد.
عن تلك المرحلة يقول مسعد إن السكان أُفرغوا تماماً من المديريات التي سقطت تحت سيطرة الحوثيين (خور مكسر، صيرة/كريتر، المعلا، والتواهي)؛ حيث انتقل معظم الأهالي إلى المديريات الأربع المتبقية التي لم يدخلها الحوثيون (دار سعد، الشيخ عثمان، المنصورة، والبريقة)، بينما غادر البعض مدينة عدن بشكل كامل.
اغتيال السقلدي وترهيب الصحفيين
يرى فؤاد أن من ينحاز للحقيقة يصبح تلقائياً هدفاً للمتضررين منها، والذين يحولون الصحفي إلى هدف للتهديد والملاحقة، الهدف من هذه العمليات ترهيب الصحفيين بشكل واسع وزرع الخوف في نفوسهم، مما دفع البعض لتغيير أماكنهم بحثاً عن الأمان.
واعتبر فؤاد أن عملية اغتيال الصحفي (زكي السقلدي) أعمالاً تفتقر لأي مبرر خاصة وأن السقلدي كان شخصية اجتماعية متصالحة مع الجميع.
يذكر فؤاد أن هذا الوضع الأمني المتردي دفع بالكثير من الصحفيين، (هو أحدهم) إلى محاولة البحث عن أماكن يرونها أقل خطراً للعيش والعمل فيها، مما أدى إلى حالة من الشتات والنزوح المستمر، والحركة المحدودة، ووصل الأمر إلى حد إيقاف الاتصالات البينية مع الصحفيين (في فترات معينة) خوفاً من الاستهداف.
بسبب سيطرة الحوثيين على مسقط رأسه (دمت) وموقفهم المعادي للصحفيين الذين يتبنون مواقف ضد الجماعة، فإنه محروم من زيارة أهله ومنطقته منذ 12 عاماً تقريبا.
التغطية تحت النيران
وثق مسعد ملفات كبرى مثل مؤتمر الحوار الوطني، وحروب القاعدة في أبين وشبوة، وصولاً إلى حرب 2015، التي عاش خلالها تجربة النزوح القاسي؛ إذ اضطر لمغادرة منزله في حي “خور مكسر” بعد دخول الحوثيين، متوجهاً إلى “مدينة الشعب” التي ظلت خارج قبضتهم، ليختبر معنى التشتت الذي وثقه في تقاريره.
دفع مسعد ضريبة باهظة لمواقفه المهنية، حيث حُرم من زيارة مسقط رأسه “دمت” لأكثر من 12 عاماً نتيجة سيطرة الحوثيين عليها، مما حوله إلى “نازح” في وطنه، تفصله خطوط التماس عن أهله وذكرياته.
النتاج الأدبي والفكري
يرى في تأليف الكتب (مثل ديوانه الشعري وكتبه الثقافية والسياسية) وسيلة لتقديم رسالة فكرية تتجاوز الإطار الزمني والمكاني الضيق للمادة الصحفية اليومية، ومحاولة للهروب من “آنية” الخبر الصحفي الزائل نحو “خلود” الكلمة الموثقة.
من مؤلفاته: “مواعيد الغروب” وهو ديوان شعري صدر في يونيو 2023، يمثل المتنفس الوجداني الذي أودع فيه مسعد شجون الوطن وانكسارات الذات، وكتاب “أفياء”: صدر في القاهرة قبل أشهر، عبارة عن مجموعة مقالات فكرية وأدبية تسعى لاستعادة الملامح الثقافية اليمنية من براثن التجريف.
وكشف مسعد عن كتاب قادم بعنوان “الثورة اليمنية”، ويمثل قراءة تحليلية للتحولات والتحديات الوطنية، وهو محاولة لربط الماضي بالحاضر واستشراف مستقبل الجمهورية.
يؤمن فؤاد مسعد أن “التربية والإعلام” وجهان لعملة واحدة؛ فالهوية التي تتعرض اليوم للتمزيق هي نتيجة ضعف الرسالة في هذين الحقلين، مما يجعلهما الجبهة الأهم لحماية الإنسان اليمني.
رؤية ورسائل
يؤكد مسعد أن الإعلام، قبل أن يكون مهنة أو وظيفة، هو رسالة موجهة للفرد والمجتمع والبلد على حد سواء، معتبراً الإعلام والتربية جبهتين متكاملتين هدفهما الأسمى هو حماية الهوية الوطنية.
يرى أن الهوية الوطنية تتعرض اليوم لمخاطر “التجريف” والتمزق، ويعزو ذلك إلى ضعف في أداء الرسالة الإعلامية والتربوية، لذا يشدد على ضرورة تظافر الجهود في هذين المجالين لحماية هذه الهوية.
كما يوجه رسالة خاصة للصحفيين المبتدئين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بضرورة استحضار أهمية الدور الذي يقومون به وأثره على المجتمع والوطن.
سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :
الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني
الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة
الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية
الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية
الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار
الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح
الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)
الحلقة الثامنة: مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)
الحلقة التاسعة: محمد الأشول.. حكاية نجاح ولدت من رحم التحديات وبدأت بفكرة إعلان لـ”كاك بنك”
الحلقة العاشرة: عبدالحميد الشرعبي.. شاهِدُ الحروب وراويها الرسمي من وادي النشور إلى مأرب
الحلقة الثانية عشرة: صادق هيسان.. حكاية مخرج إذاعي بدأت من نافذة المطبخ



