مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)

كتب القصة لـ يمن ديلي نيوز – عدنان الشهاب تنوعت مسيرة الصحفي وديع عطا الصحفية بين الصحف الورقية والمجلات والمواقع الإلكترونية، لكن مشواره الصحفي كان في صحيفة “الناس” من 2003 ثم لاحقاً في موقعها الإلكتروني ناس برس منذ تأسيسه إلى نهاية 2008.
وخلال مسيرته الصحفية نشرت له أعمال مواد صحفية متنوعة في الصحوة، وصوت الإيمان، والرأي الحر وغيرها، كما اشتغل مواد وتقارير لمجلة المركز اليمني للدراسات والبحوث، ومجلة نوافذ، ومن بعدها مجلة (نداء القدس) الصادرة عن مؤسسة القدس مكتب اليمن.
عين سنة 2008 نائباً لمدير تحرير مجلة نداء القدس التي كان يديرها، عبدالسلام العنسي، ثم في سنة 2009 تولى مسؤولية قسم الثقافة والاعلام بمؤسسة القدس في اليمن، واستمر بعمله فيها إلى فبراير 2011.
يُعد تقريره الصحفي الذي نشر تحت عنوان “أين تذهب ملايين الرئيس؟” من أشهر العناوين التي نشرها وديع عطا في صحيفة “الناس” إبان عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
وبالرغم من أن العنوان يوحي بهجوم سياسي مباشر، إلا أن المادة كانت في أصلها مادة حقوقية تتحدث عن الملايين التي يقدمها الرئيس الراحل سنوياً لقضاء ديون المعسرين والإفراج عنهم، بينما في الواقع كانت منفذ فساد، ولا يستفيد المعسرون منها بشكل حقيقي.
ومثًل التقرير وعنوانه نقطة تحول وانتشار لاسم الصحفي وديع عطا في مؤسسات حكومية وفي مقدمتها دار الرئاسة كما أخبره أحد ضباط الرئاسة في وقت لاحق.
اتصال غالب القمش
كان من مميزات رئيس تحرير صحيفة “الناس” الراحل حميد شحرة، وفي سبيل تشجيع التنافس بين العاملين، رصد مكافآت عن الأعمال المهمة، مثل الحصول على لقاء صحفي أو حتى تصريح من شخصيات مهمة جداً في الدولة على المستوى السياسي أو الأمني والبرلماني.
وذات مرة رصد مكافأة (نصف راتب) على من يأخذ تصريح من رئيس جهاز الأمن السياسي اللواء غالب القمش بخصوص قرار الرئيس صالح بسحب الجنسية من الشيخ بن معيلي سنة 2006.
في العصر تواصل وديع بمكتب القمش، وأثناء عودته من عمله في الصحفية منتصف الليل، فوجئ وديع وأثناء عودته راجلاً بمفرده في شارع كلية الشرطة بصنعاء في وقت متأخر، وكان المكان مظلماً شبه خالٍ، باتصال هاتفي.
بدأ القمش المكالمة بسؤال وديع باستغراب: بعد التحية والسلام “ليش مروح الآن؟” ما أثار استغراب وديع فتلفت يميناً وشمالاً، مستغرباً كيف عرف عن توقيت عودته وربما أين هو وقتها؟
وبعد كلام ودي، اعتذر القمش عن الإدلاء بأي تصريح قائلاً: “في هذه المواضيع الحساسة اعتذر”، لكنه أبدى استعداده للتعاون في أي قضايا إنسانية أخرى”، خسر وديع المكافأة لكنه حصل على مبلغ تشجيعي، لأن القمش رد ولو لم يقل شيئاً.
يحيى علاو و”فرسان الميدان”
عندما كان وديع طالباً في السنة الثالثة إعلام بجامعة صنعاء عام 2000-2001، تعرف على الراحل يحيى علاو، أثناء زيارته لمقر التلفزيون الرسمي، وذلك في مكتب الإعلامي والسينارست الراحل عبدالرحمن البطاح لإنجاز تكليف علمي عن أجيال الكاميرات في التلفزيون اليمني.
أُعجب علاو يومها بطريقة وديع في النقاش وإجراء اللقاءات، ومنحه رقم هاتفه، وأبدى استعداده لتقديم الاستشارة في أي وقت.
في عام 2001، بدأ وديع عمله مع يحيى علاو في برنامج “فرسان الميدان” حيث بدأ كمعد مساعد وسكرتير صحفي ميداني لبلورة أفكار المسابقات والألعاب الشعبية وتحويلها لفقرات تنافسية تراعي صلاحية التصوير التلفزيوني.
مثلت سنة 2005 نقطة تحول في عمله مع فرسان الميدان، حيث نجح بعد منافسة مع زميل آخر في الفوز بفرصة إعداد فقرة (مميزون) وكتابة نصوصها.
وفي العام التالي كتب فقرة “أعلام ومعالم” وأعد أسئلتها، وكانت سنة 2008 ذروة عمله في البرنامج، بأن أصبح أحد المعدين الرئيسيين، بتوليه مسؤولية إنتاج وكتابة الفقرة السياحية، ومن خلالها أنجز 29 فيلماً عن 29 منطقة وقرية سياحية وتاريخية، وخلال رحلاته في فرسان الميدان وثق في نوتاته الخاصة أسماء أكثر من 3500 منطقة ومعلم ولوحة تعريفية بعزل وقرى يمنية مر بها.
يقول وديع إنه كان يرى في يحيى علاو معلمه ومدرسته في الصرامة المهنية، وتعلم منه أسس العمل التلفزيوني.
وأضاف: “كنت اعتبر نفسي معه سواء في السيارة أو في ساحات العمل وقاعات الاجتماعات كأنني في قاعة محاضرات جامعية وقد تعلمت منه الكثير من أسس وضوابط العمل التلفزيوني، كما أنه مدرسة في التواضع والبساطة والتلقائية، إضافة لكونه أديب وشاعر وفقيه ومفكر.
العمل في القنوات التلفزيونية
تنوعت مسيرة وديع عطا في الاعلام حيث بدأ في الصحافة الورقية والالكترونية ثم إلى الإعلام المرئي حيث تنقل بين القنوات الرسمية والخاصة، قناة اليمن في برنامج “فرسان الميدان” منذ 2001 حتى 2006، ثم قناة السعيدة في نفس البرنامج أيضاً منذ 2007 حتى 2009.
وفي عام 2012 عمل في قناة “سهيل” ضمن برنامج أضواء سهيل أولاً، ثم في الأخبار، وفي سنة 2013 كان أحد مؤسسي برنامج 10:10 ومنتج فيه، وكانت له أعمال وتقارير متنوعة لعل أهمها إعداد وتقديم حلقات من البرنامج الاستقصائي الوثائقي (تحت الرماد).
وكان شاهداً على اقتحام جماعة الحوثي لقناة سهيل مرتين إبان الانقلاب 2014 ، وعلى إثرها تعرض للاتهام والتهديد من قيادات حوثية، ما اضطره للخروج من صنعاء وتنقل بينها وبين الحديدة ومسقط رأسه في حيس حتى رحلة خروجه من اليمن في نوفمبر 2015 للعمل في إسطنبول بقناة بلقيس ابتداءً من يناير 2016 حتى توقفها المفاجئ نهاية نوفمبر 2025عمل خلالها معداً ومنتجاً للعديد من البرامج السياسية والمتنوعة.
التهديد بوضعه وأطفاله كهدف لطيران التحالف
كتب وديع عطا مئات المقالات وأعد مئات التقارير وعشرات الحلقات البرامجية عن جماعة الحوثي، وبسببها واجه وتعرض لضغوط وتهديدات شديدة من قبل جماعة الحوثي، المصنفة إرهابيا.
وإبان انطلاق عمليات (عاصفة الحزم) وعلى إثر خبر نشر على شاشة قناة سهيل عن تمترس الحوثيين بالمنشآت المدنية، ولكونه حينها كان مرتبطاً بسهيل تعرض لمحاولة اقتحام جماعي لمنزله من متحوثي الحارة.
كما تعرض يومها من بعضهم للتهديد بإحراق منزله أو ربطه مع أطفاله في بدروم مدرسة خالد بن الوليد ليكونوا عرضة للقصف، بتهمة الخيانة.
تزامناً مع اختطاف الحوثيين لـ9 من زملائه الصحفيين بصنعاء، وارتقاع وتيرة التهديدات ضد الصحفيين، توارى وديع عن الأنظار فسافر إلى مدينة الحديدة، ولصعوبة الظروف المادية اضطر للعودة إلى مسقط رأسه في حيس، وفيها أسس مجموعات إخبارية على الواتس باسم “حيس برس” متخصصة في نشر أخبار المقاومة ضد الحوثيين، وكان يواكب الأخبار ساعة بساعة وينشر عن تحركات الحوثيين وهزائمهم في الجبهات خصوصاً في تعز.
التهديد بتفجير المنزل
في حيس تضاعفت الضغوط وبلغت ذروتها باستدعائه من “المشرف الحوثي بحيس” وفي جلسة تحقيق مفتوحة أطلع المشرف وديع على قائمة المستهدفين بالاختطاف وكان اسمه الثالث بينهم، -حسب قوله-، وواجهه صراحة بتهم قال إن الواحدة منها كافية للذهاب به خلف الشمس.
وفي الجلسة نفسها قال له بصريح العبارة: “لو أطلق التحالف رصاصة واحدة على حيس، سنفجر بيتكم”، وعلى إثر ذلك، شعر وديع أن بقاءه يحدث قلقاً وخطراً على أهله ووالديه وإخوته، فلم يبق أمامه من خيار إلى المغادرة.
فقرر الخروج إلى مأرب مروراً بصنعاء بعد التنسيق مع أصدقائه، وأقام فيها عند أحد أصدقائه في ظروف أمنية ومادية حساسة، وفي ظرف عائلي صعب إذ كانت زوجته في الشهر التاسع من الحمل.
لم يمر أسبوع حتى حدثت الولادة بأحد المستشفيات في ظروف خاصة ومعقدة، أثناءها كان بصدد التنسيق لرحلة الخروج إلى مأرب وكيف ستكون، فتفاجأ باتصالين لطلب العمل، أحدهما من قناة إخبارية عربية شهيرة، والثاني كان من قناة بلقيس، فاختار العمل معها.
العمل في قناة بلقيس
غادر صنعاء إلى السعودية ومنها إلى إسطنبول، وبدأ العمل بقناة بلقيس محرراً ومعداً ومنتج برامج منذ يناير 2016 وكان يعتقد أن فترة غربته لن تزيد عن 6 أشهر لينتهي به المطاف مهاجراً حتى اليوم.
بعد توقف قناة بلقيس نهاية نوفمبر 2025، يعيش وديع (أبو الرضا) مرحلة كفاح جديدة، ومؤخراً التحق بالعمل متعاوناً مع “الجزيرة نت”، وينتظر فرصة العودة إلى اليمن، بأمل أن تفضي المتغيرات التي شهدها الوطن إلى تحرير لكامل المحافظات واستعادة صنعاء.
بصف وديع حياته في إسطنبول بأنها “جسد وعقل بلا روح”، حيث بقيت روحه في اليمن، يرى شاشة حاسوبه وعمله في القناة “متراساً” يواصل عبره نضاله الصحفي ضد الحوثيين، مؤكداً أنه ورغم وجوده في إسطنبول منذ 10 سنوات إلا أنه لم يتعرف حتى على 10% من معالمها السياحية والتاريخية، لأنه كما يقول لم يأت للسياحة.
سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :
الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني
الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة
الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية
الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية
الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار
الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح
الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)



