محمد الأشول.. حكاية نجاح ولدت من رحم التحديات وبدأت بفكرة إعلان لـ”كاك بنك”

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: على امتداد مسيرته، تنقّل بين قاعات التحرير، واستوديوهات الإذاعة، ومواقع الأحداث، حاملاً قناعة راسخة بأن “الإعلام فكرة ورسالة” قبل أن يكون كاميرا أو ميكروفونًا.
فمن إعلان “النملة والادخار” إلى فكرة برامج خدمية لامست حياة الناس، والإفراج عن معسرين، وصولًا إلى تأسيس إذاعته الخاصة، رسم محمد الأشول، مسارًا يقوم على الابتكار وتحويل التحديات إلى فرص تصنع الأثر.
وُلد محمد ناجي الأشول، عام 1984، بعزلة “الوحج” مديرية قعطبة محافظة الضالع، عاش الأشول في بيئة ريفية بين شطري الوطن سابقا.
نشأ الأشول في أسرة مكافحة ومتدينة؛ هو الرابع بين إخوته الخمسة، والده مزارعاً ومعروفاً بـ “تجبير الكسور”، وكانت أسرته تمتلك ثروة حيوانية تقدر بأكثر من 200 رأس من الغنم.
تأثر بصوت والده، عندما كان يرتل “ورده” من القرآن الكريم يومياً بعد صلاة الفجر، وهو الصوت الذي ظل عالقاً في ذاكرته، ووالدته التي عرفت بصرامتها في حث أبنائها على المواظبة على الصلاة وخاصة صلاة الفجر.
تعليمه الأساسي
تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عمرو بن العاص، ثم انتقل إلى مدرسة الشهيد “الطوراني” بمديرية قعطبة لدراسة الإعدادية والثانوية، كما درس لفترة بسيطة في مديرية السبرة، المنطقة التي تنتمي اليها والدته.
يذكر الأشول أنه كان طالباً متفوقاً، ولذلك تم نقله من الصف الأول الى الثالث وطوال فترة دراسته يجلس في المقدمة، واجه في البداية صعوبة بمادة الرياضيات، لكنه استطاع تجاوزها والتفوق على شقيقيه، اللذان يكبرانه سناً، في الصف الثالث الثانوي حصد الترتيب الثالث على مستوى المركز.
العمل في محطة البترول
عمل محمد الأشول في محطة بترول، كانت أسرته تستأجرها، وقد مثلت هذه المرحلة مرحلة هامة في تكوين شخصيته العملية والمادية، حيث كان يحاسب العمال نهاية اليوم، ويستلم منهم المبالغ المالية، وكان دقيقاً جداً في عمله ولم يرتكب أي أخطاء حسابية.
ساعده هذا العمل في اكتساب مهارة كبيرة في الحسابات منذ صغره، وهو جانب ظل متميزاً فيه لاحقاً، وصف أسرته بأنها كانت “أسرة مكافحة”، وكان دخله من المحطة يوفر له وضعاً مادياً جيداً مقارنة بغيره في تلك الفترة.
علاقة والده بالشيخ الزنداني
كان والده يحب الشيخ عبدالمجيد الزنداني حباً كبيراً، ويعتبره شخصية عظيمة لا يمكن المساس بها أو قول أي شيء عنه، وفي المواسم الانتخابية، كان يدعم الدكتور، منصور الزنداني بقوة، وكان محمد الأشول يرافقه ويمشي معه في مختلف المناطق للترويج له.
تأثر محمد الأشول بتوجه والده، فكان يختار منصور الزنداني في الانتخابات تبعاً لرغبة والده، رغم ميله الشخصي (في ذلك الوقت) نحو مرشح الحزب الاشتراكي إعجاباً ببيئته المحيطة.
شغفه بالإعلام
خلال دراسته كان يواظب شهرياً على شراء وقراءة مجلة “العربي” وآخر مرة اشتراها بـ 80 ريال، بالإضافة إلى سلسلة كتاب “الأمة” التي أهداه أستاذه أجزاءً منها.
منذ الصف الرابع الابتدائي، كان عضواً في فرقة الكشافة والإنشاد والمسرح بالمدرسة، يعود الفضل في توجيهه نحو الإعلام إلى أستاذه عبده قائد الصلاحي، (قرية المجزف محافظة إب) الذي كان أول من طرح فكرة الإعلام في رأسه ووصفه بأنه “تلفزيون متكامل”.
في تلك المرحلة المبكرة، كان الأشول يقترح فكرة المسرحية ويكتب السيناريو، ويُمثل فيها، منها مسرحية عن “الجهل” قدمها في حفل نصف السنة ونالت إعجاب الحاضرين، كان والده من ضمن الحاضرين وأعجب بأدائه.
قبل أشهر زاره الأستاذ الصلاحي إلى مقر الإذاعة التي أنشأها في مأرب إذاعة الأولى، وتذاكرا سوياً ذكريات المدرسة، ووقوف الأشول في المسرح بيده “مقشب” (عود خشب) بدل الميك، يحاكي مذيعاً يقرأ نشرة الأخبار.
الالتحاق بكلية الاعلام
واجه الأشول ضغوطاً من إخوته للالتحاق بـ الكلية الحربية أو كلية الشرطة، وبالفعل سجل في الكلية الحربية واجتاز الاختبارات.
وفي صنعاء التقى أحد أقاربه، (عبدالله الأشول) ضابطاً في الأمن السياسي (استشهد لاحقا ضمن عمليات اغتيال استهدفت عشرات ضباط الأمن السياسي)، نصحه بالابتعاد عن السلك العسكري لأن “العسكرة” تقيد الحرية، مما شجعه على التمسك بحلمه والتسجيل في كلية الاعلام.
التحق الأشول بكلية الإعلام عام 2003، وتخصص قسم العلاقات العامة لإيمانه بأنها تعتمد على الإبداع والقدرة على الإقناع.
كان يرفض القوالب الجامدة، وكان ينتقد المناهج الأكاديمية لأنها تفتقر للجانب التطبيقي، مؤمناً بأن الأكاديمي يجب أن يكون خبيراً ممارساً للمهنة وليس مجرد ناقل للنظريات.
يذكر الأشول أنه كان يشعر بوجود فجوة بين المناهج الأكاديمية والواقع، وبدأ يلاحظ أن بعض ما يُدرّس قديماً لا يواكب الجانب التطبيقي.
فكرة النملة والادخار
تعد فكرة إعلان “النملة والادخار” من أشهر الأفكار التسويقية التي ابتكرها محمد الأشول أثناء دراسته الجامعية، وتفاصيل القصة تمثلت في أن الدكتور محمد معمر (مسؤول العلاقات العامة بالكلية) طلب من الطلاب فكرة تروج لثقافة الادخار كقضية دراسية للبحث، قدمها لاحقا كإعلان لصالح “كاك بنك” (بنك التسليف التعاوني والزراعي).
اختار الأشول “النملة” لتكون بطلة الإعلان، باعتبارها أكثر المخلوقات تعبيراً عن الجد والادخار، قام برسم نملة (يدوياً) وهي تدفع عشرة ريال (معدنية) التي طبعها على الورقة بقلم الرصاص (بطريقة الفرك)، لتظهر النملة وهي تدفع العشرة نحو حصالتها أو مخزنها، مع المقولة الشهيرة “القرش الأبيض لليوم الأسود”.
تبنّى البنك الفكرة ونشرها في لوحات إعلانية غطت شوارع صنعاء، وحصل الأشول على مبلغ مادي من الدكتور، كما منحه الدرجة كاملة في مادة العلاقات العامة بسبب هذه الفكرة.
بعد تخرجه أسس مكتب “إبداع ميديا”، كمشروع خاص مع اثنين من زملائه، ومن خلاله أنتج فلاش “خليجي 20” الذي بثته كل الفضائيات المحلية.
تجربته الصحفية
بدأ محمد الأشول مسيرته في تحرير الأخبار بدافع البحث عن التطبيق العملي الذي افتقده في المناهج الأكاديمية، وأول مادة صحفية كانت في صحيفة “الشموع” (التابعة لمؤسسة أخبار اليوم)، مادة ساخرة حول “حيتان الفساد”.
في صحيفة “المصدر” كانت المحطة الأهم لتعلم التحرير الخبري الفعلي؛ حيث بدأ هناك بتغطية الفعاليات وتحرير الأخبار.
يذكر الأشول أن الفضل الكبير في تعليمه مهارات التحرير يعود لـ، سمير جبران، رئيس تحرير صحيفة المصدر، الذي علمه كيفية صياغة الأسئلة الصحفية، وترتيب المعلومات في الخبر بالبدء بالأهم.
فكرة فلاش “خليجي 20”
شكل فيديو “خليجي 20” وبرنامج “سوق الناس” محطتين مفصليتين في مسيرة محمد الأشول، مادياً ومهنياً، حيث نقلتاه من مرحلة البدايات البسيطة إلى مرحلة التمكين المهني والاستقرار المادي.
أنتج فلاش (كليب) خليجي 20، عام 2010، مع زملائه في مكتب “إبداع ميديا” الذي كان حينها “مكتباً في الشنطة” كما يقول، بتكلفة بلغت حوالي 300 ألف ريال.
بفضل مهاراته في العلاقات العامة، عرض العمل على رجل الأعمال عيدروس بازرعة (شركة تويوتا)، الذي دعمه بمبلغ 20 ألف دولار.
مبلغ لم يكن الأشول يحلم به، ليؤسس مكتب “إبداع ميديا” رسمياً، وشراء كاميرات حديثة، وتجهيز استوديو صوت متكامل، كما حقق الفلاش شهرة واسعة ببثه في معظم القنوات اليمنية سهيل، السعيدة، يمن شباب، والفضائية اليمنية).
يذكر الأشول أنه عاد إلى بازرعة وسلمه توثيقاً عن القنوات التي بثت الفلاش، وأعجب بازرعة بنجاح الأشول، وعرض عليه خدماته في أي وقت، يقول الأشول: ” إنه لم يعد اليه في أي عمل آخر، لأجل يثبت له أنه نجح ولا يريد استغلال صداقته معه”.
برنامج “سوق الناس”
استلهم الأشول الفكرة من معاناته الشخصية مع “الدلالين” (الوسطاء) أثناء بحثه عن منزل للإيجار في صنعاء، عام 2012 تقريباً، وقرر تحويل هذه المعاناة إلى برنامج إذاعي يقدم خدمات البيع، الشراء، والخدمات للمواطنين بالمجان.
قدّم الفكرة لإذاعة “ناس FM”، ولاقت حماساً كبيراً، تقاضى الأشول 1200 دولار مقابل الفكرة فقط، وهو راتب يعادل راتب مدير الإذاعة حينها.
أصبح البرنامج الأول في الإذاعة ونال شهرة واسعة، وكتب عنه الصحفيون والمشاهير، وظلت فكرته حية حتى بعد نزوحه من صنعاء، حيث طورها لاحقاً إلى برنامج “أي خدمات” في اذاعته “الأولى”FM>
يصف الأشول البرنامج بأنه “علاج نفسي” له كونه يشعر بخدمة الناس مباشرة.
فلاش صلة الأرحام
تعتبر فكرة فلاش “صلة الأرحام” في العيد من أبرز الأعمال الإنسانية التي أنتجها الأشول، وتدور الفكرة حول امرأة وحيدة (مثلت الدور غزال الخياط) تجلس في شقتها يوم العيد، وقد جهزت “الجعالة” والزبيب بانتظار أسرتها لزيارتها.
وفي كل مرة تسمع فيها المرأة صوت بوق سيارة “هون”، تهرع إلى النافذة بلهفة، لكنها تكتشف في كل مرة أن الزوار هم ضيوف الجيران وليسوا أهلها، مما يعمق شعورها بالوحدة، وينتهي الفلاش بقصيدة بصوت توفيق الرميمة تعبر عن الحزن والخذلان من الأهل لأرحامهم، وتذكيره بأهمية صلة الرحم.
نجح الأشول في بيع الفلاش لشركة “جمعان” بـ 3 آلاف دولار، كراعي رسمي للرسالة الاجتماعية، كما لاقى العمل رواجاً هائلاً لا زالت بعض القنوات تبثه بشكل سنوي في كل عيد.
في السجن المركزي
قصة تصوير السجن المركزي من المواقف المحفوفة بالمخاطر حيث كان التقرير هو أول عمل تلفزيوني يكلف به الأشول في قناة “سهيل” لبرنامج “أضواء سهيل”، واختار موضوع “السجناء المعسرين”.
خرج الأشول مع المصور محمد المخلافي ومساعده نبيل القليصي لتصوير السجن المركزي بصنعاء، وبدأوا بتصوير سور السجن والمنطقة المحيطة به دون الحصول على إذن رسمي أو تنسيق مسبق.
أثناء التصوير، ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليهم، واحتجزوهم في السيادية التابعة للأمن، وكان الأشول مرعوباً لأنها كانت تجربته الأولى ويخشى الفشل في أول مهمة.
النجاة بالمصادفة: أنقذهم من السجن مصادفة وجود ابن عم الأشول، الذي كان يعمل محامياً وكان متواجداً في السجن لمتابعة قضايا أخرى؛ حيث قام بضمانتهم والتواصل مع النائب العام لإطلاق سراحهم فوراً.
النجاح اللاحق: رغم تعثر البداية، حقق التقرير نجاحاً باهراً وكان الأفضل في الحلقة، وفتح الباب للأشول لاحقاً للتنسيق الرسمي مع إدارة السجن، مما ساهم في الإفراج عن قرابة 15 سجيناً معسراً من خلال التبرعات التي جمعها البرنامج.
التقارير التلفزيونية
تنوعت أعمال محمد الأشول الإعلامية بين التقارير التلفزيونية الإنسانية، البرامج الإذاعية الخدمية، والحملات الإعلانية المبتكرة.
عند انتقاله لقناة “سهيل”، أعجب به، توفيق الشرعبي (رحمه الله) ونبيل البعداني، على قوة أسلوبه في كتابة التقارير، واعتبروا تقاريره من الأفضل في برنامج “أضواء سهيل”.
عمل مع القناة لسنوات وأعد عشرات التقارير لبرنامج “أضواء سهيل” وجاب عدداً من المحافظات وأعد تقارير ميدانية نوعية، أبرزها عن اللغة المهرية، ولا يزال يحفظ “القفلة” للتقرير التي اداها باللغة المهرية.
كما أعد تقارير عن الفل والكاذي والبخور في لحج، كما زار محافظة مأرب عام 2012 لتغطية عمليات التخريب في تفجير أنابيب النفط، وقطع خطوط الكهرباء التي تصدر تلك الجريمة شخص يدعى “كلفوت”.
أهم المؤسسات التي عمل فيها
عمل محمد الأشول في مجموعة متنوعة من المؤسسات الإعلامية والخيرية والتجارية، أبرزها: صحيفة “الشموع”، و”المصدر” وفي نادي رجال الأعمال اليمني، شغل فيه منصب مسؤول الإعلام والعلاقات، كما عمل في مؤسسة “إنسان” للتنمية لمدة عام تقريباً في مجال رعاية الأيتام.
كما عمل في إذاعة “ناس FM” في صنعاء، وإذاعة “صوت الوطن” (مأرب)، وإذاعة “الاتحادية” (مأرب) عمل فيها مديراً للبرامج، وإذاعة “الجوف”، شغل فيها منصب المدير العام، وحالياً أسس مشروعه الخاص، إذاعة “الأولى FM” التي انطلقت رسمياً مطلع عام 2024.
خلال عامي 2017، و2018، بعد وصوله مأرب عمل سكرتيراً إعلامياً لقائد المنطقة العسكرية السابعة حينها، وشارك في جبهات نهم وحمك، وصف تلك التجربة “بأنها قصة لا تُنسى من حياته، حيث عاش حياة الشدة والقتال والرعب، وكان يصور مشاهد المعارك، بينما يسمع أزيز الرصاص يمر من جواره”.
رؤيته للإعلام
يؤمن محمد الأشول بأن “الإعلام فكرة”، وأن جوهر العمل الإعلامي الناجح يكمن في الابتكار والقدرة على الإقناع، كما يرى أن الإعلام يجب أن يكون “خدمة قبل أي شيء”.
ويتبنى فلسفة تحويل “المطبات” (الصعوبات) إلى “منح ونجاحات” يرتقي من خلالها الإعلامي الى مرحلة أفضل.
يربط الأشول بين العمل الصحفي والجانب النضالي، حيث يرى الإعلام وسيلة لمناهضة المشاريع الميليشاوية ودعم “المشروع الجمهوري” واستعادة الدولة اليمنية التي يعيش كل اليمنيون في ظلها دون فوارق وامتيازات.
سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :
الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني
الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة
الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية
الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية
الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار
الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح
الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)
الحلقة الثامنة: مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)



