عبدالواسع راجح.. ابن قرية الإمام الذي صنعت منه المعاهد صوتاً للجمهورية (1-2)

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: تُجسد مسيرة عبد الواسع راجح حكاية صحفي وحقوقي يمني آمن بأن الصحافة رسالة إنسانية وأمانة وطنية وليست مجرد وظيفة لكسب المال.
تبرز قصته كنموذج للصمود المهني، حيث ظل متمسكاً بقلمه وصوته كجبهة إعلامية تهدف لحماية الدولة وتوعية المجتمع.
عبد الواسع محمد راجح، من مواليد 1975، بقرية “مذروح” عزلة بني مجيع” مديرية المحابشة، محافظة حجة، تلقى تعليمه في المعاهد العلمية، والتي يرى أنها ساهمت في تحرير فكره من التبعية والأفكار الطائفية، وغرست فيه قيم الحرية والثورة.
نشأ في بيئة ريفية، وتأثرت طفولته بالتحولات الفكرية والاجتماعية في منطقته، وعُرفت قريته “مذروح” تاريخياً معقلاً لمؤيدي النظام الامامي، حيث استقر فيها الإمام “البدر” أثناء فراره من صنعاء بعد ثورة 26 سبتمبر 1962.
دور المعاهد العلمية
يذكر عبدالواسع أن المعاهد العلمية كان لها دوراً كبيراً في مواجهة الفكر الإمامي وانتشال الجيل الجديد، عبر التنشئة الإيمانية والوطنية وغرسها في نفوس الطلاب، ونقلتهم من “دين التبعية” إلى الفكر الحقيقي للثورة والدين الإسلامي المعتدل، وتحرير الجيل من “البوتقة” الإمامية والأفكار الطائفية التي كانت تجعل من بعض المناطق “مزرعة مفتوحة” للفكر الإمامي، بفكر الحرية.
أثناء دراسته برز كمنشد متميز وقائد لفرقة الإنشاد في المعهد منذ الصف الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، كما شارك في جماعة المسرح المدرسي، وقدم مسرحية مؤثرة عن فلسطين أبكت الحاضرين من الوجهاء والمشايخ، مما أدى لطلب عرضها في المعاهد في القرى المجاورة.
المخيمات الصيفية
يذكر عبدالواسع أنه بدأ بالمشاركة في المخيمات الصيفية منذ الصف التاسع، حيث صقلت هذه المخيمات نضوجه الفكري واللغوي والسياسي، وتميز فيها بالإنشاد وإمامة المصلين.
تلقى في المخيمات، علوم الفقه، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، وفقه العبادات شارك في الأنشطة الرياضية، وساعدته على حفظ أجزاء من القرآن الكريم، وفتحت له فرصة للاستماع لمحاضرات من كبار العلماء أمثال الشيخ عبدالمجيد الزنداني وآخرين، كما ساهمت في صقل مهاراته اللغوية وقدرته على التعبير.
الحلم العسكري والحالة الصحية
تخرج عبدالواسع من الثانوية العامة عام 1993، وقضى سنة الخدمة الوطنية في التدريس، بمنطقة نائية في مديرية كحلان الشرف، عمل هناك في معهد ناشئ كان مقره داخل منزل الشيخ عبد الله ناصر المصوبع، وكان المدرسون يسكنون في “ديوان” تابع للشيخ.
يذكر عبدالواسع أنه كان يحلم منذ صغره بأن يصبح ضابط شرطة متأثراً بجاره، ولكن إصابته بـ “الصرع” (الكهرباء الزائدة) في الصف الأول الثانوي بدلت مسار حياته لاحقاً، وبنصيحة من جاره الآخر قرر التوجه لـ قسم الإعلام بجامعة صنعاء (الذي كان يتبع كلية الآداب حينها) والتحق به في عام 1994.
وساطة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر
يذكر عبدالواسع أن الالتحاق بقسم الاعلام حينها، كان صعبا جداً، مما اضطره للاستعانة بـ وساطات رفيعة المستوى؛ حيث حصل على مذكرات توصية من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى رئيس الجامعة الدكتور عبد العزيز المقالح، والذي بدوره وجه بقبوله في الكلية.
يُعد عبد الواسع أول شخص يدرس تخصص الإعلام على مستوى مديرية المحابشة، وكان يتصور حينها أن الإعلام ينحصر في وظيفة “المذيع” فقط لقلة الوسائل المتاحة آنذاك.
صحيفة “الاتحاد”
في الكلية شارك عبد الواسع مع عدد من زملائه في قسم الإعلام بكلية الآداب في إصدار صحيفة “الاتحاد”، التي تولى رئاسة تحريرها علي الجرادي الذي يرأس حالياً الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح حاليا.
وأول مقال نشره فيها عبد الواسع بعنوان “البيضة الفاسدة” في الصفحة الأخيرة، كان لرؤية اسمه في الصحيفة لأول مرة وقع كبيراً جداً عليه، وشكلت الحافز الأساسي لاستمراره في الكتابة الصحفية.
العائق الأكبر في التوظيف
تخصص عبدالواسع بدارسته، إذاعة وتلفزيون وكان يتطلع للعمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون وتقدم مع عدد من زملائه لمقابلة لجنة برئاسة “أمة العليم السوسوه”، لكنه لم يُقبل بسبب غياب “الوساطة”.
كانت فرص التوظيف محصورة في قناة وإذاعة رسمية واحدة، مما جعل التوظيف فيها يعتمد على العلاقات أكثر من التخصص، مما اضطره للبحث عن عمل في المدارس الأهلية ثم الالتحاق بالوظيفة العامة في سلك التربية والتعليم عام 2002، كمدخل بديل للرقم الوظيفي.
الالتحاق بسلك التربية
في الوظيفة التربوية انخرط عبدالواسع، في الإعلام التربوي بالمحافظة وأصدر صحيفة تربوية متخصصة تولى فيها كافة فنون العمل الصحفي من تحرير وإخراج، مما شكل بداية نضوجه المهني قبل احتراف الصحافة الميدانية.
العمل في وكالة سبأ
انتقل عبد الواسع راجح للعمل في وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بمحافظة حجة في عام 2008م، وذلك بموجب قرار من محافظ المحافظة آنذاك “المهندس فريد مجور”.
نُقل للعمل في مكتب الوكالة إدارياً فقط، بينما ظلت مستحقاته المالية ودرجته الوظيفية مرتبطة بـ كادر التربية والتعليم.
يصف عبد الواسع العمل في الوكالة بأنها “مدرسة” تعلم فيها فنون العمل الصحفي أكثر مما تعلمه في الجامعة، وقد صقل مهاراته في صياغة الخبر الرسمي تحت إشراف مدير مكتب الوكالة في حجة “علي سنحان”.
مقابلته مع محافظ حجة
يعتبر الحوار الصحفي الذي أجراه مع محافظ حجة آنذاك، فريد مجور، ونُشرت في صحيفة الجمهورية عام 2007، من أهم اعماله الصحفية، حيث أجرى الحوار في شهر رمضان تزامناً مع أعياد الثورة (26سبتمبر)، والمحافظ يحترم كتابات عبدالواسع ويصفه بأنه (متزن حتى وهو يكتب في صحف المعارضة).
قام عبد الواسع بتفريغ المقابلة وإرسالها عبر الإيميل لصحيفة الجمهورية، التي نشرتها بعد ثلاثة أيام فقط مع صور للمشاريع التنموية، مما أثار دهشة المحافظ من سرعة النشر.
من المواقف الطريفة بعد النشر، قدم عبد الواسع نسخة من المقابلة لمدير الإذاعة (إذاعة حجة) ليتم قراءتها عبر الأثير، كحل بديل بعد أن عجزت الإذاعة عن الوصول للمحافظ وإجراء مقابلة خاصة بها.
متابعة القضايا الحقوقية
يستخدم عبدالواسع منهجية في معالجة القضايا الحقوقية منها سياسة “الضغط النزيه” حيث يبدأ بـ التواصل المباشر مع المسؤول المعني بالمظلمة لحل المشكلة ودياً قبل النشر، وفي حال عدم استجابة المسؤول، يلجأ إلى النشر وتحويل القضية إلى قضية رأي عام وممارسة ضغط إعلامي حتى يُنصف المظلوم.
كما يتبع أسلوب تشجيع الانصاف حيث ينشر أخبار إيجابية عن المسؤولين الذين يستجيبون وينصفون المظلومين، وذلك لتشجيعهم على الاستمرار في هذا النهج.
كما ركز أسلوبه على فضح قضايا معقدة مثل الرق والعبودية، زواج القاصرات، وقضايا الفساد الأمني التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
انتصاره لفتاة
تبنى عبد الواسع قضية عام 2012، في مديرية قفل شمر، حجة، هي قضية فتاة تعرضت للاغتصاب، وعندما اشتكى الأب عند إدارة أمن المديرية، قام مدير الأمن (..) بإيداعه السجن، بدلاً من التحقيق مع المتهم، وبدأ بالتستر على الجريمة.
لم تتوقف الحكاية هنا، بل طالب المدير الفاسد، الأب المكلوم والد الفتاة بدفع مبالغ مالية، مقابل إطلاق سراحه، محاولاً إغلاق القضية.
وقف عبد الواسع إلى جانب الأب المظلوم، واستخدم سلاحه الصحفي لملاحقة المدير الفاسد عبر النشر المتواصل في صحيفتي “الصحوة” و”أخبار اليوم”، وبفضل متابعته الدقيقة للقضية، تمكن من تحويلها إلى قضية رأي عام، مما أدى إلى توقيف مدير الأمن في مركز المحافظة لمدة خمسة أيام، ثم صدور قرار بإقالته من منصبه وتغييره.
يعتبر عبد الواسع هذا الموقف من أبرز المحطات الإيجابية في مسيرته؛ لأنه استطاع من خلال عمله الصحفي نصرة مظلوم وقلع فاسد، وكان له أثراً نفسياً كبير لديه، مما شجعه على مواصلة تناول قضايا حقوقية وانصاف الضحايا وحمايتهم.
تواطؤ الأمن بإدخال مسلحين
عام 2013، نشر عبدالواسع خبراً في صحيفة “أخبار اليوم” كشف فيه عن قيام “عمليات الأمن” بتسهيل دخول مجاميع مسلحة الى المحافظة، لمواجهة مدير الأمن الجديد آنذاك (عبدالملك المداني)، مما أثار غضب قائد العمليات، ومنعه من دخول المحافظة، وتعرضه للسب.
لم يتقبل عبد الواسع الإهانة، وتوجه فوراً إلى وكيل المحافظة حينها، جمال العاقل، الذي اتخذ إجراءً حازماً بـ توقيف قائد العمليات عن عمله.
كما طلبت الوساطة من عبد الواسع عدم تصعيد القضية لنقابة الصحفيين أو النشر عنها مقابل اعتذار رسمي، من قائد العمليات، وهو ما تم.
قصة غضب المحافظ علي القيسي
وفي موقف آخر يذكر عبدالواسع أنه حصل خلاف بين المحافظ وقيادة اللواء (الجيش) في حجة، وخرجت مظاهرة عسكرية ضد المحافظ، وغطى عبد الواسع الحادثة لصحيفة “أخبار اليوم” ونُشر الخبر في الصفحة الأولى، لكنه تعمد عدم كتابة اسمه لتجنب المشاكل الأمنية في ذلك الوقت.
جن جنون المحافظ وبحث عن كاتب الخبر، فأخبره “وشاة” من الوسط الصحفي بأن عبد الواسع هو المراسل، وبعد ثلاثة أيام، ذهب لمنزل المحافظ بتكليف رسمي من وكالة “سبأ” لتغطية اجتماع مع لجنة وزارية، وبمجرد رؤيته، صرخ المحافظ في وجهه واتهمه بالكذب وطرده من منزله فوراً أمام الحاضرين.
يعتبر عبد الواسع أن هذا الموقف من المواقف الصعبة، ورغم إحراجه، أثبت أن رسالته الصحفية قد وصلت وأحدثت أثراً.
انتهى الموقف بتدخل الوكيل آنذاك الدكتور إبراهيم الشامي، الذي قدم اعتذاراً لعبد الواسع نيابة عن المحافظة لتلطيف الأجواء.
•للقصة بقية
سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :
الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني
الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة
الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية
الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية
الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار
الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح
الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)
الحلقة الثامنة: مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)
الحلقة التاسعة: محمد الأشول.. حكاية نجاح ولدت من رحم التحديات وبدأت بفكرة إعلان لـ”كاك بنك”
الحلقة العاشرة: عبدالحميد الشرعبي.. شاهِدُ الحروب وراويها الرسمي من وادي النشور إلى مأرب
الحلقة الثانية عشرة: صادق هيسان.. حكاية مخرج إذاعي بدأت من نافذة المطبخ
الحلقة الثالثة عشرة: فؤاد مسعد: مهنية الصحفي وعين الإنسانية وروح الشاعر
الحلقة الرابعة عشرة: الصحفية وئام الصوفي.. مسيرة وفاء للوطن لم تُثنِه المساومة على طفلها الوحيد



