الأخبار

جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية

أعد الحلقة لـ “يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: ضمن سلسلة أصحاب الجلالة يسرد جبر صبر رحلته من ريف إب إلى دراسة الإعلام بمصر، لكن ظروفه المادية جعلته يفكر بالالتحاق بكلية عسكرية، على الرغْم من شغفه المبكر بالصحافة، لكن المصادفة والمنحة الدراسية غيرتا مساره، بإصراره وبدعم من “ابن عمه” تمكن من تجاوز العقبات، وحصل على منحة لدراسة الإعلام في مصر وكان مثالاً للمثابر الناجح.

وُلد جبر ناصر صبر، عام 1982، بقرية “السرفي” عزلة “عجيب، مديرية الرضمة محافظة إب، درس المرحلة الابتدائية في مدرسة حكومية بمديرية الرضمة ثم انتقل للدراسة في المعاهد العلمية للمرحلتين الإعدادية والثانوية حتى إغلاقها عام 2001 تقريباً.

نشأ جبر في أسرة كبيرة مكونة من 9 إخوة، واجهت الأسرة تحديات مادية صعبة خاصة بعد وفاة والده وهو في الصف الثاني الإعدادي (الثامن) وبسبب هذه الظروف، لم يكن يخطط لدراسة الإعلام، بل كان طموحه ينحصر في الالتحاق بالسلك العسكري لتأمين مصدر دخل، وبالفعل حاول الالتحاق بمدرسة تدريب أفراد الشرطة، لكنه لم يوفق بسبب الزحام الشديد والوساطات.

ظهر شغفه بالإعلام منذ دراسته؛ فقد كان يحرص على متابعة نشرات الأخبار وقراءة الصحف، وبرزت موهبته في الإذاعة المدرسية، حيث كان يقدمها بأسلوب مبتكر يحاكي “النشرات الإخبارية التلفزيونية” بدلاً من القالب التقليدي.

قصة طريفة

يذكر جبر موقفاً مؤثراً عندما حاول التسجيل بمعهد صنعاء العلمي في الأول ثانوي؛ حيث اضطر للعودة إلى إب لختم شهادته، وأثناء عودته في صندوق سيارة “هيلوكس”، طار ملف شهاداته في منطقة جهران، وعلى الرغم من تمزق الملف، إلا أن الشهادات بقيت سليمة بأعجوبة.

يقول إن تأخره بسبب هذه الحادثة أدى إلى ضياع فرصة التسجيل في معهد صنعاء، وهو ما اعتبره لاحقاً “خير” من الله، لأن بقاءه في ريف إب أتاح له لاحقاً التقديم على منحة لمصر كمرشح وحيد عن محافظة إب.

بعد الثانوية، انتقل إلى صنعاء وعمل في مهن يدوية شاقة خلال إجازته، حاول الالتحاق بمدرسة “الشرطة العسكرية” لكنه لم يوفق في شروط القبول، وكان التنافس فيها شديداً جداً (3000 متقدم والمطلوب 300 فرد فقط).

بتشجيع من ابن عمه “توفيق صبر” (الذي كان يدرس الإعلام في جامعة الأزهر بمصر)، قدم جبر أوراقه لمنحة دراسية مخصصة لطلاب المعاهد العلمية ورغم شعوره بالإحباط في البداية وصعوبة المنافسة، فإنه نجح في الحصول على المنحة كونه الطالب الوحيد من محافظة إب من بين عشرة طلاب فقط على مستوى المحافظات.

تظهر هذه المحطات كيف تحول مسار جبر صبر من البحث عن وظيفة عسكرية لتأمين لقمة العيش إلى السعي وراء حلمه القديم في دراسة الإعلام بفضل إصراره وتوجيهات عائلته.

مفارقة غريبة

يذكر جبر صبر أنه في حين كان الآلاف (نحو 3000 شخص) يتزاحمون في البرد منذ الفجر للالتحاق بمدرسة الشرطة، كان عدد المتقدمين لمنحة مصر لا يتجاوز عددهم الـ 20 شخصاً، وهو ما أثار استغرابه وتعجبه، وعلى الرغم أن تقدمه للمنحة كان مجرد “تجربة” أخرى يعتقد انها لن تنجح، نظراً لإخفاقاته السابقة في الالتحاق بالشرطة لكنه توفق بسهولة.

لم يصدق جبر أنه حصل على منحه ولم يتيقن أنه سيدرس الإعلام في مصر، إلا بعد إقلاع الطائرة من مطار صنعاء.

الدراسة في مصر

درس جبر، الإعلام في جامعة الأزهر، وبدأ مسيرته المهنية مبكراً، وهو لا يزال طالباً؛ حيث تدرب في صحيفة الأهرام المصرية منذ السنة الثانية بمبادرة شخصية منه، حيث تعلم فنون تحرير الخبر الصحفي تحت إشراف الصحفية “أسماء الحسيني” (المتخصصة في شؤون القرن الأفريقي).

كما بدأ يراسل صحفاً يمنية مثل “الصحوة” ومواقع إلكترونية، وحقق “سبقاً صحفياً” بتغطية حريق ضخم في مصانع زيوت تابعة لبيت هائل سعيد عام 2003، بمدينة 6 أكتوبر المصرية، وذكر أن الحريق كان ضخماً لدرجة صدور توجيهات من الرئيس الأسبق حينها، محمد حسني مبارك، بإرسال 80 سيارة إطفاء وطائرات عمودية للسيطرة عليه، وحقق بهذا الخبر سبقاً لموقع “الصحوة نت”.

تعصبه مع الرئيس صالح

يتلخص موقف جبر، أنه قرأ مقالاً لصحفي مصري يهاجم فيه الرئيس الراحل، علي عبد الله صالح، حيث وصف جبر شعوره حينها بأن “العرق تحرك فيه” غيرةً على رئيس بلاده كان ذلك تقريبا عام 2002 أو 2003.

استغل جبر فرصة زيارته لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية ليطرح القضية على رئيس الوكالة، محتجاً على هذا الهجوم، مستنداً في نقاشه إلى القانون المصري الذي كان يعاقب بالحبس أو الغرامة كل من يُسيء إلى رئيس دولة عربية أخرى.

قام رئيس الوكالة بأخذه جانباً وأوضح له بلهجة ودية أن الأفضل هو “التطنيش” وتجاوز الأمر، ملمحاً إلى أن هناك أيضاً من قد يهاجم الرئيس مبارك من اليمن، وقد يكون هذا بمنزلة الرد بطريقة غير مباشرة.

يعكس هذا الموقف تمسك جبر بكرامة بلاده ورموزها في أثناء مدّة دراسته في الخارج، وحرصه على استخدام القنوات الرسمية والقانونية للتعبير عن احتجاجه.

الحوارات والتحقيقات الصحفية

أما الحوارات الصحفية التي أجراها في مصر، كان أول حوار صحفي في مسيرته، مع القيادي في حركة حماس، محمد نزال، وحوار مع الشيخ عبد المجيد الزنداني عام 2006.

يذكر جبر أنه حقق بهذا الحوار سبقاً صحفياً، حيث عجز مراسلون كبار عن الوصول إليه آنذاك، ونُشر الحوار في مواقع عربية، منها الراية القطرية؛ كما نقلت عنها لاحقاً صحف يمنية وعربية مثل “الأيام” و”نيوز يمن”.

ومن الحوارات حوار مع الشيخ حميد الأحمر ومع الأمين العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح، عبد الوهاب الآنسي، وقام تفريغها في محل انترنت، وانطفأت الكهرباء ولم يتم الحفظ، ففقد المادة.

كما حاور زوجة الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، عندما كانت في زيارة (أو ضيافة) في صنعاء، ووصف هذا الحوار بأنه من الأعمال التي يفخر بها.

كما حاور المنشد العالمي سامي يوسف، أثناء زيارته لليمن لمصلحة مؤسسة السرطان، وكان يوسف، يرفض إجراء حوارات للصحف الورقية، ويقتصر على الفضائيات.

ولأن جبر رافقه لعدة أيام في مؤسسة السرطان والتقط له صوراً مع المسؤولين، ثم طلب منه إجراء المقابلة، فوافق وأُجري الحوار في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قبيل سفره إلى المطار.

تحقيق “شارع الموت”

أجرى جبر صبر عدد من التحقيقات الصحفية كان لها أثراً مباشراً وملموساً في تغيير الواقع وحل مشكلات المواطنين، منها:

أعد جبر تحقيقاً لصحيفة “الناس” وموقع “مأرب برس” حول شارع في صنعاء كان يشهد حوادث دهس مستمرة.

قضى أسبوعاً في مقابلة الأهالي وتصوير الطلاب والعساكر وهم يخاطرون بعبور الخط، كانت نتيجة التحقيق أن استجابت السلطات بأمانة العاصمة، وقامت بـ بناء جسور مشاة في ذلك الشارع.

قرية “السرطان”

في هذا التحقيق كشف تم التوصل إلى أن السبب الحقيقي وراء إصابة سكان قرية “ماوة” في يريم بالسرطان هو تلوث المياه.

وتتلخص تفاصيل هذه القضية في أن أهالي القرية كانوا يعتقدون أن انتشار السرطان وحالات الوفاة (بلغت نحو 30 حالة) تعود إلى وجود إشعاعات من منطقة “ظفار” الأثرية القريبة منهم.

وبعد التحقيق الذي أحدث ضجة إعلامية تحركت وزارة الصحة ووكالة الأنباء الرسمية “سبأ”، تبيّن أن المياه هي المصدر الأساسي للمشكلة، لتتدخل الجهات الرسمية وقيامها بـ حفر آبار مياه نقية لسكان القرية.

قرية المعاقين

علم جبر صبر بوجود قرية بمديرية مذيخرة إب تعرف بـ “قرية المعاقين” لكثر المعاقين من أبناء القرية.

يذكر جبر أنه كان يسافر بسيارته الخاصة ويتحمل تكاليف السفر، لتنفيذ تلك التحقيقات، حيث وثق حالة القرية التي يعاني أغلب سكانها (نحو 60 شخصاً) من إعاقات جماعية تظهر بعد سن الثالثة.

نُشر التحقيق في صفحتين كاملتين بصحيفة “الأهالي” لتسليط الضوء على معاناتهم، يقول جبر إنه لم يعرف النتيجة التي تمت لأبناء تلك القرية بعد نشر التحقيق.

خبر “سقوط السيارة” في حَدّة

بفضل حسه الصحفي، صور سقوط سيارة تاكسي في حفرة عميقة (بيارة) قبل وصول الأمن، ونشر الخبر في “مأرب برس” قبل أن يتم مصادرة كاميرات المصورين الآخرين الذين وصلوا لاحقاً، وتمكن من هذا الخبر من التنبيه الى خطورة البيارات وخطورتها على السكان.

تظهر هذه الأمثلة كيف ساهمت تحقيقاته في تحسين البنية التحتية (جسور) وتوفير مياه صحية (آبار) وتسليط الضوء على كوارث منسية.

الصحف التي عمل بها

عمل الإعلامي جبر صبر في العديد من الصحف والمواقع الإخبارية، سواء أثناء مدّة دراسته في مصر أو بعد عودته إلى اليمن، وهي: صحيفة الأهرام (المصرية)، تدرّب فيها في نهاية سنته الدراسية الثانية تحت إشراف الصحفية أسماء الحسيني، وصحيفة الثورة الرسمية، عمل فيها لفترة كمتعاقد بنظام القطعة (تزويدهم بالمواد الصحفية)، وصحيفة الصحوة وموقع الصحوة نت، وصحيفة الناس، عمل فيها لسنوات، ونشر فيها تحقيقات شهيرة مثل “شارع الموت”، وحواره الانفرادي مع المنشد سامي يوسف.

كما عمل مع موقع مأرب برس، ونشر فيه الكثير من أخباره العاجلة وتحقيقاته الميدانية، خاصة بعد عودته من مصر، وعمل مع صحيفة الأهالي نشر فيها تحقيقاً موسعاً من صفحتين حول “قرية المعاقين” في منطقة المخلاف، وفي صحيفة الوسط، عمل فيها لفترة قصيرة.

كما عمل في عدة جهات، منها “مؤسسة السرطان” التي وصف العمل فيها بـ “السجن” بسبب الدوام المقيد، ثم انطلق في الصحافة الحرة، كما عمل سكرتيراً صحفياً للبرلماني محمد عبداللاه القاضي، رحمه الله، لمدة سنتين.

وفي مأرب عمل مع صحيفة 26 سبتمبر التابعة لوزارة الدفاع، انضم إليها بعد نزوحه وعمل فيها لمدة ثلاث سنوات تقريباً.

النزوح والسكن في السيارة

كانت تجربة نزوح جبر صبر إلى مأرب محطة مليئة بالتحديات الشخصية والتحولات المهنية الجذرية، فقد ظل جبر في صنعاء لمدة سنة بعد دخول الحوثيين، لكنه لم يستطع ممارسة عمله أو حتى التعبير عن رأيه على فيسبوك، فقرر النزوح إلى مأرب في عام 2016.

عاش جبر ظروفاً قاسية في بداية وصوله مأرب، حيث قضى 6 أشهر يسكن في سيارته كـ “عزوبي”، وكان يتنقل بها للبحث عن الظلال تحت المباني الطويلة هرباً من الشمس، وواجه صعوبة بالغة في إيجاد سكن في مأرب عام 2017، حيث كانت الفنادق محدودة جداً وغالية الثمن.

رغم ظروف النزوح، استمر في العمل الصحفي بمارب، حيث عمل في صحيفة “26 سبتمبر” من عام 2016 حتى 2020.

العمل في الإذاعة والتلفزيون

بعد 15 عاماً من العمل في الصحافة الورقية، انتقل جبر في مأرب للعمل في الإذاعة (إذاعة الاتحادية) لمدة 5 سنوات كمدير للأخبار، وقدم برامج حوارية عدة في الإذاعة.

ثم انتقل للعمل في قناة (سبأ) الفضائية، كوسيلة إعلام رسمي وهي المرة الأولى التي يعمل فيها، ليجمع بذلك العمل في كافة القوالب الإعلامية (المقروء، والمسموع، والمرئي).

انتقال جبر صبر من “الإعلام الأهلي” الحر إلى “الإعلام الرسمي” (صحيفة 26 سبتمبر والقناة الرسمية)، فرض عليه الالتزام ببروتوكولات صارمة في صياغة الأخبار والمصطلحات الرسمية، وهو ما استغرق منه شهرين للتعود عليه.

العمل في قناة سبأ

وصف جبر صبر العمل في قناة سبأ الرسمية بأنه يختلف جذرياً عن الإعلام الأهلي (الحر) الذي اعتاده لسنوات، حيث يتطلب العمل الرسمي التزاماً دقيقاً بـ البروتوكولات والمصطلحات المحددة.

وواجه في بداية العمل صعوبات، من بينها الالتزام بالترتيب البروتوكولي، حيث إن تقديم أو تأخير أخبار “مجلس القيادة الرئاسي” في الإعلام الرسمي قد يعرض الإعلامي للمحاسبة، وهو ما لا يحدث في الإعلام الحر.

وأيضا ترتيب أخبار المسؤولين حسب مناصبهم (المحافظ ثم الوكيل وهكذا)، حين كان في الإعلام الأهلي يمتلك مرونة في ترتيب الأخبار.

ذكر أنه استغرق نحو شهرين حتى استطاع “الخروج من عباءة الإعلام الأهلي” والاندماج تماماً في نمط الصياغة والعمل الرسمي.

فلسفته المهنية ونصائحه

يرى جبر أن الإعلامي الحقيقي يجب أن يمتلك الفضول والحس الصحفي، وأن يلفت انتباهه أي حدث ويعمل على معرفة تفاصيله بما يخدم القضية دون الإساءة.

ينتقد جبر ما سماها “الطفرة الإعلامية” الحالية التي تكتفي بالنشر على فيسبوك دون إتقان فنون التحرير، وينصح الجيل الجديد بضرورة التدريب على صياغة الخبر الصحفي وتثقيف أنفسهم ليكون لديهم ثراء معرفي عند محاورة الضيوف.

سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” 👇:

الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني

الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة

الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading