أهم الاخبارالأخبارتقارير

عبدالحميد الشرعبي.. شاهِدُ الحروب وراويها الرسمي من وادي النشور إلى مأرب

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: في قصة اليوم من #أصحاب_الجلالة، نقترب من كواليس العمل الصحفي في زمن الأزمات، وتجربة صحفي عايش الوساطات السياسية، ونجا في ميادين الخطر، وظل متمسكاً بفكرة الدولة والجمهورية في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.

عبد الحميد الشرعبي مدير عام فرع وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” بمحافظة مأرب، صحفي مخضرم، صقلته الأحداث السياسية والعسكرية من صنعاء إلى صعدة ومأرب، صانعة منه صحفياً صلباً لا ينكسر أمام التحديات.

وُلد عبد الحميد سعيد الشرعبي، عام 1975، بقرية شرق حمير، مديرية شرعب الرونة، محافظة تعز، ونشأ في بيئة ريفية، كان يعمل أثناء دراسته، مع والده في الزراعة وورشة لحام.

تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في “مجمع الفوز التربوي” بمركز المديرية، ورغم أن والداه كانا أميين، إلا أن والده كان يمتلك وعياً سياسياً لافتاً؛ فكان يحرص على متابعة الأخبار والأحداث عبر إذاعة “بي بي سي” وراديو “مونت كارلو” ونشرة الأخبار في التلفزيون الرسمي اليمن.

موقف والده من الوظيفة مع الدولة

رفض والده التحاقه بسلك التدريس كمستقبل مهني، وتحديداً عندما حاول عبد الحميد الالتحاق بنظام المعلمين (خمس سنوات) بعد الصف السادس الابتدائي، رغم توسيط عبدالحميد والدته، خوفا عليه أن تؤدي الوظيفة الحكومية إلى “رمي” ابنه في قرى بعيدة ومنعزلة.

يرى والده أن الدراسة يجب أن تقود ابنه ليصبح “حراً” في خياراته، بدلاً من أن يكون موظفاً مقيداً لدى الدولة يُنقل حيثما أرادت، فقد كان متأثرا بوضع المدرسين المصريين واغترابهم عن بلادهم واسرهم.

المعهد المهني

بعد الإعدادية حاول عبدالحميد الالتحاق بمعهد مهني في تعز، لكنه واجه صدمة تمثلت في أن الدخول يحتاج إلى “وساطة”.

شعر حينها بالعجز لكونه ابن قرية لا يمتلك معرفة بالمدينة أو وساطات، فانكفأ على نفسه وعاد إلى قريته ليكمل مرحلة الثانوية.

أدى عبدالحميد اختبارات الصف الثالث الثانوي بمدينة تعز، تزامنا مع اندلاع حرب 1994، بين شريكي الوحدة، حيث تم تجميع طلاب المديريات إلى مركز المحافظة لأداء الامتحانات الوزارية، يقول عبدالحميد “أثناء أداء الاختبارات كان الطيران يقصف المدينة”.

حصل على تقدير جيد جدا في الشهادة الثانوية، وأدى بعدها خدمة التدريس لمدة عام في عزلة “الأجشوب” بنفس المديرية شرعب.

منذ وقت مبكر كان عبدالحميد شغوف بالإعلام من خلال نشاطه في الإذاعة المدرسية وتصميم المجلات الحائطية والمساهمات الشعرية، كما عزز هذا الشغف بمراسلة المجلات في زاوية “بريد القراء”، وقراءة مجلات شهيرة مثل “أسامة” و”العربي” عند زيارته للمدينة.

أبدى اهتماماً خاصاً بمادة التاريخ، والبحث في أحداث الحروب العالمية الأولى والثانية والخرائط، وهو ما ساعد في تنمية وعيه السياسي المبكر.

دراسة الجامعة والبدايات الصحفية

كان لدى الشرعبي رغبة في الخروج عن المسار التقليدي لزملائه في القرية، الذين كان أغلبهم يتجهون لمعاهد المعلمين (نظام السنتين)، ليضمنوا مواصلة تعليمهم نتيجة الظروف المادية، لكنه صمّم على شق طريقه في مجالات متميزة مثل الإعلام والعلوم السياسية، متأثراً بنشاطه في الإذاعة المدرسية والمجلات التي كان يقرأها عند زيارته للمدينة.

مع بداية العام الدراسي 1996، التحق عبدالحميد بقسم الصحافة، كلية الآداب جامعة صنعاء، خاض اختبارات قبول صعبة شملت اللغة العربية، الإنجليزية، والمقابلة الشخصية، ونجح في الالتحاق ضمن الدفعة الخامسة، ومن المفارقات أن القسم تحول بعد عام، رسمياً إلى “كلية الإعلام” وهو لا يزال طالباً في المستوى الثاني.

أول تحقيق صحفي

نفذ الشرعبي، أول تحقيق صحفي وهو طالب في الكلية، عن “مكتبة الرصيف”، عن الكتب التي تباع في الأرصفة، وكان تحقيقاً مميزاً، حيث تناول ظاهرة بيع الكتب على الأرصفة.

ركز التحقيق على التساؤل حول سبب رخص أثمان هذه الكتب مقارنة بالمكتبات الرسمية، ومدى تأثير ذلك على الثقافة.

وقد استشهد فيه برأي الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي قارن الظاهرة بما يحدث في الصين ودول أخرى، واقترح رفع الكتب عن الأرض ووضعها على منصات خشبية صيانةً لها. نُشر هذا التحقيق في صحيفة “الرأي العام”.

أما تحقيقه الثاني فقد تناول قضية “التشخيص الطبي” ونُشر تحت عنوان “الأطباء يخطئون التشخيص والمرضى يدفعون الثمن”.

تناول فيه قضية الأخطاء الطبية الشائعة آنذاك، مثل نسيان أدوات جراحية (مقص أو شاش) داخل أجسام المرضى، كما بحث أسباب تضارب التشخيصات الطبية لنفس الحالة بين طبيب وآخر.

يقول عبدالحميد إن هذه التحقيقات المبكرة ساهمت في لفت الأنظار إلى موهبته، حيث تميز بقدرته على اختيار مواضيع تلامس قضايا المجتمع ونشرها في صحف مستقلة وحزبية مثل “الرأي العام” حينها.

أثناء دراسته في الاعلام عمل عبدالحميد في صحف أهلية وحزبية منها: الرأي العام” و”7 يوليو” و”الحرية”، مما أكسبه خبرة ميدانية في “صناعة الخبر” والبحث عن مصادر المعلومة في بيئات صعبة.

في كلية الاعلام اختار عبدالحميد، قسم العلاقات العامة والإعلان؛ لأنه اعتبره تخصصاً “أشمل وأوسع”، ورأى أن الصحافة ممارسة عملية كان قد بدأ ممارستها فعلاً، ويريد أن يضيف تخصصاً آخر إلى جانب الصحافة.

خلال مشواره الصحفي عمل الشرعبي في صحف عدة سواء في كتابة اخبار أو تقارير أبرزها، صحيفة الرأي العام، و7 يوليو، والبلاغ، والصحوة، أو الصحوة نت، وصحيفة الحرية تولى مسؤوليتها لمدة ستة أشهر بين عامي 2000 و2001، وصحيفة الإبحار التي شارك في تأسيسها عام 2001، وشغل منصب مدير تحريرها، كما عمل في صحيفتي الثورة والجمهورية الرسميتين، كان ينشر فيهما تحقيقات صحفية أثناء عمله في وكالة الأنباء اليمنية “سبأ”.

العمل في وكالة “سبأ”

عام 2001، انضم الشرعبي رسمياً إلى وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” بعد إثبات جدارته المهنية أمام، رئيس مجلس الإدارة للوكالة، نصر طه مصطفى.

يقول الشرعبي إنه “تميز أثناء عمله بالوكالة بقدرته على “صناعة الخبر” والبحث عن المصادر”، وهي مهارة اكتسبها من عمله السابق في الصحافة الأهلية التي لا توفر أخباراً جاهزة كالإعلام الرسمي.

قضى الشرعبي في أروقة الوكالة حوالي 5 سنوات (من 2002 حتى 2007)، وتدرج في المهام حيث بدأ بوظيفة تعاقدية، وفي يوليو 2004، استلم أول راتب كموظف رسمي، وفي مارس 2007، عُين نائباً لمدير المندوبين ومديراً للتحرير في الإدارة العامة للأخبار، وهي الفترة التي كان يعمل فيها كمندوب للوكالة لدى عدة وزارات، وأبرزها وزارة الإدارة المحلية والتي كانت مدخلاً لعلاقته الوطيدة مع الوزير الراحل، عبدالقادر هلال رحمه الله.

سكرتيراً صحفياً لعبد القادر هلال

وخلال عمله كمندوب للوكالة في وزارة الإدارة المحلية، اختاره هلال ليكون سكرتيراً صحفياً له، ورافقه في اجتماعاته وتحركاته، منها مرافقته إلى صعدة عندما كان هلال رئيس لجنة الوساطة بين الدولة والحوثيين لإنهاء الحرب عام 2008.

يقول عبدالحميد الشرعبي إنه تعلم من عبدالقادر هلال الكثير، أبرزها التفكير الاستراتيجي والانضباط الإداري؛ حيث كان هلال يحرص على أن يلم كل موظف بمهامه واختصاصاته بدقة، وكذلك تعلم منه أهمية اللوائح والأنظمة.

يروي الشرعبي موقفاً مؤثراً عندما سأل الوزير هلال قيادات الوزارة عن مهامهم ولم يجد لديهم إجابات جاهزة، فقام بتوزيع “كتيبات اللائحة” عليهم واصفاً إياها بأنها “مثل الدستور” الذي يجب أن يكون في جيوبهم دائماً، وهو درس طبقه الشرعبي لاحقاً في كل مؤسسة دخلها.

كمين وادي النشور في صعدة

رافق عبدالحميد الوزير هلال عندما كان رئيساً للجنة الوساطة المكلفة بوقف الحرب وإعادة الإعمار، ونجيا أكثر من مرة من موت محقق، حيث تعرضوا لكمائن وإطلاق رصاص يقول الشرعبي “إنه شاهد فيها الموت”.

لم يقتصر دور الشرعبي في وزارة الإدارة المحلية على السكرتير الصحفي، فقد عيـّنه الوزير هلال مختصاً إعلامياً في لجنة التقسيم الإداري، ورشحه لعضوية صندوق إعادة إعمار صعدة نظراً لتميزه المهني.

خلال مهمته كوسيط في صعدة، تعرض موكب الوزير هلال لكمين وإطلاق رصاص كثيف في منطقة خطيرة لم يكن فيه أي “مترس” (غطاء) للاحتماء أو قدرة على التراجع.

الموكب مكون من ثلاث سيارات مدرعة، بقي الموكب محاصراً حتى تمكنت وساطة من وقف اطلاق النار، حيث تحجج المسلحون الحوثيون بتضررهم من عملية السلام.

يقول الشرعبي: “أعاق الكمين وصول الموكب إلى وجهته باتجاه منطقة “كتاف”، واضطروا للعودة من وادي النشور”.

قصة بنت الصحن

في صعدة كان هلال يلتقي بأطراف مختلفة من بينهم قيادات حوثية مثل أبو علي الحاكم، لغرض الوساطة وإيقاف الحرب، وأثناء تواجدهم في صعدة، أقيمت وجبة غداء قدمت فيها “بنت صحن” للضيوف، وكان الغداء يضم أعضاء من اللجنة وقيادات من الطرف الآخر (الحوثيون).

يذكر الشرعبي أن الموقف كان عادياً في سياق الوساطة، لكن تم “فبركته استخباراتياً” وتصويره بأبعاد سياسية أخرى للإساءة للوزير هلال.

أدت هذه الضغوطات والفبركات الإعلامية والاستخباراتية إلى تقديم الوزير عبدالقادر هلال استقالته من وزارة الإدارة المحلية في تلك الفترة، ما بين نهاية عام 2008 وبداية عام 2009.

اعتبر الشرعبي أن ما حدث كان محاولة لتقويض جهود هلال في تطبيع الأوضاع، حيث استغلت أطراف معينة تلك الوجبة لتمرير أجندات سياسية ضده.

يصف الشرعبي تجربته مع الوزير هلال بأنها مدرسة تعلم فيها كيف تدار الدولة من خلال اللوائح، وكيف يمكن للصحفي أن يكون جزءاً من صناعة القرار السياسي والإداري بمهنية عالية.

مأرب.. الاستقرار والتحول

في 27 يناير/كانون الثاني 2009، صَدَرَ قراراً بتعيينه مديراً لمكتب وكالة “سبأ” في محافظة مأرب.
اختار الشرعبي مأرب رغم صعوبتها على خيارات أخرى مثل ريمة أو البيضاء، وباشر مهامه ميدانياً مطلع شهر فبراير من نفس العام، وفي 2010 استقر مع عائلته بالمدينة.

نجح في تطوير أداء المكتب وزيادة تدفق الأخبار النوعية من المحافظة، وعمل مع المحافظين علي بن علي الزايدي ثم الشيخ سلطان العرادة.

طريقة إرسال الفيديو

كانت عملية إرسال الصور والفيديوهات (الأشرطة) من مأرب، وغيرها من المحافظات، إلى الوكالة والتلفزيون في صنعاء تتم بطرق تقليدية، عبر سيارات الأجرة (البيجو) من “الفرزة”، مقابل مبلغ مالي للسائق، حيث يسلم الشريط للعسكري أمام بوابة مبنى التلفزيون في صنعاء، وقد يصل الشريط اليوم الثاني، بحسب تحرك سائق “البيجو”.

مواقف صعبة في مأرب

من أصعب المواقف التي عاشها الشرعبي، هي مرافقته لمحافظ المحافظة علي الزايدي، في مشكلة مقتل شخص يقوم بالتقطع والنهب في الطريق الواصل بين مفرق الجوف والجدعان، على يد الشرطة العسكرية، واستنفار قبائل الجوف، حيث عاش الشرعبي ليلة عصيبة مع المحافظ الزايدي الذي كلفه الرئيس الأسبق صالح للنزول وحل القضية.

وموقف آخر عند مقتل، نائب محافظ مأرب الأمين العام للمجلس المحلي، جابر الشبواني في مايو 2010، بغارة للطيران الأمريكي، “الدرونز”.

تسببت الجريمة بحالة استنفار وغضب واسع، حيث شنت القبائل هجوماً على مدينة مأرب، وصف الشرعبي تلك الليلة بأنها كانت مخيفة، حيث كان “الرصاص ينصب من كل مكان” في المدينة كفعل وردة فعل على عملية الاغتيال”.

الرؤية المهنية والوطنية

يؤمن الشرعبي بأن الصحفي يجب أن يحمل قضية وطنية تعزز وجود الدولة والقانون، خاصة في ظل الفوضى التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، ويرى أن الصراع مع الحوثي هو “صراع وجودي وفكري” يتطلب جهداً إعلامياً وتوعوياً يفوق مجرد المواجهة العسكرية.

يرى الشرعبي أن مهنة الإعلام اليوم تعرضت لنوع من الفوضى التي أفقدت الصحفي المستقل قيمته لصالح “البروباغندا” والتحشيد، التي تدار في مواقع التواصل الاجتماعي.

ويرى أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت الناس سطحيين في تناول القضايا، إضافة الى المخاطر المجتمعية والقانونية نتيجة الحملات الكاذبة التي قد تؤثر على القرار السياسي والقضاء.

كما أثرت وسائل التواصل في غياب التخصص، حيث تراجعت قدرة الكوادر على التحرير الصحفي الرصين مقابل الاندفاع نحو “اللايكات” والمنشورات السريعة التي غالباً ما تفتقر للمهنية وللقواعد الإملائية.

وأكد على ضرورة أن يكون الصحفي حذراً جداً في التعامل مع المعلومات على مواقع التواصل وألا يتحول إلى “جسر” أو منصة يستخدمها أصحاب النفوذ أو المال لتحقيق مكاسبهم الخاصة، وأن يمتلك الصحفي قضية وطنية تحمي البوصلة المهنية لديه، مع إدراك أن “ليس كل ما يُعرف يقال”، بل يجب تقديم ما يخدم التعايش والأمن.

يقول عبدالحميد، في مراجعة لخياراته، إنه بناءً على التطورات الحالية، ذكر أنه لو عاد به الزمن لربما فكر في الالتحاق بـ المعاهد المهنية لدراسة تخصصات تقنية تواكب “مهن المستقبل”.

سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :

الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني

الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة

الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية

الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية

الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار

الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح

الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)

الحلقة الثامنة: مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)

الحلقة التاسعة: محمد الأشول.. حكاية نجاح ولدت من رحم التحديات وبدأت بفكرة إعلان لـ”كاك بنك”

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading