قصص صحفيةأهم الاخبارالأخبار

بشار الزريقي.. رحلة شاب يمني من قرية معزولة إلى قمة التفوق بجامعة أتاتورك

أعد القصة لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: قرية “الحرف” قرية نائية جداً، تقع في الأطراف الغربية لمحافظة لحج، جنوب اليمن، حيث تنعدم الكهرباء، وتغيب الطرق الممهدة، وتحاصرها الجبال الشاهقة من كل جانب، ولا تسمع سوى صدى الرياح، ولا يملك أبناؤها من وسائل الرفاهية شيئاً.

في هذا المكان القاسي، قد يظن البعض أن “الظروف” هي القدر المحتوم الذي يئد الأحلام، لكن الطالب بشار الزريقي أثبت أن الظروف ليست سجنًا، بل هي الميدان الأول لاختبار معدن الرجال.

من هذه البداية، انطلقت رحلة بشار لتثبت أن “المستحيل” مجرد كلمة في قاموس العاجزين، فكيف تحول هذا الشاب من راعٍ للغنم إلى قائد طلابي في كبرى جامعات تركيا.

في الصف الخامس الابتدائي، واجه بشار “الفاجعة الكبرى”؛ سقوط والدته من قمة الجبل أثناء رعيها للغنم وإصابتها بتهشم في الرأس.

اضطر والده لمرافقة الأم في مستشفى خليفة بمدينة “التربة” بتعز، بينما بقي بشار وأخته الصغيرة “بشرى” في القرية.

هنا، لم يسقط بشار تحت وطأة الحزن، بل برز لديه مفهوم “المسؤولية المبكرة”.

فقد تحول إلى “رجل بيت” يدير شؤون أخته الصغيرة بمفرده وهو لا يزال طفلاً، وكان يقطع المسافات مشياً وتنقلاً كل يوم جمعة صعوداً إلى مدينة “التربة” لزيارة أمه، ثم العودة للقرية.
عاش في كنف جدته، مع غياب الخدمات الأساسية، محولاً المعاناة إلى وقود للتفوق، ورغم التشتت النفسي بين المستشفى والمنزل، انتزع المركز الأول في مدرسته بالقرية.

لقد تعلم بشار باكراً أن المحن لا تأتي لتكسرنا، بل لتعيد تشكيلنا لنكون أقوى وأكثر نضجاً.

عقاب يحصد المركز الأول

انتقل بشار في مرحلة التعليم الأساسي إلى مدرسة “مساجد أديم”، وهناك اصطدم بضعف خلفيته التعليمية السابقة، ففي حصة قواعد اللغة العربية، عجز عن إعراب كلمة، فكانت “ضربة” الأستاذ هي الشرارة التي ولّدت لديه ما يسمى تربويا بـ “العهد التعليمي”؛ وهو قرار حاسم ببناء الثقة عبر المواجهة.

بعد هذه الحادثة قطع بشار عهداً بتعلم كل شيء وعدم الوقوف عاجزاً أو جاهلاً مجدداً، ليجني ثمرة قراره بالحصول على درجات كاملة في معظم المواد بنهاية الفصل.

وفي نهاية الفصل الثاني حصد المركز الثاني في المدرسة، بعد ابنة مدير المدرسة، ثم طلب “تحد علني” واختباراً خاصاً أمام ساحة المدرسة والطلاب جميعا، لينتزع المركز الأول على المدرسة بالكامل وبناء هيبة الطالب المتفوق.

التفوق في الثانوية

أكمل بشار دراسته الثانوية عام 2021، بمعدل 95%، استغل بشار العطلة الصيفة “سنة الانتظار” في العمل والتحصيل العلمي، مقسماً يومه بين العمل اليدوي الشاق والتحصيل العلمي المتقدم، فكان يعمل في محل أحذية صباحاً، وعلى “دراجة نارية” (موتور) مساء.

في الوقت ذاته تمكن بشار من دراسة دبلوم مكثف لغة انجليزية (تخرج الأول بمعدل95)، ودرس اساسيات الحاسوب، ودرس دبلوم كامل في الجرافيك حيث حصل عليه كمكافأة لتفوقه، ودورة متخصصة في إدارة الذات.

وأثناء الدارسة.

المنحة الدراسية

طارد بشار حلم “المنحة الدراسية” وقدم على 15 دولة في تخصص الطب، لكن رُفض طلبه من كل تلك الدول، وفي هذه اللحظة، تجلى دور والده، المتخصص في علم النفس، الذي لم يسمح للإحباط بكسر ابنه.

نصحه والده، ألا ييأس ونصحه أن يقدم مجدداً في العام القادم، وقدّم للمرة السادسة عشرة، وقدم طلبه الأخير إلى منحة تركية، واختار تخصص هندسة الحاسوب بدلاً من الطب، فجاءه القبول النهائي في 8 أغسطس 2023، للدارسة في جامعة أتاتورك بمدينة “أرزوروم”.

كان بشار قد بدأ دراسة “الصيدلة” في جامعة تعز لمدة عام وكان “مندوب الدفعة” المتفوق.

يؤمن بشار بأن تخصص هندسة الحاسوب والذكاء الاصطناعي هو “تخصص المستقبل” الذي يطمح من خلاله للمساهمة في تحويل اليمن وأمته إلى “دول ذكية ومكتفية تكنولوجياً”.
السفر إلى تركيا

بعد قبوله في منحة تركية، انطلق من قريته إلى العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، ثم سافر إلى جيبوتي وبقي فيها شهراً كاملاً بانتظار صدور التأشيرة (الفيزا).

عقب وصوله تركيا واجه تحديا جديدا تمثل في اللغة، لكنه لم يقف عاجزا، فقد بدأ بدراسة اللغة التركية في معهد الجامعة لمدة عام، وحصل على شهادة (سي1)، محققاً المركز الأول على دفعته.

صعوبة اللغة في الجامعة

ثم التحق بالدراسة الجامعية، ليواجه صعوبة كبيرة في أول يوم دراسي بكلية الهندسة، وتحديداً في محاضرة الفيزياء، حيث كان البروفيسور يشرح بمصطلحات تركية هندسية معقدة، بينما كان بشار قد درس هذه المواد بالعربية في اليمن، فضلاً عن انقطاعه عن مراجعة الرياضيات والفيزياء لثلاث سنوات.

وليتجاوز هذه الصعوبة، كان يقضي الليالي الطوال في البحث والمذاكرة بين مقاطع اليوتيوب والمراجع العربية والأجنبية لترميم بنيته المعرفية وفهم المصطلحات.

بفضل هذا الإصرار، لم يتجاوز العقبة فحسب، بل استطاع التفوق على الطلاب الأتراك والأجانب وحصد المركز الأول من بين الطلاب العرب والثاني في الكلية.

استطاع تحقيق المركز الأول على تخصص هندسة الحاسوب في سنته الأولى والثانية، وحصل على شهادة الشرف من عمادة الكلية.

ولأنه يعتمد على نفسه ولا يريد أن يكون عالة على أي جهة، فهو يعمل صيفا، في مطاعم “طرابزون “ليعيل نفسه”.

المناصب المجتمعية والشبابية

تولى بشار في تركيا مناصب شبابية ومجتمعية منها في جمعية الإغاثة (أي اتش اتش)، ورئيس الجمعية في جامعة “أتاتورك” وإدارة العمل الإنساني، وفي وقف الشباب التركي، ونادي المشاريع المستدامة، وتأسيس أول نادٍ تقني للطلاب الأجانب في تاريخ الجامعة منذ عام 1957، ورئيس اتحاد شباب الأمة يضم 70 قائداً من 20 دولة لخدمة قضايا الأمة.

لقاء مسؤولين اتراك

نتيجة نشاطه القيادي في منظمات رسمية كبرى مكنه ذلك من التواجد في المحافل الرسمية في البلاد، واعتلاء المنابر للمشاركة، إضافة الى جرأته على المناقشة والطرح اثناء مناسبات يحضرها مسؤولون اتراك.

وبفضل هذا النشاط يقول بشار إنه التقى مع أكثر من خمسة وزراء في الحكومة التركية وتحدث معهم.

من بين المسؤولين وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، حيث قدم بشار رؤية “اتحاد شباب الأمة” في إعداد قادة المستقبل خلال برنامج “أكاديمية الاختصاص” في مدينة أرزوروم..

كما قدم بشار خلال هذا اللقاء، كلمة وعرضاً حول رؤية “اتحاد شباب الأمة” في إعداد قادة المستقبل، وحظيت كلمته بإشادة واسعة من المسؤولين الحاضرين.

كما قام برحلات رسمية إلى أنقرة والتقى بشخصيات سيادية بارزة، حيث كان يحرص على تقديم نفسه كشاب يمني يحمل رسالة لنهضة أمته.

يتميز بشار بقدرته على بناء العلاقات مع الجميع، فقد أستطاع خلال فترة وجيزة من بناء شبكة علاقات واسعة مع مسؤولين اتراك بارزين.

عُرف بشار بين المنظمين والأتراك بلقب “بشار اليمني”؛ لأنه كان الشاب الذي لا يسكت في المؤتمرات، بل يقوم ويناقش ويسأل بجرأة وفضول علمي لبناء الروابط، وهو ما أثار اعجاب بعض المسؤولين الأتراك بشخصيته وذكائه.

نصائحه للطلاب

وجّه بشار عدداً من النصائح للطلاب لمواصلة تعليمهم وتحقيق طموحاتهم، منها: الإيمان بإمكانياتك مهما كانت، ولا تستصغر نفسك أبداً، واجعل أحلامك كبيرة وعظيمة وأن يكون الطالب طموحا.

من النصائح الاستمرارية الدائمة في العلم والعمل أيضا، واستغلال الفرص، وترك الخوف من الفشل، فالفشل تجربة يضاف الى خبرتك، وأن يكن الطالب شخصاً فاعلاً ومؤثراً في أي مجتمع، وأن يبني علاقات قوية وذكية، وأن يحارب الكبر والخجل في طلب العلم.

هدفه في المستقبل

على الصرح الأكاديمي يؤكد بشار عزمه مواصلة تعليمه ونيل درجتي الماجستير والدكتوراه.
وفي الجانب العملي يطمح من دراسته في هندسة الحاسوب إلى تأسيس مشاريع تكنولوجية خاصة وكيانات ريادية عملاقة يمنية وعالمية مؤثرة، مؤملا أن يحقق في مشاريعه مستقبلا في نقل اليمن والأمة الإسلامية من مربع “الاستهلاك التقني” إلى مربع “الإنتاج والابتكار”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading