تقارير

“تعز” تقترب من “كانديه”.. هل تنال لقب ثاني أطول حصار في التاريخ الحديث؟

تقرير أعده لـ”يمن ديلي نيوز” – عارف الواقدي: في العام 1648م فرضت القوات العثمانية حصارًا مطبقًا على مدينة “كانديه” اليونانية، استمر لما يزيد عن العشرين عامًا، انتهى في الأخير بانتصارها بعدما مارست القوات العثمانية كل الضغوط لإسقاطها.

واستمر الحصار من العام 1648م وحتى العام 166‪9م أي لنحو 21 سنة وبدأت قصة الحصار عندما هاجم فرسان مالطا قافلة عثمانية في طريقها من الإسكندرية إلى القسطنطينية في العام 1644 هبطوا في كاندية مع المسروقات، التي شملت جزءا من حريم السلطان أثناء العودة من الحج إلى مكة المكرمة.

ردًا، على ذلك توجه 60 ألف من القوات العثمانية بقيادة يوسف باشا إلى جزيرة كريت وسيطرت على كل المناطق المحيطة بكانديه خلال أقل من عامين لتبدأ حصارا اعتبر هو الأطول في التاريخ الحديث.

واليوم 13 يوليو/ تموز، تدخل مدينة تعز عامها التاسع تحت حصار مطبق بدأته جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا منذ مايو/أيار، 2015م، لمحاولة إسقاطها، لكنها تقترب من منتصف العام التاسع وهي صامدة رغم كل ما بها من جراح.

وكما هي “كانديه” تعرضت للحصار العثماني بقطع المياه والطرقات ومنع دخول السلع، تعرضت “تعز” ومازالت لحصار مارست معه جماعة الحوثي كل أساليب الضغط لإسقاطها، حيث لم يقتصر الحصار على منع دخول السلع وإعاقة حركة السفر وقطع المياه، بل زادت على الآخرين بقصف تعز المستمر وقنص الأطفال والنساء بشكل شبه يومي.

تعز تحت الحصار

في العام 2015م بدأت جماعة الحوثي وبعد أن فشلت في اقتحام المدينة في إغلاق الطرق الرئيسية من والى تعز، الأمر الذي قيد حرية تنقّل المدنيين، وأعاق تدفق السلع الأساسية والأدوية، ووصول المساعدات الإنسانية إلى سكان المدينة.

كما أغلق الحوثيون الطرق الرئيسية المؤدية إلى الشمال الشرقي باتجاه منطقة الحوبان، وكذلك الطرق المؤدية إلى الشمال والشمال الغربي والتي تربط مدينة تعز ببقية اليمن.

وكانت الرحلة من مدينة تعز إلى منطقة الحوبان تستغرق حوالي 10 أو 15 دقيقة قبل 2015م، لكنها اليوم تستغرق من ست إلى ثماني ساعات.
ولمغادرة مدينة تعز، يضطر السكان إلى سلوك طريق الأقروض الجبلي غير المعبّد، وهو التفاف حول المدينة يزيد طوله عن 60 كيلومتر، وهي طريق متعرجة وضيقة.

كما أغلق الحوثيون الطرق الرئيسية التي تربط عدن بتعز، ما أجبر المدنيين على اللجوء إلى طريق هيجة العبد الخطير جدا والذي شهد مئات الحوادث الخطيرة خلال السنوات الماضية.

ورغم ما يعانيه 4 ملايين مواطن من أبناء تعز، ضغطت الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى اليمن باتجاه فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة لتسهيل تحركات جماعة الحوثي، في حين تعاملت بتجاهل كبير لمعاناة أربعة ملايين من أبناء تعز يخنقهم ويقتلهم حصار الحوثي المفروض منذ تسع سنوات. وفق حقوقيين.

وحتى اليوم مر 3000 يوم على حصار تعز، وبهذه المناسبة أعلنت السلطة المحلية في محافظة تعز جملة فعاليات وحملة واسعة، تستمر لمدة اسبوع، لإيصال رسالة تعز الخاضعة للحصار دونما اكتراث من المجتمع الدولي.

أرقام وإحصاءات

وطبقًا لمحافظ تعز، نبيل شمسان، فإن حصار جماعة الحوثي المصنفة إرهابيًا، تسبب بأزمة مياه تصل إلى 75% من احتياج السكان وتدمير 50% من شبكة الطرق وارتفاع في تكلفة السفر بنسبة 1000% وارتفاع في نقل البضائع وارتفاع الاسعار 35% عن المناطق المحررة.

كما ارتفعت الحوادث المرورية نتيجة سلوك الطريق الوعرة إلى 481 نتج عنها 374 حالة وفاة وإصابة 966 حالة وخسائر قدرت بـ475 مليون دولار.

وتحدث “شمسان” خلال مؤتمر صحفي عقده الخميس 13 يوليو/تموز في تعز بمناسبة مرور 3 آلف يوم على الحصار عن آثار الحصار على التعليم، حيث تسبب في تضرر 180 مدرسة، وإغلاق 31 مدرسة، وتضرر 32 ألف طالب وطالبة بينما بلغ عدد الطلاب المتضررين من عدم القدرة للوصول إلى الجامعات 8 آلاف طالب وطالبة.

وتسبب الحصار في توقف الشركات والمؤسسات التجارية وانعدام المشتقات النفطية في حين بلغت الخسائر المالية في الايرادات 228 مليون دولار في العام الواحد وتضرر 9 ألف عامل، وفقا للمحافظ.

عقاب المدنيين

وتعليقا على ما تتعرض له تعز يطالب الصحفي محمد الحريبي، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بالتوقف عن التعامل مع قضية حصار تعز من منطلق الابتزاز السياسي الذي يمارسه الحوثيين، داعيا لاعتبارها “قضية إنسانية وجريمة حرب مكتملة الأركان يمارسها الحوثيين للعام التاسع على التوالي”.

وقال الصحفي “الحريبي” في تعليق لـ”يمن ديلي نيوز” إن الخسائر التي تعرض لها المدنيون والمدينة في تعز “ضخمة بالتأكيد” ومرعبة، معتبرا من المخجل أن يستمر أطول حصار في التأريخ لعام تاسع.

وتحدث “الحريبي” عن جانب من الأضرار الناجمة على الحصار على مرضى الفشل الكلوي والسرطان فقط، فضلا عن بقية الأمراض، مؤكدا أن عدد الوافدين على مركز الغسيل الكلوي منذُ بداية الحصار، وحتى 1 يوليو/ تموز الجاري، من خارج المدينة المحاصرة بلغ ألف و251 شخص، بتكاليف وصول تجاوزت 21 مليون و16 ألف دولار أمريكي.

في حين بلغ عدد الوافدين على مركز علاج الأورام “السرطان” منذُ بداية عام 2021م وحتى يوليو/ تموز الجاري، من خارج المدينة 3 آلاف و292 شخص، بتكلفة وصول 3 مليون و606 ألف و152 دولار، وفقا للحريبي.

وأوضح الصحفي “الحريبي” أن تكلفة نقل أدوية مرضى السرطان بلغت خلال العام الواحد 16 مليون و200 ألف دولار أمريكي في ظل الحصار على المدينة، بعدما كانت في السابق لا تتجاوز تكاليف نقلها 168 ألف و224 دولار أمريكي.

تماهي أممي ودولي

وفي ظل الحصار المطبق على تعز توجهت الأنظار صوب الأمم المتحدة التي تشرف على تطبيق اتفاق استوكهولم القاضي برفع الحصار عن تعز، حيث مايزال الحوثيون يطبقون الحصار رغم مضي خمس سنوات على توقيع الاتهام.

وفي هذا السياق اتهم رئيس مجلس النواب اليمني، سلطان البركاني، الأمم الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي بالتماهي مع الحوثيين تجاه الحصار المفروض على مدينة تعز، واصفًا دعوات السلام التي يتزعمها المجتمع الدولي بـ”الأكذوبة”.

وقال “سلطان البركاني” في منشور له على “فيسبوك” إن 3 آلاف يوم من “الحصار المتوحش والجبان على مدينة تعز، والسادية الحقيرة التي تمارسها عصابة الحوثي السلالية” على مدينة تعز، تُمارس “على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي”، لافتًا إلى أن الممارسات الحوثية والحصار لمدينة “تعز”، معه “سقطت أخلاقيات الأمم المتحدة والدول الكبرى والمنظمات المتشدقة بحقوق الإنسان”.

وتابع: “سقطت لأن أطفال تعز، ونساؤها وكبار السن ورجالها يموتون من القصف والحصار وضمير العالم لم يحرك ساكنًا” لدى الأمم المتحدة والدول الكبرى وكذا المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.

وفي إشارة لدعوات السلام التي تقودها الأمم المتحدة في اليمن، ودعوات المجتمع الدولي، وكذا المنظمات الدولية، أوضح “البركاني”: “أي سلام يتحدثون عنه هو أكذوبة ما دامت الجريمة قائمة والمجتمع الدولي عاجز عن ردع الحوثي للانصياع للقرارات والاتفاقيات، رغم إعطائه كل شيء”.

وأشار إلى أن “تعز التي تحمل البندقية وغصن الزيتون” بحسب قوله “لن تركع ولن تستسلم، وصبر سيعانق نقم عاجلاً، وليس آجلاً” مختتمًا “النصر قادم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون”.

تذكير الضمير العالمي

وزارة حقوق الانسان في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بدورها انتقدت دور المبعوثين الأممي والأمريكي الى اليمن، والذي وصفته بـ”الضعيف“، في التعاطي مع حصار جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، لمدينة تعز المستمر منذ أكثر من ثماني سنوات.

ودعت الوزارة في بيان لها، مجلس الأمن الدولي ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، ومفوضية حقوق الإنسان وكل منظمات ونشطاء حقوق الإنسان إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه هذه المدينة بما يساهم في “فضح جرائم وانتهاكات الحوثيين بحق المدينة والسكان المدنيين”.

وأكدت أنه لم يعد مقبولاً إستمرار صمت المجتمع الدولي إزاء حصار وجرائم الحوثيين بحق المدنيين في مدينة تعز، مستغربة استمرار “صمت وتجاهل” الهيئات الأممية والمنظمات الحقوقية الدولية، و”ضعف” جهود المبعوثين الأممي والأمريكي لملف حصار مدينة تعز، وما يتعرض له عشرات الآلاف من الأسر ومئات الآلاف من الأطفال والنساء، من انتهاكات “جسيمة” و”عقاب جماعي” بالمخالفة لكل المواثيق الإنسانية والاتفاقات الدولية، حد تعبيرها.

ولفت البيان إلى أنه لم يعد خافيا على أحد مدى تعنت الحوثيين وتعمدهم إلحاق الاضرار الجسيمة والآلام الغائرة بالمدنيين باستمرار حصار المدينة، ورفضها كل المبادرات المحلية والدعوات والاتفاقات الأممية والدولية الداعية إلى رفع الحصار بفتح الطرقات والمنافذ الرئيسية من والى المدينة.

وشددت على ضرورة ”تذكيـِّرُ الضمير العالمي الحر وهيئات المعاهدات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بالمعاناة الإنسانية المستمرة التي يعيشها سكان تعز، جراء الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها الجماعة من قصف وقنص وهجمات متعمدة بأنواع الأسلحة.

اتفاق استوكهولم

وفي 13 كانون الأول/ديسمبر 2018، أفضت مشاورات برعاية الأمم المتحدة في العاصمة السويدية ستوكهولم إلى اتفاق بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وجماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، عُرف بـ”اتفاق ستوكهولم”.

وتضمن الاتفاق إلزام الحكومة والحوثيين بـ”التفاهم لفك الحصار عن مدينة تعز (مركز محافظة تحمل الاسم نفسه)”، عبر تشكيل لجنتين (حكومية وحوثية)، لمناقشة آلية لمعالجة الأوضاع وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الحصار.

ومنذ توقيع اتفاق استوكهولم يرفض الحوثيون، فتح المنافذ الرئيسة في مدينة تعز” التي يغلقونها منذ بداية الحرب، وبدلا من تنفيذ الاتفاق تقدموا بمقترح لفتح “معابر فرعية” بديلة “لا تلبي احتياجات السكان للتنقل الحر ونقل البضائع والمواد التموينية والمياه”، وفقاً لبيان سابق لرئيس الوفد الحكومي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading