
ازدهرت مؤخرا عمليات التهريب، ولاقت رواجا كبيرا في أوساط الشباب اليمنيين، نظرا للأجر الكبير الذي يتقاظونه، من مهربي القات، في ظل انعدام فرص العمل في البلاد التي تعيش واحدة من أسوأ الأزمات انسانية في العالم.
“عمليات التهريب تتم بتسهيل من جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، وعند المرور من نقاط الحوثي، المنتشرة على طول الطريق في الأراضي اليمنية، لايتم سوى تفتيشك من حمل السلاح، ثم يسمح لك بالمرور“.
ملف خاص بـ”يمن ديلي نيوز”: إبراهيم صالح المسوري“ شاب يمني في الخامسة والعشرين من عمره، اضطر ومثله الالاف من الشباب اليمنيين، التوجه إلى الحدود مع السعودية للعمل في تهريب القات، بعد أن ساء وضعه المعيشي منذ سيطرت جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا بالقوة على صنعاء أوخر العام 2014م.
وتشهد اليمن حروبا متواصلة منذ العام 2004م حين أعلن الحوثيون تمردهم على الدولة شمال صعدة وسيطرتهم على العديد من المحافظات الشمالية في عشرات الحروب وصولا إلى إسقاط العاصمة صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر/أيلول 2014.
وفي 21 مارس/آذار أعلن الحوثيون عن مرحلة جديدة من الحروب بهدف السيطرة على بقية المحافظات، حيث أعلنت الجماعة على لسان زعيمها التعبئة العامة لاجتياح الجنوب والمحافظات الشمالية التي لم تسقط بأيديهم، قبل أن يتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها بإعلانه عاصفة الحزم.
ونتيجة للاجراءات الحوثية التي اتخذتها فيما بعد بإيقاف رواتب موظفي الدولة في العام 2016 وعرقلة صرف الحكومة الشرعية لرواتب الموظفين والتي كانت قد شرعت في تسليمها خلال 2018 اضطر آلاف اليمنيين للبحث عن مصادر دخل توفر احتياجاتهم الأساسية، أحد تلك المصادر تهريب القات إلى السعودية.
إبراهيم صالح المسوري.. شاب في مقتبل العمر ذهب إلى الحدود مع السعودية حاملا معه أحلام الثراء من تهريب القات، لكنه عاد مقعدا بعد أن أصاب طلق ناري حبله الشوكي أثناء محاولته اجتياز السياج الحدودي مع المملكة
الشاب ”إبراهيم صالح المسوري“ أحد اليمنيين الذي ذهبوا لتهريب “القات”، رغم إدراكه لخطورة المهمة، مقررا خوض المخاطرة كي يعود لأهله بما يكفل لهم عيشة كريمة، لكنه عاد محمولا على ”كرسي متحرك“ بعد أن أصيب بطلق ناري أثناء محاولته اجتياز الحدود السعودية حاملا معه كميات القات المهربة.
”إبراهيم“ ينتمي لمحافظة “ريمة” ويحفظ القرآن الكريم كاملا، وأصيب بطلق ناري في آب/أغسطس 2020م، اخترقت حبله الشوكي، وتسببت في إصابته بشلل كلي لأطرافه السفلية، بحسب تقرير طبي بحالة المريض، حصل عليها ”يمن ديلي نيوز“.

ورغم إجراء سلسلة عمليات جراحية، بمستشفى آزال الطبي بالعاصمة صنعاء، لأجزاء متفرقة من جسمه تضررت بفعل إصابة ”النخاع الشوكي“، وكلفته مبالغ مالية باهظة، باع في سبيل إجراءها، كل ما يملكه وأسرته، لكن دون جدوى، فهو لايزال مقعد عن الحركة بدون معيل.
واحدة من مآس عديدة
قصة ”ابراهيم“، واحدة من مآس عديدة خلفتها مهنة تهريب القات من محافظة صعدة الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، إلى المملكة العربية السعودية، حيث ازدهرت مؤخرا عمليات التهريب، ولاقت رواجا كبيرا في أوساط الشباب اليمنيين، نظرا للأجر الكبير الذي يتقاظونه، من مهربي القات، في ظل انعدام فرص العمل في البلاد التي تعيش واحدة من أسوأ الأزمات انسانية في العالم.
تعتبر محافظة ”ريمة الواقعة“، من أكثر المحافظات التي حصد الموت الكثير من أبنائها في ”منافذ تهريب القات“، حيث تشيع بشكل مستمر جثامين لشبان قضوا في تلك المنافذ، بحسب سكان تحدثو لـ”يمن ديلي نيوز“.
تعتبر محافظة ”ريمة من أكثر المحافظات التي حصد الموت الكثير من أبنائها في ”منافذ تهريب القات“، حيث تشيع بشكل مستمر جثامين لشبان قضوا في تلك المنافذ، بحسب سكان تحدثو لـ”يمن ديلي نيوز“.
ويرجع السكان أسباب إقبال أبناء هذه المحافظة على ”التهريب“ إلى تردي الأوضاع الخدمية في هذه المحافظة الريفية، ما جعل الكثير من أبنائها يبحثون عن مصادر دخل بديلة، تؤمن لهم حياة كريمة.
وتفاقمت الأوضاع المعيشيّة للمواطنين، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين مع انقطاع الرواتب، وتوقف كثيرٍ من شركات القطاع الخاص، وارتفاع نسبة البطالة وفقدان مئات الآلاف وظائفهم، نتيجة الاجراءات الحوثية المشددة التي دفعت رأس المال للبحث عن أسواق أخرى تقيهم مخاطر الافلاس.
إمضاء التنازل عن الحياة
(م.ح) موظف يمني، ساءت حالة أسرته المعيشية بعد انقطاع الرواتب، فقرر الذهاب إلى منطقة ”آل ثابت“ لتهريب القات إلى المملكة العربية السعودية، بعد أن سمع من عدد من أهالي المنطقة أنهم عادو بآلاف الريالات من العملة السعودية، لكنه اصطدم بخطورة العملية، ولم يتحمل مشقتها ومغامراتها، فعاد سريعا.
يروي الموظف اليمني، لـ”يمن ديلي نيوز”، تفاصيل رحلته “الشاقة” وتجربته في عمليات التهريب، التي قال إنها تبدأ بإمضاء (توقيع) على تنازل عن حياتك وروحك، التي قد تفقدها أثتاء رحلة التهريب التي تستمر نحو (24 ساعة)، ذهابا وإيابا، مقابل (300 ريال سعودي)، ولا يتم تسليمها إلا عقب العودة وتسليم حمولة القات للمهرب في الأراضي السعودية.
موظف يمني اضطر لخوض تجربة تهريب القات بعد أن توقفت رواتبه وعند لقائه لأول مرة بالمهربين قدموا له ورقة طلبوا منه فيها التوقيع على التنازل عن حياته، وعدم طلب أجور التهريب إلا بعد عودته وضمان وصولها إلى المكان المطلوب في السعودية.
ويضيف ”تنطلق في رحلة التهريب، مع حلول المساء، بعد أن يتم تجهيز حمولة القات التي ستنقلها، بالاضافة إلى مؤن غذائية و 5 علب ماء ثلج، فتعبر عدد من الجبال والأودية في الظلام وفي طريق وعرة وبسرعة كبيرة، ولا تستطيع أن تضيء حتى ”الولاعة“، كي لا يتم رصدك من قبل حرس الحدود السعودي“.

ويشير في سياق حديثة إلى أن “عمليات التهريب تتم بتسهيل من جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، وعند المرور من نقاط الحوثي، المنتشرة على طول الطريق في الأراضي اليمنية، لايتم سوى تفتيشك من حمل السلاح، ثم يسمح لك بالمرور“.
ويقول: “عند رصد المهربين بالكاميرات الحرارية التابعة لحرس الحدود السعودي، يتم تحذيرهم بعدد من طلقات ”المعدل“، وفي حال عدم استجابتهم للتحذيرات، وإصرارهم على المضي قدما، يتم تصويبهم بالقناصات وقد ينجون من سلاح حرس الحدود بالسرعة ورمي أنفسهم في الأشجار الشائكة والحفر“، بحسب قوله.
ويردف ”بعض الطلقات تقع على الصدر أو الرأس أو في مناطق خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة فورا أو الاعاقة والبعض يموت على الفور”.. مستطردا “إن استطعت تسليم الحمولة لصاحبها في الأراضي السعودية، والعودة إلى المقر الرئيسي لعصابات التهريب، يتم تسليمك أجرتك، وأحيانا يرفض المهربون تسليمك أجرتك بحجة أن الحمولة لم تصل إلى الرياض، وأنه تم ضبطها من قبل قوات الأمن السعودي“.
وأشار إلى أن ”العتال“ يسير أحيانا خمس حمولات في الاسبوع، ولا يستلم منها إلا مقابل حمولتين فقط. و”العتال” هو المهرب الذي يقوم بتهريب القات، حيث يوضح (م.ح) أن ”العتالين المبتدئين“، يتم تشغيلهم في تهريب القات، أما المتمرسين وذوي الخبرة، فيتم تشغيلهم في تهريب المخدرات والأدوية والسجائر.
ولفت إلى أن العشرات يلقون حتفهم أثناء رحلتهم، وتظل جثثهم ملقية على طول الطريق، ولا يستطيع أحد إخراجها.
رحلة الموت
وعن رحلة السير على الأقدام، في ظلام دامس، وطريق وعرة، يقول الشاب ”نسيم علي“ لـ”يمن ديلي نيوز“، إن التهريب من المناطق الحدودية إلى الداخل السعودي يتطلب منهم ”حمل كل مستلزمات الأكل والشرب الأساسية واللازمة على ظهورهم، أثناء الانطلاق والمشي ساعات طويلة قد تتجاوز الثلاثة أيام أثناء فترات التشديد والمراقبة الليلية من حرس الحدود”.
”أسامة“ – أحد الذين تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز” عن تهريب القات إلى السعودية أكد أن ”هناك الكثير من الشباب أكلتهم الوحوش في طرق التهريب، بسبب عدم معرفتهم بالطرق المتعرجة، أو السقوط من المنحدرات الشاهقة التي يمر عبرها المهربون“.
ويؤكد ”أسامة“، الذي عمل في مجال تهريب القات أن ”هناك الكثير من الشباب أكلتهم الوحوش في طرق التهريب، وذلك بسبب عدم معرفتهم بالطرق المتعرجة، أو السقوط من المنحدرات الشاهقة التي يمر عبرها المهربون“.
رصاص حرس الحدود
يتناوب حرس الحدود السعودي، على مدار الساعة، لرصد المهربين بكاميرات حرارية ذات استشعار عالي، وعند عدم استجابة المهربين للطلقات التحذيرية في حال اكتشافهم يتم استهدافهم بشكل مباشر، وهو الأمر الذي الذي تسبب في سقوط العديد من القتلى والجرحى كان الشاب ”محمد إبراهيم”، أحد هؤلاء الضحايا.

“محمد إبراهيم” الذي بات مقعدا كان قد تنقل من منفذ لآخر بحثاً عن لقمة العيش وإعالة أسرته الكبيرة التي كانت تنتظر عودته، ليسدد ديونه المتراكمة بفعل الحرب والوضع الاقتصادي الصعب، لكن ”قذيفة“ سقطت أثناء محاولتهم التهريب أنهت حياته وحياة الكثير ممن كانوا إلى جانبه.
العشرات من الإصابات وعمليات القتل تحدث في منافذ التهريب الحدودية، و”شعيب فاضل“ أحد هؤلاء المصابين، حيث أصيب أثناء محاولته تهريب القات إلى الداخل السعودي، وروى قصته لـ”يمن ديلي نيوز“، قائلا: ”أثناء مرورنا بأحد الشعاب الضيقة، سمعنا طلقات نار تبين لاحقاً أنها من رشاش عيار 14 تم ضربها لتخوفينا وتوقيفنا، مما أدى الى إصابة بعض الشباب والذي كنت أنا أحدهم حيث أصبت بشظية في رجلي، فيما أصيب إبن عمي بشظية في رأسه تسببت في إصابته بنوبات تشنج متواصلة استدعت تدخل جراحي عاجل لنزعها من رأسه“.
العائد المالي
ويعتبر العائد المالي من العملة السعودية السبب الأبرز لذهاب الشباب إلى الحدود وتهريبهم للقات وغيره، حيث يؤكد الناشط ”ضياء محفل” أن “العوائد التي يحصل عليها الشباب في الحدود تعود عليهم بفوائد كثيرة وأرباح سريعة من خلال العمل في التهريب”.
”عمير“ وثلاثة من إخوانه ذهبوا إلى منفذ ”آل ثابت“ ومن ثم ”الرقو“، للعمل في التهريب، مؤكدا في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز“ أنه ”بفعل التهريب أصبح متزوج، ويملك بيت مستقل، وكذلك أشقائه، والتي لم يكونو يحلمون بها لولا التهريب“.
فـ ”عمير“ وثلاثة من إخوانه ذهبوا إلى منفذ ”آل ثابت“ ومن ثم ”الرقو“، للعمل في التهريب، مؤكدا في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز“ أنه ”بفعل التهريب أصبح متزوج، ويملك بيت مستقل، وكذلك أشقائه، والتي لم يكونو يحلمون بها لولا التهريب“.
ويضيف “عمير”: “صحيح كنا نواجه كثير من الصعوبات والمشاق في رحلة التهريب، تعرضنا فيها للموت المباشر أكثر من مرة، لكن تدهور البلاد والتردي الاقتصادي، وانقطاع الرواتب دفعنا للذهاب إلى الحدود للعمل في التهريب خاصة بعد أن رأيت الكثير من الشباب في قريتي يعودون بمبالغ مالية ضخمة مقابل التهريب“.
التهريب بدعم حوثي
منطقة وسوق ”ال ثابت“ كأبرز منطقة في محافظة صعدة، يتم التهريب من خلالها إلى دول الجوار، توقفت عملية التهريب فيها بسبب الحرب الدائرة بين قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وجماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، ما دفع الجماعة إلى فتح منافذ تهريب جديدة عن طريق تجار التهريب الموالين لها وأبرز هذه المنافذ “الرقو” و”ال مقنع” و”ال تليد”، وغيرها.
كانت منطقة آل ثابت في صعدة المكان الذي ينطلق منه المهربون لتهريب القات إلى السعودية، لكنه وبعد أن أصبح منطقة اشتباك بين القوات اليمنية المدعومة سعودية والحوثيين، وفر الحوثيون أسواقا بديلة تخضع لحمايتهم.
وفي حين يتساءل حقوقيون، عن دوافع الحوثيين للسماح بفتح هذه المنافذ، وتسهيل عمليات التهريب إلى المملكة، أكدت مصادر في منافذ التهريب أن الجماعة هي المستفيد الأكبر، حيث تفرض جبايات يومية على الصادرات والواردات المهربة من وإلى المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى دورها الرئيسي ووقوفها وراء أغلبية المواد المهربة، وأهمها “الحشيش والمخدرات” وغيرها من الممنوعات إلى الداخل السعودي، والاستفادة من الأموال الطائلة التي تجنيها في تغذية حروبها ضد اليمنيين.



