برر “التمرد” وألقى اللائمة على “الشرعية” والأحزاب و”التحالف” ومجلس الأمن.. “بن عمر” في مقابلة تلفزيونية يتجاوز “حقائق تاريخية” بـ”مغالطات” تؤكد وصفه بـ”مهندس الانقلاب”
يحاول التقرير، كشف “المغالطات” التي أوردها جمال بن عمر في مقابلته مع “روسيا اليوم”، وتجاوزه حقائق التاريخ والواقع على الأرض، ودوره في إسناد التمرد الحوثي، من أول يوم بإعطائهم حصة أكبر من حجمهم في مؤتمر الحوار الوطني، وصولا إلى تسويقه لهم اليوم في قنوات العالم.
كتبه لـ”يمن ديلي نيوز”/ فؤاد العلوي: في مقابلة أجرتها قناة “روسيا اليوم” ضمن برنامج “قصارى القول” تحدث المبعوث الأممي الأسبق إلى اليمن جمال بن عمر عن فترة عمله التي استمرت من العام 2011 وحتى إبريل 2015م، كان خلالها شاهدا على احتجاجات 2011 وماتلاها من تشكيل حكومة الوفاق والحوار الوطني وسيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا على مؤسسات الدولية.
قليل من الحقائق طعم بها بن عمر مقابلته، بينما زخرت بالكثير من “المغالطات” التي تجاوز فيها الحقائق التاريخية، وظهر – بشكل جلي – واحدا من مهندسي التمرد الحوثي والانقلاب على الدولة، وأحد المشاركين في توطيد بقائهم في صنعاء.
ساق بن عمر المبررات لتمرد الحوثيين، وبدلا من تحميلهم مسؤولية الانقلاب وما ترتب عليه من نتائج كارثية، ذهب لتحميل السلطة الشرعية ممثلة بالرئيس هادي، والقوى السياسية والتحالف العربي، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، الذي اتهمه بن عمر بتجاوزه، وإصدار القرار رقم 2216 دون علمه.
في هذه المادة نحاول استعراض جانب من “المغالطات” التي وردت في مقابلة بن عمر، وكيف تجاوز دوره كمبعوث أممي مهمته تيسير تطبيق المبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن الدولي، إلى مهندس للتمرد، بداية من إعطاء الحوثيين حصة أكبر من حجمهم في مؤتمر الحوار الوطني، وصولا إلى دفاعه اليوم على تمردهم وانقلابهم.
اعتراضه على القرار 2216
البداية من حديث بن عمر عن تجاوز مجلس الأمن الدولي له، وتفاجؤه بالقرار رقم 2216 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 14 إبريل 2015، بدون العودة إليه، بحسب تأكيده في المقابلة.
نص القرار 2216 على “تجميد أرصدة وحظر سفر زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، وأحمد علي عبد الله صالح نجل الرئيس السابق، والقائد السابق للحرس الجمهوري اليمني، المتهمين بـ«تقويض السلام والأمن والاستقرار» في اليمن”.
“بن عمر” في مقابلته التلفزيونية وصف القرار بـ”الكارثة”، مع أن القرار أكد في أحد بنوده على تطبيق قرار سابق يحمل الرقم 2201 صدر في 15 فبراير 2015 بناء على التقارير المرفوعة من “بن عمر”، حين وصل إلى طريق مسدود مع الحوثيين الذين انقلبوا على كل التفاهمات وهاجموا القصر الجمهوري وحاصروا الرئيس هادي والحكومة اليمنية.
وأدان القرار 2201 بشدة الإجراءات التي اتخذها الحوثيون لحل البرلمان والاستيلاء على المؤسسات الحكومية في اليمن، وعبّر عن القلق البالغ إزاء ورود تقارير عـن استخدام الأطفـال كجنـود، وحث جميع الاطراف على مواصلة الانتقال السياسي.
وفي سياق تبرير “بن عمر” لموقفه المعترض على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 قال إن “القرار طلب من الحوثيين الاستسلام لحكومة موجودة في فنادق الرياض”، مع أن رئيس الحكومة خالد بحاح كان إلى قبل 20 يوم من صدور القرار متواجدا في صنعاء، ولم يغادرها إلا في 19 مارس 2015 بعد أن قدم استقالته نتيجة الضغوط الحوثية التي مورست عليه وفرضها حصارا مطبقا عليه في منزله.
وفي هذه الجزئية تجاوز بن عمر، حقيقة أن “حكومة بحاح” كانت نتاجا لانقلاب الحوثيين، وجرى تشكيلها بنظر وأعين الحوثيين، فانقلب الحوثيون عليها، وأخضعوا رئيس الحكومة ووزرائها في صنعاء للاقامة الجبرية من 21 فبراير وحتى 17 مارس 2015م، وكل ذلك كان بعد التفاهمات التي خاضها “بن عمر”، وقبل تدخل التحالف العربي.
مهاجمة التحالف
في 21 مارس 2015 دعا زعيم جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا إلى التعبئة العامة لاجتياح الجنوب، معززا انقلابه على اتفاق “السلم والشراكة” الذي هندسه “جمال بن عمر”، وشرعن فيه لانقلاب الحوثيين على الدولة والحوار الوطني، إلا أن جمال بن عمر – رغم هذه الحقيقة – هاجم التحالف العربي وحمله مسؤولية إجهاض العملية السياسية.
يقول بن عمر في حواره التلفزيوني إنه وقبل تدخل التحالف العربي العسكري كانوا على وشك “حل نهائي مبني على تقاسم السلطة وتم الاتفاق على شكل السلطة التنفيذية والتشريعية ومؤسسات الدولة”.
وفي هذه الجزئية من المقابلة، تجاوز “بن عمر” جملة من الحقائق التاريخية التي دفعت لتدخل التحالف العربي، من أهمها أنه جاء بدعوة من الرئيس الشرعي الذي انقلب عليه الحوثيون وحاولوا قتله، كما أن تدخل التحالف جاء بعد انقلاب الحوثيين على المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني، واتفاق السلم والشراكة.
وإلى ماسبق فإن التدخل العسكري للتحالف العربي لم يأت إلا بعد مرور ثمانية أشهر على انقلاب الحوثيين وسقوط العاصمة صنعاء بأيديهم، وبعد شروع الحوثيين في ارتكاب ممارسات تهدد أمن الاقليم، من أبرزها المناورة العسكرية على الحدود مع السعودية، وبعد رفض الحوثيين لكل الخيارات السياسية، وصولا إلى اختطافهم مدير مكتب رئاسة الجمهورية أحمد عوض بن مبارك.
وأغفل “بن عمر” أن الحوثيين قاموا في يناير 2015 بفرض حصار على القصر الجمهوري وحصار رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي في منزله، لقرابة شهر كامل، حتى تمكن من الخروج والوصول إلى عدن.
فضلا عن ذلك قام الحوثيون بقصف القصر الجمهوري “المعاشيق” في محاولة لقتل رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي الذي وصل إليه في 19 مارس 2015، بعد أن أفلت من حصار الحوثيين له في منزله والذي استمر لقرابة شهر، وهو مايؤكد استحالة الحل السياسي الذي قال “بن عمر” إن التحالف قوضه.
ربط الحرب بالتحالف
ولم يتوقف “جمال بن عمر” عند تحميل التحالف العربي تقويض العملية السياسية، بل حرص في مقابلته التلفزيونية على ربط الحرب في اليمن بتدخل التحالف العربي، متجاوزا 10 سنوات من القتال الذي خاضته جماعة الحوثي منذ العام 2004 لتحقيق هدفها بإسقاط الدولة من شمال صعدة، وصولا إلى حجة والجوف وأجزاء من عمران بحلول العام 2010.
وطوال الفترة التي تعين فيها جمال بن عمر مبعوثا أمميا في اليمن كان الحوثيون يخوضون حروب السيطرة على محافظات الجوف وحجة، وعمران واستكمال السيطرة على محافظة صعدة.
ومن أشهر تلك الحروب التي كان “جمال بن عمر” شاهدا عليها “حرب الاجتثاث الطائفية” التي شنها الحوثيون على سلفيي دماج بمحافظة صعدة، والتي استمرت من أكتوبر 2013 حتى يناير 2014، وانتهت بخروج السلفيين وأسرهم من دماج إلى العاصمة صنعاء.
رغم كل تلك الحروب إلا أن “بن عمر” برأ ساحة الحوثيين من المسؤولية عن الحرب، وحمل “أخطاء الأحزاب الحاكمة في حكومة الوفاق” مسؤولية ماقال إنه لجوء من الحوثيين للعنف.
يقول بن عمر مبررا “تم الاتفاق على رؤية جديدة في مؤتمر الحوار الوطني لبناء الدولة الديمقراطية اليمنية، لكن بعد انتهاء مؤتمر الحوار لم يلتزم الفرقاء اليمنيين بالوعود التي قدموها خلال المؤتمر”.. مضيفا: “الرئيس والأحزاب الحاكمة رفضت إشراك الحوثيين والحراك في حكومة شراكة وفقا لمخرجات الحوار الوطني، وهذا دفع الحوثيين للجوء للعنف “لتحقيق أهدافهم السياسية ما تسبب في تقويض العملية السياسية”.
ولو سلمنا جدلا بما قاله “بن عمر” أن الرئيس والأحزاب رفضت إشراك الحوثيين في حكومة شراكة بناء على مخرجات الحوار ، فما مبرر شن الحوثيين حربهم على سلفيي دماج، وطردهم من صعدة قبل انتهاء مؤتمر الحوار الوطني؟
الحرب التي شنها الحوثيون لاجتثاث السلفيين من صعدة بدأت في أكتوبر من العام 2013، وتم فرض حصار مطبق على المنطقة، حتى تم إجبارهم على النزوح في 15 يناير 2014، أي قبل عشرة أيام من الحفل الختامي لمؤتمر الحوار الوطني الذي أقيم في صنعاء يوم 25 يناير 2015م.
وعليه: إذا كان لجوء الحوثيين للعنف سببه رفض الرئيس والأحزاب إشراك الحوثيين في الحكومة بناء على مخرجات الحوار، فما أسباب لجوء الحوثيين للعنف كي يجتثوا السلفيين من محافظة صعدة، في وقت لم يختتم مؤتمر الحوار الوطني، ولم تسفر عنه أية نتائج بعد؟
رفض الحوثيين للاقاليم
وضمن المبررات التي ساقها “جمال بن عمر” لتسويق تمرد الحوثيين وانقلابهم على الدولة، “قوله إن الفرقاء السياسيين حاصروا الحوثيين في إقليم آزال، وهو إقليم بلا موارد ولا موانئ، وهذا دفعهم لإسقاط الدولة” مخليا مسؤوليته عن المشاركة في اختيار عدد الاقاليم.
ومع أنه في ذات الحوار قال إن الحوثيين كانوا قوة عسكرية قليلة في شمال شمال صعدة، إلا أنه دافع على موقفهم الرافض للأقاليم، وتعامل معهم باعتبارهم الممثلين الحصريين لإقليم آزال، متجاوزا الغالبية العظمى من سكان الإقليم الذين أيدوا الأقلمة.
يقول بن عمر: “الحوثيين في هذا التقسيم (الأقاليم) حوصروا في منطقة جبلية نائية ليس لها أي موارد”.
ويتقاطع حديث بن عمر في هذه الجزئية مع ماقاله في ذات المقابلة من أن الحوثيين كانوا قوة عسكرية بسيطة في شمال شمال صعدة.. مضيفا: الحوثيون “وصلو السلطة ليس لأنهم كانوا أقوياء، لأنني أتذكر أعداد الحوثيون الذين وصلوا صنعاء عندما اجتاحوا صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤ كنت موجود، كانت أعداد محدودة جدا، الحوثيون وصلوا للسلطة بسبب بعض السياسيين الذين كانوا انذاك في السلطة، كانت حساباتهم حسابات ضيقة”.
إذا ومادام الحوثيون قوة بسيطة في شمال شمال صعدة، وكانوا عبارة عن أعداد محدودة عند اجتياحهم صنعاء – كما قال بن عمر – فكيف حصلوا على 35 مقعدا في مؤتمر الحوار الوطني، متجاوزين المؤتمر الشعبي العام، والأحزاب السياسية الأخرى، وهل من المقبول على مبعوث أممي الانحياز لموقف أقلية تشكل جزءا بسيطا سكان منطقة في شمال شمال إقليم آزال؟
تبرئة الحوثيين من الدعم الإيراني
وفي سياق تسويقه للحوثيين دوليا، حاول “جمال بن عمر” في مقابلته التلفزيونية مع “روسيا اليوم” تبرأتهم من الدعم الايراني قبل تدخل التحالف العربي، قائلا إن “تدخل السعوديين العسكري هو الذي دفع الحوثيين للارتماء في أحضان ايران، وطلب العون من إيران”.
وفي هذه الجزئية تحديدا حاول “بن عمر” القفز على عشرات الحقائق التاريخية التي لايتسع المقام لسردها هنا، وتثبت ارتباط الحوثيين المبكر بإيران، وأنها ذراعهم في اليمن، كما هو حال حزب الله في لبنان.
ونكتفي هنا بالتذكير بعدد من الحقائق التي يعرفها “جمال بن عمر” وكانت إبان عمله مبعوثا أمميا في اليمن وأولاها: إعلان مندوب مدينة طهران في البرلمان والمقرب من المرشد الايراني علي رضا زاكاني بعد يوم من سقوط صنعاء، وقبل ثمانية أشهر من التدخل العسكري للتحالف بأن “صنعاء رابع عاصمة عربية تسقط بيد طهران”.
أما الحقيقية الثانية التي غابت عن جمال بن عمر أثناء تبرئته للحوثيين من الدعم الإيراني أن انطلاق قناة المسيرة في 23 مارس 2012 كان من جنوب لبنان الخاضع لسيطرة حزب الله الذراع الإيرانية في لبنان، ومازالت تبث من جنوب لبنان حتى اللحظة.
والحقيقة الثالثة في 23 يناير 2013، حين تمكنت قوات خفر السواحل اليمنية من ضبط شحنة الأسلحة الشهيرة على متن السفينة “جيهان”، والتي قال عنها وزير الداخلية الأسبق عبدالقادر قحطان إنها تمثل شحنة “في غاية الخطورة”، لما احتوته من متفجرات لو وضعت في أحياء سكنية لكانت كافية لقتل الملايين من أبناء اليمن.
وفي 7 فبراير 2013 نقلت وكالة رويترز عن مسؤول حكومي أن الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي طالب نظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد في اتصال هاتفي بأن تكف طهران عن تهريب الاسلحة للحوثيين.
والمقام مليئ بعشرات الحقائق التي تؤكد وتثبت ارتباط الحوثيين المبكر بإيران بدء من زيارة بدر الدين الحوثي لإيران في 1994، وقبل ذلك تفجير “سينماء بلقيس” في العام 1983 ، بعد عام واحد من استقطاب إيران لعدد من القيادات من أتباع المذهب الزيدي من بينهم حسين بدر الدين الحوثي.
وتضمنت مقابلة “بن عمر: الكثير من التجاوزات لحقائق التاريخ، إلا أنها تثبت ماذهب إليه مراقبون، بأن “جمال بن عمر” هو المهندس لانقلاب جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، مستدلين على ذلك بجملة من الوقائع التي مارسها إبان عمله مبعوثا أمميا، من ضمنها تهديده للقوى السياسة بإصدار قرارات تصنفهم ضمن مقوضي العملية السياسية، وكذلك انتقاله إلى محافظة صعدة، وبقائه لما يقارب شهرين، حتى تمكن الحوثيون من إسقاط العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م.



