البردوني يُبحرُ “من أرض بلقيس” إلى روما بعد 27 عاماً على رحيله

يمن ديلي نيوز: تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عميد المهيوبي: بعد 27 عاماً على رحيله، يواصل الشاعر اليمني عبدالله البردوني عبور الحدود من اللغة إلى اللغة، ومن ذاكرة اليمن إلى فضاء الثقافات العالمية، مع صدور ديوانه “من أرض بلقيس” باللغة الإيطالية، في أواخر يونيو/حزيران الماضي، بعد 66 عاماً على صدور طبعته الأولى في القاهرة عام 1961.
وتأتي الترجمة الإيطالية ضمن مشروع أنجزه الشاعر والفنان التشكيلي اليمني المقيم في روما علاء الدين حسين البردوني، بالتعاون مع الشاعر والمترجم الإيطالي دومينيكو دادابو، لتفتح قصائد الديوان نافذة جديدة على تجربة البردوني أمام القارئ الإيطالي.
واحتضنت العاصمة الإيطالية روما إطلاق ترجمة الكتاب ضمن مهرجان «كتب لا قنابل»، الذي أُقيم في أحد الفضاءات الثقافية والاجتماعية المستقلة، بمشاركة عدد من دور النشر الإيطالية المستقلة، بينها نولا داي، ولوروسو للنشر، وكولتورجام إديزيوني، ودي إديتوري.
ويمثل انتقال “من أرض بلقيس” إلى الإيطالية، وفق القائمين على المشروع، محاولة لإيصال تجربة شعرية يمنية ظلت حاضرة في الأدب العربي، لكنها لم تحظ بالانتشار نفسه في اللغات الأجنبية، رغم المكانة التي يحتلها البردوني بين أبرز شعراء القرن العشرين.
عالمية البردوني
ولد عبدالله البردوني عام 1929 في قرية البردون بمحافظة ذمار، وفقد بصره في طفولته، لكنه أصبح واحداً من أبرز الأصوات الشعرية والفكرية في اليمن والعالم العربي.
ولم تقتصر تجربته على الشعر، إذ كتب في النقد والفكر والتاريخ والسياسة، وانشغل في نتاجه الأدبي بقضايا الإنسان والحرية والهوية والعدالة والسلطة والتحولات الاجتماعية والسياسية في اليمن والعالم العربي.
وتأتي ترجمة “من أرض بلقيس” بوصفها أول حضور لأعمال البردوني باللغة الإيطالية، لتقدم للقارئ الأوروبي نصوصاً تنتمي إلى مرحلة مبكرة من تجربته الشعرية، وتتيح له التعرف إلى اليمن من خلال رؤية شاعر جمع بين البناء الشعري العمودي والاشتغال على قضايا الإنسان والمجتمع.
يقول محمد عبده البردوني، حفيد الشاعر، إن اختيار “من أرض بلقيس” للترجمة يمثل “خطوة موفقة وصحيحة”، معرباً عن أمله في أن تتواصل ترجمة دواوين جده وصولاً إلى أعماله الكاملة.
وأوضح لـ”يمن ديلي نيوز” أن أهمية الديوان تعود إلى كونه أول إصدار شعري للبردوني ومن بواكير تجربته، إذ جمع عشرات القصائد وصدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1961 ضمن مشروع “ألف كتاب”.
ويرى أن الديوان يعكس مرحلة مبكرة من تجربة البردوني، قبل أن تتبلور بصمته الشعرية الخاصة في دواوينه اللاحقة، موضحاً أن الشاعر كان متأثراً في تلك المرحلة بشعراء من التراث العربي والكلاسيكية العربية الحديثة.
ويأمل حفيده أن تمتد عملية الترجمة إلى دواوين “من طريق الفجر” و “مدينة الغد” و “لعيني أم بلقيس” وغيرها، وصولاً إلى الأعمال الكاملة، معتبراً أن نقل شعر البردوني إلى اللغات الأجنبية يسهم في التعريف بالأدب اليمني خارج العالم العربي.
ويشير إلى أن ترجمة شعر البردوني تواجه تحديات خاصة، باعتبار أن “من أرض بلقيس” ينتمي إلى الشعر العربي العمودي بما يتضمنه من وزن وقافية وإيقاع وصور شعرية مركبة.
ويقول إن نقل الوزن والقافية بصورتهما الأصلية إلى الإيطالية يمثل تحدياً للمترجم، فيما تتمثل المهمة الأساسية في نقل المعاني والصور والمشاعر وروح القصيدة إلى اللغة الجديدة، مع الحفاظ قدر الإمكان على القيمة الأدبية للنص.
ورغم تحفظه الشخصي على ترجمة الشعر بسبب صعوبتها، يؤكد أهمية الترجمة بوصفها جسراً بين الثقافات، مشيداً بجهود علاء الدين حسين البردوني والمترجم الإيطالي والجهة الناشرة للعمل، ومعتبراً صدور الترجمة “مشروعاً مهماً جداً وخطوة جبارة” لإيصال الشعر اليمني إلى اللغات الأوروبية.
جسر ثقافي
ويمثل انتقال ديوان “من أرض بلقيس” إلى اللغة الإيطالية صفحة جديدة في مسيرة الأدب اليمني خارج حدوده، ويعيد طرح تجربة عبدالله البردوني أمام جمهور أوروبي للمرة الأولى بما يجعله جسراً ثقافياً بين الثقافة اليمنية والثقافات الأوروبية
ويرى سفير اليمن لدى اليونسكو الدكتور محمد جميح إن ترجمة ديوان “من أرض بلقيس” للشاعر عبدالله البردوني إلى اللغة الإيطالية تمثل خطوة مهمة لتعريف القارئ الأوروبي بأحد أبرز الأصوات الشعرية اليمنية، وتعزز حضور الأدب اليمني في فضاء الترجمة العالمية، مؤكداً أن هذه المبادرة تقدم البردوني واليمن معاً.
وأوضح جميح في تصريح لـ”يمن ديلي نيوز” أن التبادل الثقافي بين العالم العربي وإيطاليا يمتد إلى قرون، مستشهداً بالحضور العربي في صقلية وجنوب إيطاليا وما نتج عنه من تأثير متبادل في الأدب والترجمة.
ولفت جميح إلى أن الأدب العربي عرف حضوراً في الإيطالية من خلال ترجمة أعمال شعراء كبار، مثل محمود درويش وأدونيس، إضافة إلى المتنبي والمعلقات.
وأشار إلى أن البردوني، رغم مكانته الرفيعة في الثقافة العربية، لم ينل نصيبه المستحق من الانتشار في اللغات الأجنبية، معتبراً أن ترجمة الديوان تفتح نافذة جديدة أمام القراء الإيطاليين لاكتشاف تجربته الشعرية ورؤيته لليمن.
وأضاف: شعر البردوني يمتلك خصائص فنية تساعد على نقله إلى اللغات الأخرى، وفي مقدمتها ثراء الصورة الشعرية، إلى جانب طابعه الحداثي ضمن البناء العمودي، وهو ما يمنح المترجم مساحة أوسع لنقل المعاني والدلالات متى امتلك الكفاءة الأدبية والشعرية.
وأكد جميح أن ديوان “من أرض بلقيس” يحمل صوت اليمنيين ويعكس صورة البلاد كما يراها شاعرها الكبير، ويمنح القارئ الإيطالي انطباعاً شعرياً عن اليمن الذي ارتبط في الذاكرة الإنسانية ببلاد الحضارة والشعر والحكايات.
ولفت إلى أن البعد الإنساني في شعر البردوني يشكل أحد أهم عوامل قابليته للترجمة، إذ تزخر قصائده بقيم الحرية والعدالة والانتصار للفقراء والبسطاء، وتعكس وعياً مجتمعياً يتجاوز الحدود الجغرافية، وهي قيم مشتركة تجد صداها لدى مختلف الشعوب والثقافات، بما يعزز فرص انتشار الأدب اليمني عالمياً”.
وعلى الرغم من المكانة التي احتلها البردوني في الوجدان الثقافي العربي، فإن علاقته بالسلطة في اليمن اتسمت بالتوتر، إذ لم يكن شاعر البلاط ولا صاحب القصائد الاحتفالية، بل عُرف بانتقاداته اللاذعة للفساد والاستبداد، ورفضه توظيف الشعر لخدمة السلطة.
وقد انعكس ذلك في عدد من قصائده التي حملت نقداً سياسياً واجتماعياً مباشراً، ما جعله يعيش بعيداً عن الامتيازات التي نالها شعراء آخرون أكثر قرباً من دوائر الحكم.
وقد قارع البردوني الإمامة بقصائده مبكراً واختار أن يكون شعره في مواكب الثورة السبتمبرية.
وسبق أن وثق “يمن ديلي نيوز” جانباً من قصائد البردوني في مقارعة الاستبداد الإمامي في ذكرى وفاته السادسة والعشرين.



