عطور على رصيف الحرب.. “أزهار” تواجه الفقر ببيع العطور في الشارع

قصة صحفية أعدتها لـ”يمن ديلي نيوز” دعاء صوان: لم تكن تحمل حقيبة مدرسية حين خرجت إلى الشارع، بل مجموعة من زجاجات العطور الصغيرة. تتنقل بها بين المارة والسيارات، تعرض بضاعتها بحثاً عن زبون يشتري منها شيئاً، أو عن مبلغ تعود به في نهاية اليوم إلى أسرتها.
إنها “أزهار”، طفلة في الصف الثالث الابتدائي، وجدت نفسها تعمل إلى جانب دراستها بعد وفاة والدها، لتساعد أمها في مواجهة أعباء الحياة.
وحين تسألها عن سبب وجودها بين السيارات والمارة، تجيبك بعفوية تخفي خلفها جبالاً من المسؤولية “أبيع عشان أمي”.
على طاولتها الصغيرة تصطف زجاجات العطور بأشكال وألوان مختلفة، إلى جانب مسابح وبعض السلع البسيطة.

تبدو كأي بسطة صغيرة في أحد الأسواق، لكن وجود طفلة في الصف الثالث خلفها يضع المشهد في سياق مختلف، طفلة تتنقل بين مقعد الدراسة ومكان العمل، وتحاول أن تجمع بين متطلبات المدرسة وحاجة أسرتها إلى الدخل.
من بائعة الكبريت إلى بائعة العطور
قبل أكثر من قرن، كتب الكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن قصة “بائعة الكبريت” عن طفلة فقيرة تخرج إلى الشارع في ليلة شديدة البرودة لبيع أعواد الثقاب، قبل أن تنتهي حياتها بالموت.
كانت القصة خيالية، لكنها استندت إلى صورة اجتماعية معروفة في ذلك الزمن؛ طفل يعمل في الشارع بحثاً عن المال.
في اليمن، تغيرت البضاعة وتغيرت الظروف، لكن صورة الطفل الذي يقف في الشارع بحثاً عن دخل ما زالت حاضرة.
لم تعد أعواد الثقاب هي السلعة التي يحملها الأطفال، بل زجاجات العطور، وعبوات المياه، والمناديل الورقية، والسواك، وغيرها من السلع الصغيرة التي يمكن بيعها بسرعة على الأرصفة أو عند إشارات المرور والأسواق.
والفارق الحقيقي أن الحكايات اليمنية ليست من نسج الخيال، فخلف كل طفل في الشارع أسرة، وظروف اقتصادية، وقصة نزوح أو فقد أو فقر قد تكون دفعت به إلى مواجهة الشارع في سن مبكرة.
الحرب التي غيرت حياة الأطفال
أدت الحرب الطويلة في اليمن إلى تدهور واسع في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وأثرت في قدرة كثير من الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية.
ومع فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل، اضطرت بعض الأسر إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، وكان الأطفال جزءاً من هذه المعادلة المؤلمة.
بالنسبة إلى أسرة فقدت معيلها، أو لم يعد دخلها كافياً لتغطية الطعام والسكن والعلاج والتعليم، قد يتحول عمل الطفل من خيار مؤقت إلى وسيلة قسرية للبقاء.
ولا يمكن فصل هذه الأسباب عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها سنوات الصراع، حيث تتداخل دوافع الفقر مع مأساة النزوح وانقطاع سبل العيش.
يوم يبدأ في الشارع
يبدأ يوم الطفل العامل في وقت يفترض أن يكون فيه داخل المدرسة، بدلاً من الجلوس على المقعد الدراسي، يقف بعض الأطفال على الأرصفة أو عند التقاطعات، يحملون بضائعهم ويراقبون حركة السيارات والمارة ساعات طوال.
وفي المدن ذات الطقس الحار، يصبح العمل في الهواء الطلق عبئاً مضاعفاً، فالشمس المباشرة، والغبار، والازدحام، وطول ساعات الوقوف، كلها ظروف قاسية يعيشها الطفل يومياً.
ولا تتوقف المخاطر عند حدود الطقس، فالعمل بالقرب من الطرقات يعرض الأطفال لاحتمالات الحوادث المرورية، ناهيك عن مخاطر الاستغلال والعنف والمضايقات في الأماكن العامة.
أرقام تحكي وجع الواقع
خلف المظهر اليومي لبسطات الشارع، تكمن أزمة واسعة تؤكدها لغة الأرقام الرسمية؛ فوفق مسح مؤشرات التنمية المتعددة “MICS” الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء بدعم من اليونيسف، يشارك 16% من الأطفال بين 5 و17 عاماً في عمالة الأطفال، ترتفع إلى 27% بين فئة (12-14 عاماً).
هذه النسب الصادمة تتجسد بوضوح في الفوارق الطبقية والبيئية التي خلفتها الحرب ترتفع عمالة الأطفال بين الأسر الأشد فقراً لتصل إلى 25% مقابل 5% في الأسر صاحبة الدخل المتوسط، وتصل إلى 19% في المناطق الريفية مقابل 7% حضرياً.
وفي مخيمات النزوح حيث تعيش أكثر من 4.5 مليون نسمة (بينهم مليوني طفل) تتضاعف المأساة إذ وثقت اليونيسف حالات لأطفال في مأرب وغيرها اضطروا لترك مقاعد الدراسة والعمل في رعي الأغنام أو بيع المياه لإعالة أسرهم التي تعرض أكثر من 30% منها للنزوح مراراً.
حالة “أزهار” وبائعي الشوارع ليست سوى نموذجاً مصغراً لظاهرة أوسع تتشابك فيها خيوط الفقر، والنزوح، وتغيب عنها أبسط حقوق الطفولة.
حين يزاحم العمل المدرسة
لا يقتصر أثر العمل المبكر على الساعات التي يقضيها الطفل في الشارع، بل يمتد ليشمل مستقبله التعليمي بأكمله. فالعمل اليومي يستهلك طاقة الطفل ويهدر وقته، مما يجعل الانتظام الدراسي شبه مستحيل، وينتهي المطاف بالكثيرين إلى التسرب والانقطاع التام.
وحين يغيب التعليم، تضيق خيارات الطفل في سوق العمل مستقبلاً، ليجد نفسه سجيناً لدائرة مفرغة تبقيه رهينة للأعمال الهامشية ومنخفضة الدخل مدى الحياة.
حكاية لم تنته.. والضحية المستقبل
كانت “بائعة الكبريت” طفلة خيالية كتب أندرسن قصتها قبل أكثر من مئة عام، أشعلت أعواد الثقاب بحثاً عن الدفء قبل أن ترحل.
أما في اليمن، فلا يحتاج الأطفال إلى إشعال أعواد الثقاب كي نعرف حجم معاناتهم، يكفي أن تمر في أحد الأسواق أو عند إشارة مرور لترى أطفالاً يحملون العطور والمياه والمناديل، ويبحثون بين السيارات والمارة عن مصدر دخل يعين أسرهم.
أزهار واحدة من هؤلاء الأطفال.. تجلس خلف طاولتها الصغيرة، ترتب بضاعتها وتنتظر زبوناً جديداً، فيما تبقى حقيبتها المدرسية وحياتها كطفلة على الجانب الآخر من يومها.
وحين تعود “أزهار”، في نهاية يومها إلى منزلها حاملة ما جمعته من مال، قد لا تدرك بعد حجم ما تقتطعه ساعات العمل من طفولتها وتعليمها، فالشارع لا يسرق طفولة اليوم فحسب، إنه يحرق المستقبل بكامله قبل أن يبدأ.




