قصص صحفيةأهم الاخبارالأخبار

“رومية القباطية”.. ثمانينية حولت منزلها “المطل” إلى ملاذ للجيش والمقاومة

قصة صحفية أعدتها لـ”يمن ديلي نيوز” مرفت الربيعي: لم تكن تحمل سلاحاً، ولم تقف خلف متراس، لكن منزلها الريفي المطل على جبال القبيطة تحول خلال سنوات الحرب، إلى محطة يلجأ إليها المقاتلون والجرحى، وإلى شاهد على واحدة من أعنف جبهات القتال في شمال محافظة لحج.

وبين أصوات الرصاص، ودوي القذائف، واختلاط الدخان بمرتفعات الجبال، اختارت السيدة “لول سعيد مانع” المعروفة بين أبناء المنطقة بـ”رومية القباطية”، أن تبقى في مكانها رافضة مغادرة منزلها رغم اقتراب المعارك منه.

لم يكن قرار البقاء بالنسبة لـ”رومية” مجرد تمسك ببيت ريفي، بل موقفاً نضالياً وطنياً تقول إنه نابع من قناعة بأن الوقوف مع الوطن إلى جانب أبناء منطقتها في أوقات الخطر واجب لا يمكن التخلي عنه. مرددة عبارتها الشهيرة “والله شقاوم وابذل دمي مش اغلى من وطني”.

من منزلها المطل على خطوط التماس، كانت تتابع تحركات المقاتلين، وتقدم ما تستطيع من إسعافات أولية ومؤن بسيطة وكلمات تشجيع، في وقت كانت فيه إمكانات الجميع محدودة، بينما كانت محاولات الالتفاف على مواقع المقاومة عبر السلاسل الجبلية تجعل منزلها أقرب إلى خط النار منه إلى قرية آمنة.

وبعد سنوات من تلك الأحداث، عادت هذه الحكاية إلى الواجهة مجدداً، عندما كرمت قيادة كتائب جبهة القبيطة في الجيش اليمني “رومية القباطية” بمنحها درع الوفاء والشجاعة.

جاء هذا التكريم تقديراً لدورها الإنساني ومساندتها للمقاتلين والأهالي خلال سنوات المواجهات، لتتحول لحظة التكريم إلى مناسبة لاستحضار قصة امرأة بقيت في ذاكرة أبناء المنطقة بوصفها أحد رموز الصمود المدني في زمن الحرب.

يقول عزام فاروق، الناطق الرسمي لجبهة القبيطة: “إن “رومية” مثلت رمزاً للصمود والثبات، وأصبحت عبارتها الشهيرة (والله شقاوم.. وأبذل دمي مش أغلى من وطني) جزءًا من الذاكرة المحلية”، معتبرًا أن تجربتها تجسد الدور الذي أدته المرأة في مساندة مجتمعها خلال سنوات الحرب.

وأضاف فاروق لـ”يمن ديلي نيوز” أن هذه المساهمة كانت جزءًا من قدرة المجتمع المحلي على الصمود، خاصة في القرى التي أصبح منزلها ملاصقًا لخطوط التماس.

مساندة المقاتلين

لم يكن الدرع الذي تسلمته السيدة “رومية القباطي” مجرد تكريم عابر، بل استحضاراً لسنوات ثقيلة من الحرب، أعاد إلى الذاكرة قصة امرأة ريفية اختارت البقاء في قلب الخطر، حين كان كثيرون يبحثون عن طريق للنجاة.

نشأت “رومية” في أسرة عُرفت بين أبناء المنطقة برفض الظلم ومساندة المحتاجين، وهي قيم تقول إنها شكّلت مواقفها خلال سنوات الصراع.

وعلى قمة سلسلة جبلية في مديرية القبيطة، يقف منزل “رومية” الريفي المطل على الوديان والمرتفعات التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى ساحات اشتباك متواصلة.

ومن عتبة ذلك المنزل، كانت السيدة الثمانينية “رومية” تتابع حركة المقاتلين وتصاعد دخان المعارك، فيما كانت أصوات الرصاص والقذائف جزءًا من تفاصيل حياتها اليومية، ليتحول منزلها إلى شاهد على واحدة من أكثر مراحل الحرب قسوة في القبيطة.

ومع محاولات جماعة الحوثي، المصنفة إرهابية، الالتفاف على مواقع المقاومة عبر الجبال المحيطة، بعد تعثر تقدمها في خطوط المواجهة، أصبح منزل “رومية” ملاصقًا لخطوط النار، لكنها رفضت مغادرته رغم المخاطر.

وفي تلك الأيام، لم تغادر “رومية” منزلها رغم اقتراب المعارك، وقالت لـ”يمن ديلي نيوز”: “بقيت في المنزل ورفضت المغادرة. حاولت الإمداد، ولم أكن مقاتلة ضمن أي تشكيل عسكري، لكنني اخترت البقاء إلى جانب أبناء منطقتي”.

وأضافت: “قدمت للمقاتلين ما أستطيع من دعم، ووفرت مستلزمات إسعافية للجرحى، إلى جانب كلمات التشجيع التي كانت ترفع من معنوياتهم، في وقت كانت فيه الإمكانات محدودة والخطر حاضرًا في كل لحظة”.

دمي ليس أغلى من الوطن

وقال جميل القباطي، أحد أبناء المنطقة، لـ”يمن ديلي نيوز”: “من بين المواقف التي ما زال أبناء القبيطة يتناقلونها عن “رومية” حتى اليوم عبارتها الشهيرة: “والله شقاوم.. دمي مش أغلى من وطني”، وهي كلمات قالتها بينما كانت المواجهات تدور بالقرب من منزلها”.

وأضاف القباطي أن تلك الكلمات تحولت، مع مرور السنوات، إلى إحدى العبارات التي ارتبطت بذاكرة الحرب في المنطقة، ويتداولها المواطنون في ظل احتدام المواجهات.

لا تمثل قصة “رومية” حالة استثنائية في القبيطة، إذ لعبت عشرات النساء أدوارًا بارزة خلال سنوات الحرب، شملت إسعاف الجرحى، وإعداد الطعام، وتوفير المياه، ورعاية الأسر، وتقديم الدعم النفسي للمقاتلين، في جهود بقي معظمها بعيدًا عن التوثيق الإعلامي.

ومع تراجع حدة المواجهات في جبهة القبيطة، لا تزال الحجة لولة سعيد مانع، المعروفة بـ”رومية”، تحظى بمكانة خاصة في ذاكرة أبناء المنطقة. فبالنسبة لكثيرين، لم تكن بطولتها مرتبطة بحمل السلاح، بقدر ما تجسدت في ثباتها، وإصرارها على البقاء إلى جانب مجتمعها، ومساندة المقاتلين والأهالي في أحلك الظروف، لتصبح رمزًا للصمود والإيثار.

وتبقى حكاية السيدة لول سعيد نافع “رومية القباطي” واحدة من القصص التي تكشف الوجه الإنساني للحرب؛ إذ لم يكن الصمود حكرًا على من رابطوا في المتارس، بل شاركت في صناعته أيضًا نساء ريفيات واجهن الخوف بالإرادة، وكتبن صفحات مضيئة في الذاكرة المحلية ستظل حاضرة في وجدان أبناء القبيطة لأجيال.

ورغم ما قدمته من تضحيات، يأمل أبناء المنطقة أن تحظى الحجة لولة بالاهتمام اللائق من الجهات المختصة، تقديرًا لدورها الوطني والإنساني، وأن تُوثق سيرتها باعتبارها جزءًا من ذاكرة الحرب في اليمن، وحكاية تستحق أن تُروى للأجيال القادمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة