
كان جارودي يبحث عن دين يسمو فوق القومية والوطن واللغة والمستوى الاقتصادي للحياة.. دين يمنح الحياة الإنسانية معناها الحقيقي، وقد وجد جارودي في الإسلام النموذج لنوع من الحوار التوفيقي الذي كان مشغولا به طوال ثلاثين عاما.
استعرض الكتاب لـ”يمن ديلي نيوز” – عبدالله العطار: يتكون كتاب “البديل” للمفكر الفرنسي روجيه جارودي، في طبعته الثانية الصادرة عام 1989 من ثلاثة مسبوقة بمقدمة ومتبوعة بخاتمة، وترجمه إلى العربية “جورج طرابيشي”.
كان جارودي يبحث عن إيديولوجيا توفر السلام والأمن للبشرية، وتمنح الانسجام بين الأخلاق والسياسة، بين الروح والمادة، بين الفرد والمجتمع، بين الثقافات الغربية وغير الغربية؛ أي أيديولوجيا عالمية تضم كل البش.
يبحث عن دين يسمو فوق القومية والوطن واللغة والمستوى الاقتصادي للحياة.. دين يمنح الحياة الإنسانية معناها الحقيقي، وقد وجد جارودي في الإسلام النموذج لنوع من الحوار التوفيقي الذي كان مشغولا به طوال ثلاثين عاما.
ويمثل كتاب (البديل) المرحلة الثانية من مراحل حياة غارودي وهي مرحلة الخروج من الشيوعية والتمرد على الماركسية.
يطرح “غارودي” في سياق مراجعاته للماركسية الجامدة، مقولة: “لا دين أفيون للشعوب ولا إلحاد وضعي”، حيث يؤكد أن الحياة الأبدية -فيما وراء التاريخ ووراء هذه الحياة الدنيا- هي الأساسية.
فلا دين أفيون يجري فيه تصور العلاقة بين الإنسان والله على نحو لا ينادي معه الإنسان الله ولا يلاقيه إلا في التخوم لا في المركز. ولا دين أفيون للشعوب: يتلبس شكل إيديولوجية، وشكل ميتافيزياء، لا شكل فعل وقرار وطريقة خلاقة للحياة.
ولكن البديل عن دين أفيون للشعب ليس إلحادا وضعي النزعة؛ لأن الوضعية ليس هي العالم بدون الله فحسب، بل أيضا العالم بدون الإنسان.
جاء سبب تأليف “جارودي” لكتاب البديل من مبعث تخوفه على انحلال الشعوب ولذلك فإن الشعوب تحتاج إلى أدوات جديدة ومفهومات جديدة ،وتحويل جوهري في كل المجالات وخصوصا في الدعوة إلى الثورة.
إن البديل الحقيقي – وفق جارودي – هو إيمان مناضل وخلاق، لا يقصر الواقع على ما هو كائن فحسب، بل يضمنه أيضا جميع ممكنات مستقبل يبدو على الدوام مستحيلا في نظر من لا يملك قوة التأمل. فالإيمان يعني الأمل، مع ما يحمله من استكشاف الإمكانيات الكامنة وراء الواقع المباشر.
إن كتاب البديل يعد من أقوى الكتب التي ألفها جارودي لأنه يمثل دعوة ثورية مكتملة الأركان مخططة بإتقان، ولأنه خاطب به الشبيبة ووضع الإرشادات والقواعد والأسس الصحيحة التي ستؤدي إلى ثورة حقيقية تغير العالم أجمع وتغير الحياة.

لقد جاء سبب تأليف هذا الكتاب واضحا في الكتاب نفسه وقد تمثل هذا السبب بخوفه على انحلال الشعوب ولذلك فإن الشعوب تحتاج إلى أدوات جديدة ومفهومات جديدة ،وتحويل جوهري في كل المجالات وخصوصا في الدعوة إلى الثورة.
بل إن غارودي يرى أن تغيير النظام أو الملكيات أو السلطات لا يحقق أي تقدم لأي ثورة في العالم، بل يجب تغيير بنى الثقافة والمدرسة والدين والإيمان والحياة ومعناها، بل والعالم كله.
يقول: يجب أن ننطلق من الأسئلة التي تنطلق من المشكلات التي تجمعنا لا أن تفرقنا، يجب علينا أن نغير السياسة والأحزاب، ونظرتنا للدين.. للفكر.. للثقافة.. لمفهوم الثورة، وأن يمارس المجتمع التخيل الخلاق لاختراع الوسائل التي تؤدي إلى التغيير الحقيقي.
إن كتاب البديل يمثل حافزا للجميع وللشبيبة بالذات من أجل الانطلاق إلى التغيير الأمثل، ويخلق حياة مختلفة، ويدعونا إلى أن نصنع تاريخا مختلفا، ويبين في كتابه أن الكتاب هو مشروع حضارة حقيقية مختلفة.
وقد استهدف المؤلف “جارودي” بالفصل الأول الشبيبة، لأنه يراهم وحدهم القادرين على التغيير الحقيقي الجذري للعالم كله.. طارحا أمامهم الخطوات والأسس التي يجب عليهم اتباعها إذا أرادوا تغييرا حقيقيا وثورة ناجحة.
وأوضح في البداية أنه لا بد من الجلوس مع الشبيبة والاستماع إليهم، إلى آمالهم وأحلامهم واحتياجاتهم، واستيعاب كل ما عندهم، وهذه هي الخطوة الأساسية لإنشاء مجتمع منفتح وليس مجتمعا مغلقا.
ثم يرشدهم بعد ذلك إلى هذه الأسس، وهي أن يكون التغيير تغييرا للبنى الثقافية والاجتماعية والدينية، وهذه البنى الجديدة لن تتناسب مع الرأسمالية ولا الاشتراكية، لأنها ثقافة تتطلب تحديد غاياتها ،تمكن الجميع من الإسهام فيها وفي بناء الحضارة الجديدة، يشارك فيها الكل لا فئة ولا جماعة، ولا اتجاه معين.
خطوات التحول الجذري
ويطرح المفكر جارودي مجموعة خطوات للتحول الجذري من أهمها: “تشكيل وحدات نقابية، وتشكيل اتحاد قوى العمل، والمجالس العمالية، الإضراب القومي.
ومع محاولة المؤلف الابتعاد عن الاشتراكية إلا أنه يراها النموذج الأنسب لكل هذه الأسس، ولكن ليست اشتراكية استالين أو غيره، بل اشتراكية تقوم على التسيير الذاتي، وإنشاء مجتمع يكون فيه التفتح الحر لكل فرد شرط التفتح الحر للجميع أيضا.
ثم يقول إن كل هذا سيحدث ليس عن طريق الخروج من الأحزاب والنقابات والاتجاهات، بل دعا الشباب إلى الدعوة بها وهم في أحزابهم ونقاباتهم.
ثم يختتم الفصل بقوله للشبيبة: لا يوجد حل ثالث، فإما أن يقوموا بثورة تشنجية، أو بثورة بنّاءة، وهذه الثانية هي ما يدعو إليها.
مع محاولة المؤلف الابتعاد عن الاشتراكية إلا أنه يراها النموذج الأنسب لأسس الثورة، ولكن ليست اشتراكية استالين أو غيره، بل اشتراكية تقوم على التسيير الذاتي، وإنشاء مجتمع يكون فيه التفتح الحر لكل فرد شرط التفتح الحر للجميع أيضا.
وكانت هذه الأسس التي عرضها في الفصل الأول هي الأساس للفصل الثاني، ففي الفصل الثاني الذي عنونه بـ:(تغييرات ينبغي تحقيقها)، لخصها في ثلاث نقاط:
- تغيير البنى: ويعني به تغيير كل البنى الموجودة في المجتمع فلا رأسمالية، ولا بيروقراطية، ولا تقنية استالينية.
- تغيير الضمائر: لا دين أفيون الشعوب، ولا إلحاد وضعي، بل يجب الانطلاق إلى ثورة حقيقية إيجابية إنسانية.
- تغيير مشروع الحضارة: أي يجب أن تكون ثورة ثقافية قبل كل شيء لابد من تغيير القيم والعادات والتقاليد الموجودة واستبدالها بثقافة تصلح لا تفسد، تبني لا تهدم، تجمع لا تفرق.
أما في الفصل الثالث فقد “جارودي” عنونه بسؤال مهم: ماذا يمكن أن تكونه الثورة اليوم؟!
وهذا الفصل امتداد للفصلين السابقين، وسار على النمط نفسه وهو تقديم التساؤلات، من سيصنع الثورة؟!
وأتى بالإجابة ،بأن من سيصنع الثورة هي الكتلة التاريخية الجديدة، التي يجب أن يكون هدفها المنشود هو اشتراكية منبثقة من التسيير الذاتي، وليست اشتراكية لا تسعى إلا إلى تغيير السلطة.
ثم تساءل مجددا كيف يمكن صناعة الثورة ليجيب أيضا عن السؤال بأننا سنصنعها عن طريق المجالس العمالية، والأحزاب القومية، والنقابات، ولكن كل ذلك يجب أن يكون قائما على الحرية للجميع ومشاركة الجميع.
ثم يؤكد أن هناك ثلاث لحظات أساسية تعمل على الصعود باتجاه اشتراكية التسيير الذاتي وهي:
- عبر النضال اليومي ضد الرأسمالية من خلال تشكيل مجالس عمالية.
- تهيئة شروط إضراب قومي.
- أن تكون موجهة نحو اشتراكية التسيير الذاتي.
قدم غارودي في كتابه “البديل” خطة استراتيجية علمية لتحقيق التغيير الإيجابي للعالم والكون والحياة، وقدمها للشباب واضعا الأسس الأساسية التي يجب الالتزام بها حتى يحققوا ذلك التغيير.
خاتمة:
لقد قدم غارودي خطة استراتيجية علمية لتحقيق التغيير الإيجابي للعالم والكون والحياة، وقدمها للشباب واضعا الأسس الأساسية التي يجب الالتزام بها حتى يحققوا ذلك التغيير.
مقدما كل الوسائل التي يحتاجون إليها والمبادئ التي يجب أن ينطلقوا منها، وهو بهذه الخطة الاستراتيجية يعمل على تحفيز الشباب على تغيير البنى الاجتماعية والثقافية والدينية، تغييرا جذريا، مؤكدا أنهم بهذا سيغيرون الحياة والعالم تغييرا إيجابيا يحمي المجتمعات ويحفظ لهم حياة كريمة.



