الصحفي “عبدالحميد الشرعبي” يكتب عن العلاقات اليمنية الصينية .. 70 عاماً من الشراكة (مقال تحليلي)

يمن ديلي نيوز: في هذا المقال يتناول الصحفي المتخصص في العلاقات الدولي “عبدالحميد الشرعبي” مسار العلاقات اليمنية الصينية الممتدة منذ سبعين عاماً، باعتبارها شراكة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون السياسي والاقتصادي، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
يبرز الشرعبي في مقاله الذي ينشره “يمن ديلي نيوز” أهمية اليمن الجيوسياسية للصين، خصوصاً عبر مضيق باب المندب وموقعه ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
ويناقش المقال فرص مساهمة الصين في إعادة إعمار اليمن من خلال مشاريع الموانئ والطاقة وتنمية الكوادر البشرية، مشيراً إلى أهمية الذكرى السبعين للعلاقات الثنائية كفرصة لتعزيز التنسيق السياسي والتعاون الأمني والاقتصادي بما يخدم استقرار اليمن ومصالح البلدين المشتركة
نص المقال:
العلاقات اليمنية الصينية.. 70 عاماً من الشراكة وآفاق التطوير في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية
✍️ عبدالحميد سعيد الشرعبي
تحل هذا العام الذكرى السبعون لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية اليمنية وجمهورية الصين الشعبية (1956-2026)، وهي علاقة اتسمت عبر عقود بالثبات والاحترام المتبادل والتعاون البناء.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها العالم، والاضطرابات التي تعصف بالمنطقة العربية واليمن تحديداً، تبرز أهمية هذه العلاقة كركيزة استراتيجية يمكن البناء عليها لمواجهة التحديات المشتركة وتحقيق المصالح المتبادلة.
- أهمية اليمن الجيوسياسية للصين:
يمتلك اليمن موقعاً استراتيجياً فريداً على مفترق طرق التجارة العالمية، حيث يطل على مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية و30% من شحنات النفط الخام.
هذا الموقع يجعل اليمن حلقة حيوية في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، حيث يمثل الميناء الاستراتيجي في عدن والموانئ اليمنية الأخرى محطات مهمة لطرق التجارة البحرية بين ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وقد أدركت بكين منذ عقود أهمية اليمن كشريك استراتيجي، خاصة مع وجود مصالح صينية في البحر الأحمر وخليج عدن، بما في ذلك عمليات مكافحة القرصنة التي تشارك فيها البحرية الصينية منذ عام 2008م، بالإضافة إلى الحاجة لتأمين إمدادات الطاقة والتجارة الصينية عبر هذا الممر المائي الحيوي.
وفي عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، تبرز الصين كقوة اقتصادية وسياسية عالمية طموحة تسعى إلى لعب دور أكثر فاعلية في إعادة تشكيل النظام العالمي، وقد سعت الى تعزيز حضورها في الشرق الأوسط من خلال مبادرات دبلوماسية واقتصادية، مثل وساطتها التاريخية بين المملكة العربية السعودية وإيران عام (2023م ) والتي أظهرت من خلالها قدرتها على أداء دور من اجل استقرار إقليمي.
في المقابل، تواجه المنطقة العربية واليمن تحديداً تحديات وجودية تتمثل في التدخلات الإقليمية والدولية والحرب الامريكية الإسرائيلية – الايرانية، وإغلاق ايران لمضيق هرمز وفرض رسوم تجارية ما أثر على سلاسل الامداد العالمية ويتسبب بأزمة اقتصادية عالمية، واستهداف الدول الخليجية بالصواريخ والطيران المسير من قبل إيران وأذرعها في المنطقة، مما يجعل من الصين، بمنهجها القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة، شريكاً محتملاً لليمن خصوصا والمنطقة عموما يمكن أن يقدم أنموذجاً مختلفاً عن المنافسات التقليدية بين القوى الكبرى، والضغط على ايران لإيقاف استهدافها للمحيط العربي وفي مقدمتها اليمن عبر مليشيات الحوثي ذراع الحرس الثوري.
- احتياجات الحكومة اليمنية للدور الصيني السياسي والاقتصادي:
تواجه الحكومة اليمنية الشرعية تحديات جسيمة تتمثل في استعادة مؤسسات الدولة من مليشيات الحوثي المدعومة من الحرس الثوري الإيراني، والتي تسيطر على العاصمة صنعاء وبعض اجزاء من البلاد منذ 2014م.
وفي هذا السياق، تأمل الحكومة اليمنية في دور صيني أكثر فعالية على مستويين السياسي والاقتصادي كما عبر عنها فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في لقائه الاخير بالقائم بأعمال السفير الصيني في اليمن، وتجديده موقف اليمن تجاه القضية الصين ونزاعها مع تايوان الصينية، والقائم على وحدة الصين.
& ففي المستوى السياسي: تسعى الحكومة اليمنية إلى استثمار المواقف الصينية المعلنة الداعمة للحكومة الشرعية واليمن الموحد (بما يتوافق مع مبدأ “صين واحدة” مقابل التزام الصين بـ”يمن واحد”)، وذلك من خلال:
– دعم الصين لجهود السلام في اليمن وفق المرجعيات الثلاث المتفق عليها محليا وعربيا ودوليا تتمثل في المبادرة الخليجية والياتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، والقرارات الاممية ذات الصلة وفي مقدمتها القرار 2216، ووفق المبادئ الثلاثة التي أعلنتها بكين: احترام السيادة، احترام الشرعية، وعدم التدخل.
– الدعم الصيني السياسي للشرعية اليمنية في كافة المحافل الدولية واحباط المشاريع والمخططات الهادفة الى تمزيق اليمن واعاقة استعادة الشرعية لمؤسسات الدولية، وشرعنة الاعمال والمليشيات، او فرض سلام خادع خارج اطر المرجعيات الثلاث.
– الضغط على إيران لوقف دعمها العسكري واللوجستي للمليشيات الحوثية، انطلاقاً من العلاقة الاستراتيجية بين بكين وطهران، الى جانب تشديد الرقابة على الشركات الصينية التي تساعد في تزويد مليشيات الحوثي بشكل مباشر او غير مباشر بتقنيات عسكرية واسلحة او قطع تستخدم في الصناعات العسكرية.
& أما على المستوى الاقتصادي: فتحتاج الحكومة اليمنية إلى دعم صيني مكثف يتجاوز المساعدات التقليدية ويتركز على:
– الاستثمار في مشاريع البنية التحتية في المناطق المحررة (عدن، المكلا، مأرب، تعز) كإشارة واضحة على دعم الشرعية.
– المشاركة في إعادة تأهيل ميناء عدن ومطار صنعاء (بعد تحريره) كجزء من مبادرات إعادة الإعمار.
– تقديم تمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة لدعم الاقتصاد المحلي وإعادة التوازن للعملة الوطنية.
- إعادة الإعمار والتنمية: دور صيني فاعل:
يمثل ملف إعادة الإعمار أولوية قصوى للحكومة اليمنية، حيث تشير التقديرات إلى أن الأضرار التي خلفتها الحرب تجاوزت 100 مليار دولار. ويمكن للصين، بخبرتها في التطوير والبنية التحتية، أن تلعب دوراً محورياً في هذا المجال من خلال:
1. مبادرة الحزام والطريق: يمكن دمج اليمن في هذه المبادرة كشريك استراتيجي، خاصة في مجالات الطرق والموانئ والطاقة.
2. الاستثمار في الطاقة المتجددة: تمتلك الصين تقنيات متطورة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يمكن أن يوفر حلولاً لأزمة الكهرباء في اليمن.
3. تنمية الموارد البشرية: برامج التدريب الصينية للكوادر اليمنية في مجالات الإدارة والطب والهندسة، والصناعة والابتكار، والتكنولوجيا.
* الآفاق المستقبلية:
إن مرور 70 عاماً على العلاقات اليمنية الصينية يمثل محطة مهمة لإعادة تقييم هذه الشراكة وتطويرها بما يواكب التحديات الجديدة. ولتحقيق ذلك، ينبغي على الجانبين:
– توثيق التنسيق السياسي في المحافل الدولية حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة قضايا الشرعية والسيادة والوحدة الترابية.
– تعزيز التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب والقرصنة، خاصة في البحر الأحمر وخليج عدن.
– توسيع التعاون الاقتصادي من خلال توقيع اتفاقيات استثمارية جديدة تستفيد من موقع اليمن الجغرافي المتميز.
وفي الختام، تبقى العلاقة بين اليمن والصين نموذجاً للتعاون بين دول مختلفة في الحجم والإمكانيات، لكنها تجمعها مصالح استراتيجية مشتركة ورؤية قائمة على الاحترام المتبادل. ومع استقرار الأوضاع في اليمن مستقبلاً، ستكون الصين، بحكم مكانتها الدولية ومواقفها المبدئية الداعمة للشرعية ووحدة اليمن، شريكاً طبيعياً في عملية البناء والتعمير.
- صحفي يمني متخصص في العلاقات الدولية



