نقص المعلمين وشح الكتاب وقلة المدارس.. ثلاثية تعصف بالتعليم في أبين (تقرير)

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” – الخضر عبدالله: ونحن نتجول في بعض المدارس والصفوف الدراسية في ريف أبين للإطلاع عن كثب على سير العملية التربوي والتعليمية وجدنا بيئة تعليمية تبعث على الاحباط حيث الكثافة الطلابية في الفصول الدراسة وافتراش العراء وعجز المدرسين والكتاب المدرسي.
يقدر عدد الطلاب في الفصل الدراسي الواحد ما بين “50 إلى 60” طالباً وطالبة، في معظم الفصول لايتوفر الأثاث المدرسي الكراسي والماسات، وفي بعضها يتوفر للبعض فيما البعض يفترشون العراء، أما الكتاب المدرسي فأحيانا لايمتلكه سوى المعلم الذي اشتراه من مرتبه.
معد التقرير اختار ثلاث مديريات بأبين هي (الوضيع – مودية – لودر) كنموذج للوضع العام الذي يعيشه التعليم في المحافظة وزار فيها المدارس والتقى بالمسؤولين والأهالي واطلع على الوضع التعليمي بشكل عام.
عدم رضا
البداية من مكاتب التربية والتعليم بالمديرية حيث التقينا مدير إدارة التربية “سالم العواص” الذي أعرب عن عدم الرضا عن الوضع التعليمي في المديرية.
يقول “العواص” لـ”يمن ديلي نيوز”: ” التعليم في الوضيع في هذا الوقت لسنا راضين عنه، ولكن نعمل لتطويره بتكاتف الجميع من سلطة محلية ومدراء، وإن شاء الله سيصبح التعليم في أحسن مراحله في المستقبل متى ما توحدت النية الصادقة والعزيمة القوية”.
ويتابع: “هناك العديد من الصعوبات التي تواجهنا في سير العملية التعليمية أهمها النقص الكبير للكادر التعليمي، خاصة من خريجي المؤهلات العلمية، وعدم توظيف كوادر جديدة في الوقت الذي أحيل به عدد من معلمي المديرية إلى التقاعد، و نقص الكادر التربوي في معظم المدارس وهو يمثل المعضلة الأساسية”.
وأشار “العواص” إلى أن منظمة “اليونيسف” كانت قد تعاقدت مع 304 مدرس لمديرية الوضيع، لكن – وفق قوله – “التسجيل كان من قبل مدراء المدارس الذي لم يكن موفقا، لأن أكثر من ثلثى المسجلين حاصلين على ثانوية عامة”.
وأكد أن ذلك الأمر “أربك سير العملية التعليمية في مدارس المديرية”.
وتحدث عن “شح كبير في الكتاب المدرسي” تواجهه مدارس المديرية “خاصة صفوف خامس إلى الثانوية، وأحيانا لا توجد نسخة واحدة من الكتاب في المدارس، مما يضطر معظم المعلمين لشراء نسخ للمنهج الدراسي من أموالهم الخاص”.
وعن الأثاث المدرسي، يقول مدير مكتب التربية والتعليم في مديرية الوضيع “بعض المدارس لا يوجد فيها أثاث بل تجد كامل الطلاب يجلسون على الأرض وبعض المدارس تجد فيها نصف الطلاب على كراسي والنصف الآخر على الأرض”.

واختتم بالقول: “بعض المدارس تشهد كثافة طلابية مع نقص في عدد الفصول الدراسية، كما أن بعض الفصول الدراسية ضيقة، ويفترش طلابها الأرض نتيجة شحة الأثاث المدرسي، وعدم توفر الوسائل التعليمية والمختبرات في الوقت الذي المناهج مرتبطة ارتباطاً وثيقاً في الجانب العملي التي تعتمد على الوسائل التعليمية والمختبرات ولذلك يجد المعلم صعوبة في إيصال المعلومات بالشكل المطلوب”.
تعليم يحتضر
وفي مديرية مودية، يواجه التعليم أيضا الكثير من التحديات والمعوقات، حيث يقول مدير إدارة التربية والتعليم في المديرية سعيد الصالحي: “رغم أهمية التعليم، فإنه يواجه تحديات عديدة في البلد بشكل عام، وفي مديرية مودية بشكل خاص”.
ويضيف في حديث لـ”يمن ديلي نيوز”: “التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والحرب التي تعصف ببلادنا كلها أثرت وتؤثر سلبًا على التعليم وجودته”.
وقال إن تلك التحديات تهدد مستقبل أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة في المديرية “بتوقف العملية التعليمية “.

ومن أهم وأبرز الصعوبات التي تهدد التعليم في مديرية مودية، يقول “الصالحي” لـ”يمن ديلي نيوز” إنها تتمثل في “النقص الحاد في المعلمين” مؤكدا “فمنذ عام ٢٠١١م توقف التوظيف بشكل عام، بينما ظل التقاعد السنوي للمعلمين مستمر مع ما يحصل من وفيات وأمراض في الكادر التعليمي”.
وأشار إلى أن ذلك النقص “أدى إلى حصول نقص بشكل كبير هدد استمرار العملية التعليمية قابله تدخل محدود من قبل اليونسيف عن طريق مشروع استعادة التعليم والتعلم”.
والمشروع – بحسب ما يوضح الصالحي – عبارة عن دفع حوافز نقدية للمتطوعين بالمدارس، مؤكدا (إلى الآن لم يتم تسليم حوافز أربعة أشهر إلا أن المشروع قائم).
وأضاف “هذا التدخل ساعد في استمرار العملية التعليمية إلا أنه بحاجة إلى استيعاب اكثر عدد من المتطوعين لاستمرار العملية التعليمية بالشكل المطلوب”.
وأردف “بسبب ضعف الراتب الذي يحصل عليه المعلم من راتب شهري يتباين من 30 إلى 60 دولار وهو ما يصنف تحت خط الفقر ولا يلبي الاحتياجات الأساسية للمعلم”.
وأكد أن “عدم انتظام صرف المرتبات انعكس سلبا على الأداء العام للمعلمين في مدارسهم” لافتا إلى أن العديد منهم تركوا “العمل بحثا عن مصدر رزق آخر يوفر لهم حياة كريمة يستطيع من خلاله المعلم توفير احتياجات من يعولهم”.
ويتابع: الكتاب المدرسي أحد أركان العملية التعليمية لكن أصبحت المدارس هنا تعاني بشكل كبير من النقص والعجز في توفير الكتاب المدرسي، ومديريتنا تعاني معاناة شديدة في هذا الجانب.

وأضاف “ما يتم استلامه من المناهج الدراسية هو الكتاب المخصص للصفوف الأربعة الأولى أما الصفوف العليا والتعليم الثانوي نواجه عجز كبير ويتم معالجته باستخدام كتب السنوات التسع السابقة رغم تمزقه وتهالكه وعدم ايفاءه بالغرض بالشكل المناسب إلا انه المتاح”.
وأشار إلى حاجة كبيرة وملحة لـ”بناء عدد من المدارس الجديدة، وإضافة عدد من الفصول لعدد من المدارس وذلك لمواجهة الازدياد في عدد الطلاب سنويا في مركز المدينة وفي بعض القرى” مؤكداً أيضا الحاجة إلى “ترميم عدد من المدارس لتأهيلها وجعلها صالحة وملائمة للعملية التعليمية والتدخلات لدعم المدارس في الجانب التشغيلي وفي جانب الاصحاح البيئي”.
وأكد “أهمية الحاجة لمزيد من الأثاث المكتبية لإدارات المدارس وكراسي الطلاب حيث لايوجد في العديد من المدارس أي أثاث”. بحسب قوله.
ومن ضمن احتياجات المدارس في مديرية مودية، يقول مدير التربية والتعليم بالمديرية “نحتاج إلى تجهيزات كثيرة في مدارسنا، بالمختبرات والوسائل التعليمية والمكتبات وقاعات لتعليم الحاسوب وتجهيزها وتزويد المدارس بالطاقات الشمسية”.
التسرب من المدرسة
وفي سياق تداعيات تدهور العملية التعليمية بالمديرية، يقول “الصالحي” إن “التسرب المدرسي أصبحت مشكلة تواجهنا بشكل متزايد” مؤكداً “ساعد في تناميها الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي تمر به البلاد”.
وأوضح أن تلك الأوضاع ساهمت في “تسرب كثير من الطلاب في المراحل العليا وذلك لإعالة أسرهم، وذلك عن طريق الالتحاق ببعض التشكيلات العسكرية أو عن طريق استقطابهم للجماعات المتشددة”.
وأشار إلى تسرب كبير للطالبات من المدارس، مرجعا ذلك “لعدم وجود مدارس خاصة بالبنات بالشكل الكافي أو لبعد المدرسة عن منازلهم خصوصا (الثانوي) وعدم وجود وسائل النقل والزواج المبكر”.
وأضاف في السياق “وأحيانا توجه الأسر بعدم تعليم الفتاة إلى مراحل عليا والاكتفاء بالتعليم الأساسي فقط”.
التعليم في لودر
وفي مديرية لودر، التقى “يمن ديلي نيوز” التربوي” “فهمي دوبعي” الذي تحدث عن واقع التعليم بالمديرية والذي لا يختلف حاله عن باقي المديريات.
يقول “دوبعي” وهو معلم رياضيات، إن “أغلب المدارس في ريف أبين تعاني من شحة في المعلمين، ولاسيما ذات الكفاءات التربوية العلمية المتخصصة التي تقود العملية التعليمية إلى بر الأمان”.
وعن تعليم الفتيات، يقول “وأما تعليم الفتاة في مدرستنا فلا توجد مدرسة خاصة للبنات وبالتالي يرفض الأهالي تدريس بناتهم مع الطلاب “مختلط” نظراً للعادات والتقاليد”.
ويؤكد “ولهذا هناك تسرب ملحوظ للطالبات في مجال التعليم فتصبح الفتاة محرومة من العلم والمعرفة جالسة في البيت”.
ووجه الدعوة إلى الجهات المختصة في مكتب التربية والتعليم بالمحافظة بالنظر إلى “سير العملية التعليمية بعين الأعتبار وتوفر المعلمين المتخصصين إلى مدارس الريف في المديريات التي بات التعليم شبه مشلول في مدارس الأرياف”.
من جانبه، أوضح الأستاذ “أحمد علوي” وهو أحد معلمي مديرية لودر “أن التعليم حالياً لم يعد مثلما كان سابقاً، فالصفوف الدراسية اصبحت مكتظة”.
ويؤكد أن “الحصة الدراسية لا تتجاوز (35) دقيقة في المدارس، إذ أن اليوم الدراسي بأكمله لكُل الدوام لا يتجاوز أربع ساعات فقط، وهذا لا يكفي لتعلم مواد علمية مهمة تحتاج إلى شرح مفصّل وذهن صافي”.
وأضاف: “الفصول التي يدرس فيها الطلاب ضيقة ومليئة بالضجيج، أي أن بالفصل (50) طالباً وفي فصول أخرى يزيد العدد على ذلك”.

وتابع: “معاناتنا كمعلمي ثانوية عامة لا تقتصر على ضيق المكان، بل تمتد لغياب المختبرات والوسائل التعليمية المهمة، لذلك نطالب وزارة التربية بتوفير وسائل الإيضاح والمختبرات الخاصة وغرف الكمبيوتر، وقبل كلّ ذلك توفير مدارس مكتملة تمكن طلابهم من الدراسة باطمئنان”.
أولياء أمور
وكما التقى “يمن ديلي نيوز” موظفي التربية بمديريات ريف محافظة أبين للاطلاع عن واقع التعليم، التقى أيضا أولياء أمور للطلاب لمعرفة المزيد من التفاصيل حول الواقع التعليمي المتدهور الذي يهدد أطفالهم.
ويقول أولياء أمور لـ”يمن ديلي نيوز” إن “واقع التعليم بأبين بحاجة إلى وقفة جادة من قبل قيادة الدولة ووزارة التربية والتعليم لمعرفة المعوقات الاشكاليات التي تواجه العملية التعليمية وإيجاد الحلول لها من خلال عدة جوانب، أولها المعلم وإعطائه حقوقه وتحسين أوضاعه المعيشية”.
وثاني تلك المعالجات هي “توفير الكتاب المدرسي وإعادة النظر في المناهج الدراسية” وكذا “المبنى المدرسي وحل إشكالية الكثافة الطلابية التي تفوق الطاقة الاستيعابية بعد إن وصلت أعداد الطلاب إلى أرقام غير معقولة داخل القاعة الدراسية، فضلا عن ضرورة توفير مقومات التعليم بشكل عام”.
ويرى مراقبون تربويون إن “ثلاثية مشاكل استمرار نقص الكادر التعليمي، وشح الكتاب، والاضرابات، التي لم يجر معالجة آثارها، باتت تلقي بظلالها على عاتق الطلبة، وتعيق واقع العملية التعليمية حاضرا ومستقبلا، خاصة إذا لم يتم إعادة النظر في قطاع التعليم، وإيجاد معالجات حقيقية لمشكلاته المتراكمة والمتفاقمة”.



