أهم الاخبارالأخبارتقارير

الاتصالات في اليمن.. خدمة يدفع المواطن ثمنها مرتين “من جيبه ومن حريته” (تقرير)

أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” عميد المهيوبي: في اليمن، لم تعد الاتصالات مجرد وسيلة للتواصل، بل تحوّلت إلى أحد أخطر مفاتيح السيطرة في زمن الحرب.

فمن خلال الهيمنة على البنية التحتية للشبكة ومراكز التحكم وبوابة الإنترنت الدولية، بات قطاع الاتصالات أداة نفوذ مركزي تُدار بها السياسة، ويُراقَب بها المجتمع، وتُموَّل بها الحرب، بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة.

على مدى سنوات، استُخدمت هذه السيطرة – وفق شهادات خبراء ونشطاء تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز” – في مراقبة المكالمات والبيانات، وحجب المواقع والتطبيقات، وتعطيل الخدمات المالية، وملاحقة الصحفيين والناشطين، وصولًا إلى الابتزاز وانتهاك الخصوصية.

وبالتوازي، تحوّل القطاع إلى مورد اقتصادي ضخم يمكّن جماعة الحوثي من جني مئات الملايين من الدولارات سنويًا، في واحدة من أكثر المفارقات قسوة: شبكة يدفع المواطن ثمنها مرتين، مرة من جيبه، ومرة من حريته.

في المقابل، تكشف هذه السيطرة هشاشة السيادة الرقمية للدولة اليمنية، وتضع الحكومة المعترف بها دوليًا أمام إخفاقات في بناء بدائل وطنية مستقلة، أو نقل مفاتيح الشبكة إلى مناطق خارج سيطرة الجماعة، رغم ما يتيحه ذلك من فرص لإنقاذ الاقتصاد، وحماية الخصوصية، واستعادة مورد سيادي بالغ الأهمية.

هذا التقرير يفتح ملف الاتصالات في اليمن من زواياه المغلقة: كيف أُحكمت السيطرة على الشبكة؟ كيف تُستخدم اليوم كأداة قمع وتجسس وتمويل؟ ومن هم الأكثر تضررًا من هذا الاحتكار؟

هذه التساؤلات سيجيب عليها خبراء في الأمن السيبراني والاقتصاد، وشهادات حقوقيين وصحفيين، وبيانات اقتصادية رسمية ودولية، في محاولة لتفكيك واحدة من أخطر الأزمات الصامتة في اليمن: أزمة السيادة الرقمية.

مخاطر الهيمنة الحوثية

يقول المتخصص في الأمن السيبراني، فهمي الباحث، إن سيطرة جماعة الحوثي على قطاع الاتصالات في اليمن تمثل خطراً مركباً على المواطنين والدولة معاً، موضحاً أن أبرز هذه المخاطر تتمثل في تحويل الاتصالات من خدمة عامة إلى أداة رقابة وتجسس واسعة النطاق.

وتحدث الباحث لـ”يمن ديلي نيوز” عن استخدام الجماعة للبنية التحتية للاتصالات في المراقبة والابتزاز والضغط السياسي والمجتمعي، إضافة إلى حجب الخدمات والتلاعب بها، كما حدث مؤخراً مع بعض التطبيقات والخدمات المالية، الأمر الذي أضر بثقة المواطنين بالاقتصاد الرقمي، وأضعف قطاعات حيوية مثل البنوك، والتجارة الإلكترونية، والعمل عن بُعد، والاستثمار.

وشدد على أن غياب ضمانات الخصوصية يجعل قطاع الاتصالات عرضة للهجمات السيبرانية، وحملات التصيد، وسرقة البيانات، في ظل بيئة تقنية تُستغل ضمن الصراع السياسي، ما يزيد من هشاشة الأمن الرقمي في البلاد.

وفيما يتعلق بالمخاطر على مؤسسات الدولة، قال الباحث إن الاتصالات تمثل “عصب الدولة الحديثة”، وأن السيطرة عليها تتيح تعطيل الإدارة والخدمات العامة في أي لحظة تصعيد، فضلاً عن كشف بيانات حساسة تتعلق بشبكات العلاقات والتحركات لموظفي الدولة والمؤسسات الرسمية.

وأشار إلى أن المواطنين هم الضحية الأكبر، في ظل انتهاكات واسعة للخصوصية، واستهداف مباشر للصحفيين والناشطين، وحالات ابتزاز للنساء، واحتيال مالي وسرقة حسابات، إلى جانب تقييد حرية التعبير وخلق ما يُعرف بـ”الرقابة الذاتية” نتيجة الخوف من الملاحقة والاعتقال.

فشل الإدارة

وانتقد الباحث أداء الحكومة الشرعية في ملف الاتصالات، معتبراً أنها فشلت في إحداث اختراق حقيقي، رغم الفرص المتاحة لتطوير بدائل وطنية.

ولفت إلى أن مشاريع مثل “عدن نت” لا تزال محدودة الانتشار بسبب ضعف الإدارة، وغياب التنظيم المستقل، ومعايير الشفافية والمحاسبة، إضافة إلى تعقيدات قانونية وأمنية وضغوط سياسية واقتصادية.

ودعا المتخصص في الأمن السيبراني الباحث وزارة الاتصالات في الحكومة الشرعية إلى التعامل مع الاتصالات بوصفها حقاً أساسياً وبنية سيادية مرتبطة بالخصوصية والأمن.

وطالب بإقرار سياسات واضحة لحماية بيانات المشتركين، والعمل على الاستقلال التدريجي عن الشبكات التي تديرها جماعة الحوثي، وتوسيع البدائل الوطنية دون الإضرار بمصلحة المواطن.

كما شدد على “ضرورة تحديث الإطار القانوني”، مشيراً إلى أن قانون الاتصالات الحالي يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، ولم يعد مواكباً للتحديات الراهنة.

واختتم: حماية المواطنين رقمياً تبدأ بقرار سياسي واضح، ومسؤولية مباشرة تقع على عاتق الحكومة الشرعية لحماية اليمنيين من استغلال الميليشيات لقطاع الاتصالات.

أزمة السيادة الرقمية

ومع استمرار احتكار البنية التحتية ومفاتيح الإنترنت من صنعاء، تحوّلت الاتصالات إلى إحدى أخطر أدوات الضغط السياسي والاجتماعي، في ظل غياب سيادة رقمية حقيقية، وعجز حكومي عن كسر هذا الاحتكار حتى الآن.

وفي السياق رأت المهندسة نور خالد، مدربة الأمن الرقمي والمدافعة عن الحقوق الرقمية، أن “سيطرة جماعة الحوثي على قطاع الاتصالات لا تقتصر على الأرض، وإنما تمتد إلى مفاتيح الإنترنت نفسها، ما يمنحها القدرة على قطع الخدمة أو إبطائها وحجب المواقع والتطبيقات متى شاءت، واستخدام الشبكة كوسيلة ضغط على المجتمع ككل”.

وأوضحت خالد لـ”يمن ديلي نيوز” أن “بقاء بوابة الإنترنت الدولية ومراكز التحكم الرئيسية في صنعاء مكّن الحوثيين من تعطيل تطبيقات البنوك والدفع الرقمي، وهو ما حرم المواطنين من الوصول إلى أموالهم، وأوقف الحوالات وأعمالاً واسعة، ودفع كثيرين إلى اللجوء لوسطاء مقابل عمولات مرتفعة وخسائر مالية مباشرة”.

وحذّرت من أن “هذه السيطرة تمثل تهديداً خطيراً للخصوصية والأمان الرقمي، إذ يشعر المستخدمون بالمراقبة، ما يقيّد حرية التعبير ويدفع البعض لاستخدام أدوات غير آمنة، الأمر الذي ساهم في تصاعد حالات الاختراق والابتزاز وانتحال الشخصية، خصوصاً بحق النساء والصحفيين والناشطين”.

وشددت المهندسة نور على أن الأثر امتد إلى الحياة اليومية، مع تعطل التعليم والعمل عن بُعد، وصعوبة التواصل مع العالم الخارجي، وتقييد الوصول إلى المعلومات.

وأشارت إلى أن الحكومة لم تنجح في نقل قطاع الاتصالات أو استعادة السيادة الرقمية بسبب استمرار سيطرة الحوثيين على البنية التحتية ومفاتيح الشبكة.

واعتبرت خالد ما يجري أزمة سيادة رقمية، داعية الحكومة إلى إنشاء بوابة إنترنت مستقلة، وبناء شبكة وطنية خارج سيطرة الحوثيين، وحماية البيانات والخدمات المالية، ضمن رؤية وطنية واضحة وقابلة للتنفيذ، يكون المواطن في صلب أولوياتها.

ثاني أكبر مورد للخزينة

يشكّل قطاع الاتصالات ركيزة أساسية لاقتصاد الحوثيين إذ أسهم بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2015–2018، ووفّر قرابة 29 ألف فرصة عمل.

وتشير تقديرات إلى أن إيرادات الاتصالات السنوية تتجاوز 150 مليون دولار، وبلغت نحو 280 مليون دولار في عام 2018، وسط فرض ضرائب ورسوم متعددة على الشركات والخدمات.

وتستحوذ جماعة الحوثي على معظم هذه الإيرادات، بما في ذلك تحويلات سنوية تُقدّر بنحو 98 مليار ريال يمني، ما فاقم اختلالات سوق الاتصالات وأضعف الموارد المالية للحكومة المعترف بها دولياً، وفق تقرير مركز النمو الدولي (IGC) لعام 2023.

في تصريح حديث، قال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية، معمر الإرياني إن جماعة الحوثي “تجني من قطاع الاتصالات نحو نصف مليار دولار سنوياً، بإجمالي يتجاوز 5 مليارات دولار منذ عام 2014، من قطاع يسهم بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي”.

وأوضح أن هذه الإيرادات تشمل 240 مليون دولار من خدمات الإنترنت، و180–220 مليون دولار من الاتصالات، إضافة إلى 50–80 مليون دولار من الضرائب والرسوم، في ظل قاعدة مشتركين تبلغ 17.7 مليون مستخدم للهاتف النقال، ونسبة استخدام للإنترنت عند المستوى ذاته من السكان.

الرئة الاقتصادية والأمنية

بحسب الخبير الاقتصادي وفيق صالح، فإن قطاع الاتصالات في اليمن يمثل “الرئة الاقتصادية والأمنية” التي تتغذى منها جماعة الحوثي لإطالة أمد الحرب، مشيراً إلى أن الجماعة تجني منه إيرادات سنوية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار.

وأوضح صالح لـ”يمن ديلي نيوز” أن “هذه العوائد تشمل أرباح الشركات الحكومية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، والضرائب المرتفعة، ورسوم التراخيص”.

وأضاف: جماعة الحوثي تفرض ضرائب تصل إلى 50% على شركات الهاتف النقال، إضافة إلى استخدام خدمات الرسائل النصية القصيرة (SMS) في التحشيد العسكري وجمع التبرعات القسرية.

وبيّن أن هذه الإيرادات تُسخّر لتمويل العمليات العسكرية وتطوير الطائرات المسيّرة، بدلاً من توجيهها لصرف رواتب الموظفين أو تحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.

ويضيف: قطاع الاتصالات، قبل انقلاب الحوثيين، كان ثاني أكبر مورد للخزينة العامة بعد النفط والغاز، ومحركاً رئيسياً لقطاعات التجارة والمصارف، وقناة أساسية لتدفق العملات الصعبة ورسوم الربط الدولي، وأن السيطرة عليه تعني التحكم بجزء كبير من الدورة المالية للبلاد.

ويرى صالح أن إنشاء الحكومة شبكة اتصالات آمنة ومستقلة، ونقل مراكز التحكم والسيطرة المالية إلى المحافظات المحررة، سيُمكّن الدولة من استعادة الموارد المنهوبة، وضمان توريد العائدات إلى البنك المركزي، بما يسهم في استقرار العملة وصرف الرواتب.

كما أشار إلى أن “تحرير قطاع الاتصالات من الهيمنة الحوثية سيساعد على جذب الاستثمارات، عبر توفير إنترنت عالي السرعة وتقنيات حديثة مثل 4G و5G وخدمات الأقمار الصناعية، ما ينعش قطاع الخدمات المالية الرقمية”.

وختم بالقول إن “كسر الاحتكار الحوثي سيؤدي إلى خفض التكاليف الباهظة التي تفرضها الجماعة حالياً على خدمات الإنترنت، والتي تصل إلى نحو 10% من دخل الفرد مقابل خدمات أساسية”، مؤكداً أن المنافسة وحدها كفيلة بتحسين الجودة وتخفيف العبء عن المواطنين.

أداة لإسكات الأصوات

لا تتوقف مخاطر الهيمنة على الاتصالات عند الجوانب الاقتصادية والأمنية، بل امتدت لتحويل الشبكة إلى أداة استخباراتية تُستخدم لقمع الصحفيين، وحجب المعلومات، وملاحقة الأصوات المخالفة، في واحدة من أخطر بيئات العمل الإعلامي في المنطقة.

وفي سياق متصل، قال مسؤول الحقوق والحريات في نقابة الصحفيين في تعز “زكريا الكمالي” إن سيطرة الحوثيين على قطاع الاتصالات والإنترنت منحتهم “هيمنة شبه مطلقة على الحريات الصحفية”.

وأضاف في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” أن الأمر لم يعد يقتصر على حجب المعلومة، بل على تحويل هذا القطاع الحيوي إلى أداة للتجسس والملاحقة والقمع.

وأشار إلى أن النقابة رصدت حجب أكثر من 200 وسيلة إعلامية إلكترونية، محلية وعربية ودولية، خلال السنوات العشر الماضية، إضافة إلى مواقع تابعة لمؤسسات حقوقية ومهنية، بهدف تغييب الحقيقة وفرض رواية أحادية على الجمهور اليمني.

وقال إن تحكم الحوثيين ببوابة الإنترنت جعل بيئة العمل الصحفي داخل مناطق سيطرتهم محفوفة بالمخاطر، حيث تعرض صحفيون معارضون لعمليات اختراق لبياناتهم الخاصة، أو تم تعقبهم جغرافياً عبر الشبكة، والقبض عليهم، أو ابتزازهم باستخدام محتوى حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي.

وأضاف: محاولات بعض الصحفيين حماية أنفسهم عبر استخدام أرقام هواتف خارجية لم تكن كافية، في ظل استمرار مرور الاتصالات والإنترنت عبر بنية خاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء، ما يجعل الجميع عرضة للانتهاكات الرقمية، ويقوّض أي هامش آمن للعمل الصحفي.

وشدد الكمالي على أن استمرار هذا الوضع يشكل تهديداً مباشراً لحرية الصحافة، وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومة، ويضاعف من مسؤولية الحكومة في استعادة السيادة الرقمية، وحماية الصحفيين من الملاحقة والابتزاز الرقمي.

أمام الحكومة

تكشف الوقائع والشهادات والبيانات الواردة في التقرير أن أزمة الاتصالات في اليمن لم تعد مسألة تقنية أو خدمية، بل تحوّلت إلى أزمة سيادة وحقوق وأمن واقتصاد، يدفع المواطن ثمنها يوميًا من دخله المحدود ومن حريته وخصوصيته.

فبين احتكار البنية التحتية، وتوظيف الشبكة كأداة رقابة وتجسس، واستنزاف الموارد لصالح الحرب، يجد اليمنيون أنفسهم عالقين في شبكة مغلقة تُدار خارج أي معايير للحماية أو الشفافية أو المساءلة.

هنا تتجه الأنظار نحو الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني: ما الذي ستقدمه لإنقاذ المواطن اليمني من هذا الثمن الباهظ الذي يدفعه مرتين؟ وهل ستتعامل مع الاتصالات بوصفها حقًا أساسيًا وبنية سيادية لا تحتمل التأجيل، أم سيبقى هذا الملف الحيوي رهينة للصراع، على حساب أمن اليمنيين الرقمي ومستقبلهم؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading