قصص صحفيةالأخبار

الإيجارات في مأرب تثقل النازحين وتضاعف مشقة النزوح (قصص معاناة)

قصص معاناة جمعها لـ”يمن ديلي نيوز” – إسحاق الحميري: يتجه المؤجرون في محافظة مأرب (شمال شرق اليمن) مع بداية كل عام ميلادي جديد لفرض إيجارات جديدة على المستأجرين – أغلبهم من النازحين – حيث تلقى “يمن ديلي نيوز” العديد من البلاغات من مستأجرين تشير إلى تلقيهم إشعارات برفع نسبة الإيجار مع بداية العام الجديد 2024.

وخلال السنوات الأخيرة شكا المستأجرون في مأرب من قيام المؤجرين بفرض شروط جديدة خلافا لما كان سائدا ، من بينها إحضار ضمانة تجارية، ودفع إيجارات مقدمة تصل أحيانا إلى 6 أشهر، واشتراط دفع الإيجارات بالعملة الصعبة (سعودي – دولار).

ورغم محاولة السلطات المحلية في محافظة مأرب التفاعل مع شكاوى المؤجرين بمنع الرفع بأكثر من 10 في المائة، إلا أن تلك الاجراءات لم تلق طريقها للتنفيذ نظرا لغياب قانون ينظم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، إضافة إلى اضطرار المستأجرين القبول باشتراطات المؤجرين خشية الصعوبة في الحصول على شقة بديلة.

وأمام الشكاوى المتزايدة من المستأجرين رصد “يمن ديلي نيوز” ثلاث قصص معاناة الأولى لأم أرمل قضى زوجها في جبهات القتال مع جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، تحدثت عن رحلة معاناتها بين الشقق بعد فقدان زوجها الذي كان يحمل عنها هم الإيجار.

والقصة الثانية لطالب جامعي اضطر لتوقيف دراسته الجامعية التي بدأها في 2018 ولم يكملها حتى اليوم بسبب عدم قدرته على الانتظام في دفع إيجار غرفته، في حين تتناول القصة الثالثة معاناة نازح اضطر لإخراج ابنه من المدرسة لمساعدته في دفع الإيجارات ومصاريف المنزل.

القصة الأولى

“أم عبدالرحمن” امرأة في العقد الرابع من العمر نزحت من محافظة تعز إلى مأرب مع أطفالها الأربعة للعيش مع زوجها الذي كان جنديا في أحد الألوية العسكرية في مأرب، حسب قولها.

تقول ”أم عبدالرحمن“ لـ ”يمن ديلي نيوز“: “نحمد الله على كل حال لكن الحياة تمشي بصعوبة خاصة بعد استشهاد زوجي الذي كان يحمل عني هم المتطلبات وأولها الإيجار، فأنا الآن وحيدة أعيل أطفالي وأحاول تعويضهم عن أبوهم”.

تضيف: “كنت مستأجرة بيت من غرفتين وصالة وحمام، أطبخ في الصالة وكان الايجار 120 ألف، وبعد استشهاد زوجي زادت المعاناة، وأصبح توفير الإيجار صعب جداً رجعت بحثت عن بيت أصغر من الأولى”.

وتابعت: “البيت الجديد مكون من غرفة وحمام وصالة بسعر 80 ألف ريال، وأنا لا أملك سوى راتب زوجي، وبعض المساعدات التي أحصل عليها وهي لا تكفي”.

ووفقا لـ “أم عبدالرحمن” التي تحدثت لـ”يمن ديلي نيوز” فرض عليها المؤجر الذي انتقلت للسكن في منزله إيجار 4 أشهر مقدما وضمانة تجارية وقامت بتوفيرها بمساعدة ناس طيبين – كما قالت.

لم تمكث “أم عبدالرحمن” طويلا في السكن الجديد، فبعد عام وجدت نفسها مضطرة للمغادرة نظرا لعدم قدرتها على دفع الإيجار لأسباب عدة من بينها مرض ابنتها التي تعاني منذ ولادتها من شلل وصعوبة في التحرك والكلام”.

وأردفت “أم عبدالرحمن”، والألم يعتصرها: ”آه ليت الموت يأتي.. لم أعد أُريد العيش”.

اضطرت “أم عبدالرحمن” للخروج من البيت والعيش في خيمة لمدة تسعة أشهر، عانت فيها معاناة “كبيرة” في توفير الأكل والشرب ومنح أبنائهم حقهم في التعليم ومعالجة طفلتها الصغيرة.

تضيف: “الحياة قاسية والنزوح متعب وأصحاب الإيجارات زادوا على معاناتي معاناة واستشهاد زوجي كان مؤلم لي وعشت بكل هذه المعاناة لأجل أبنائي”.

  • “أم عبدالرحمن” أرمل في الأربعين من العمر قضى زوجها في جبهات القتال مع جماعة الحوثي، اضطرت لمغادرة شقتها التي كانت تعيشها بإيجار شهري 120 ألف ريال بعد استشهاد زوجها والبحث عن غرفة صغيرة بـ80 ألف ريال لكنها عجزت عن دفع المبلغ لتغادر مرة ثالثة إلى خيمة بأحد المخيمات.

القصة الثانية

وفي قصة معاناة أخرى سببها الرئيسي الايجارات المرتفعة، الطالب الجامعي “نجم يعيش” نزح إلى مأرب في منتصف العام 2015 بعد اجتياح جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا للعاصمة صنعاء وسيطرتها على مؤسسات الدولية، حيث مثل الايجارات المرتفعة السبب الأول لتوقيفه الدراسة الجامعية عدة مرات”.

يقول “نجم” لـ ”يمن ديلي نيوز”: “كنت أسكن في غرفة بإيجار 30 ألف ريال ولكن للأسف بعد فترة أراد المؤجر أن يرفع الإيجار، الأمر الذي جعلني أتوقف عن الجامعة في نهاية العام الأول من الدراسة، وكان ذلك في 2018”.

وتابع: “بحثت بعدها عن غرفة أخرى ولكن البحث أتعبني فلم أستطيع الحصول على غرفه مناسبة لدخلي مما جعلني أوقف سنة أخرى عن الجامعة وأعيش في حالة تشرد حقيقي”.

استمر “نجم” في مسلسل المعاناة، وهو الذي لا يملك أي دخل سوى راتبه كجندي، والذي يصرف بين فترة وأخرى، حتى حصل على غرفة في بداية عام 2021، ليستأنف دراسته الجامعية، حسب قوله.

لكن “نجم” مالبث كثيرا حتى أوقف دراسته، بعد أن أتاه صاحب الغرفة وطالبه بإيجار أربعة أشهر متأخرة، وتخييره بين السداد أو الخروج، فاختار الخروج، وفقا لرواية “نجم” لـ”يمن ديلي نيوز“.

تنهد “نجم”، وأضاف: “أصبحت أنظر إلى نفسي أنني فاشل للمرة الثالثة أتوقف عن الدراسة والسبب يعود إلى الإيجار، وجشع المؤجرين، والوضع الذي أعيشه”.

يواصل “نجم يعيش”، في سرد معاناته لـ ”يمن ديلي نيوز“: “بعد تعب وفي منتصف العام الماضي حصلت على غرفة صغيرة وحمام داخلي، ولكن الشروط الذي وضعها المؤجر كانت متعبة، حيث طلب مقدم أربعة أشهر وإيجار خمسة وثلاثون الف”.

ويضيف: “قبلت حتى أستطيع العودة للجامعة ومواصلة تعليمي والآن أدرس في الجامعة وأعيش في هذه الغرفة مع معاناة لا توصف، خصوصا في ظل توقف الرواتب، وللأسف خلال الثلاثة الأشهر الأخيرة رفع الإيجار إلى 40 الف ريال”.

“الوضع صعب والمعاناة كبيرة ولكن لديّ هدف هذه المرة.. سوف أواصل التعليم مهما كلفني الأمر، يختم “نجم” حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”.

  • “نجم يعيش” طالب في جامعة إقليم سبأ بدأ دراسته الجامعية في 2018 ، ولم يتخرج منها حتى اليوم، لأنه قام بتوقيف الدراسة أكثر من مرة بسبب عدم استقراره نتيجة تكاليف الإيجار المرتفعة، إلا أنه قرر هذا العام إكمال الدراسة الجامعية مهما كانت معاناته.

القصة الثالثة

إلى قصة معاناة ثالثة سببها الرفع المضطرد للإيجارات في مأرب، وبطلها النازح “عابد عبدالله” – إسم مستعار – والذي يعمل في إحدى مزارع مأرب.

وصل “عابد” إلى مأرب في منتصف العام 2020 وبدأ بالعمل في أحد المزارع، ثم قرر استقدام أسرته، وهنا بدأت قصة المعاناة، حد قوله.

يقول لـ ”يمن ديلي نيوز“: “بحثت عن سكن وكان متعب جداً، وبعد معاناة حصلت على بيت شعبي غرفتين وحمام ومطبخ وصالة صغيرة، ولكن بسعر يفوق راتبي“.

وذكر أن إيجار السكن الصغير الذي حصل عليه بصعوبة، بلغ 120 الف ريال بالإضافة إلى شروط تعجيزية من قبل المؤجر الذي طلب مقدم سته أشهر بالإضافة إلى ضمانة تجارية.

أجبر “عابد” على القبول بالمبلغ الكبير والشروط التعجيزية، ليسكن أسرته القادمة، كحل مؤقت حتى يبحث عن منزل أقل تكلفة.

ومع قدوم الأسرة، زادت المعاناة مع زيادة المصاريف والايجار والدراسة، التي قال “عابد“ إنها أرهقته كثيراً، ليقرر الخروج خارج المدينة وهناك حصل على بيت في “الحصون“ بمائة ألف ريال للشهر.

نقصت تكلفة الإيجار لكن المعاناة استمرت، كون السكن الجديد بعيد عن مكان عمل “عابد”، ليضطر للبحث عن عمل بديل، حتى وجد عملا في “بقالة” مقابل 150 الف ريال في الشهر.

يضيف عابد: “للأسف لم يكن الراتب يكفي، ولكن العمل قريب من البيت، اشتغلت فيه لمدة وبعدها قررت ترك إبني للعمل فيها، وأنا بحثت عن عمل جديد واشتغلت في إحدى المزارع كي أستطيع توفير الاحتياجات الأساسية في ظل الغلاء المستمر”.

المؤلم أكثر وفق “عابد” أن ترى إبنك يترك التعليم أو يقصر في تعلميه كي يساعدك .. أصبح الهم الأكبر هو توفير الحياة وتوفير الايجار حتى لا نُرمى في العراء”.

  • “عبدالله عابد” وصل إلى مأرب منتصف العام 2020 وقام بنقل أسرته بعد أن حصل على سكن صغير بـ 120 ألف، ونظرا لأن راتبه لايكفي لدفع الإيجار اضطر للانتقال إلى مديرية الوادي وهناك استأجر شقة أخرى بـ 100 ألف ريال، ومرة أخرى لم يتمكن من توفير المصاريف الكافية فاضطر لإخراج إبنه من المدرسة ليسانده في توفير تكاليف المعيشة.

محافظة النازحين

وتحتضن محافظة مأرب 2 مليون و 274 ألف و598 نازحا يتوزعون على 197 مخيما، ويشكلون 73 في المائة من إجمالي النازحين على مستوى الجمهورية اليمنية، وفق تقرير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في عدن للعام 2022م.

وطبقا للإحصائية التي اطلع عليها “يمن ديلي نيوز” فإن أكثر من 70 من النازحين في مأرب يعيشون خارج المخيمات بعدد 232 ألف و231 أسرة نازحة في حين تعيش 55 ألف و991 أسرة في مخيمات النزوح البالغة 198 مخيم نزوح.

يشار إلى أن محافظة مأرب استقبلت منذُ بداية الحرب في العام 2014م أكثر من 63% من إجمالي النازحين في عموم محافظات الجمهورية، حيث يعيشون أوضاع صعبة إنسانيًا وإغاثيًا. بحسب تقارير حكومية.

وشكّل النزوح فرارا من انتهاكات جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا ضغطا كبيرا على المحافظة ذات البنية التحتية الهشة، التي كانت معدة لـ350 ألف نسمة فقط من السكان.

وأدى النزوح الكبير إلى مأرب إلى ارتفاع أسعار العقار بشكل غير مسبوق وارتفع الطلب على شقق السكن، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير جدا، ساهم في ذلك تذبذب أسعار صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية وفق مايقوله المؤجرون.

لكن المستأجرين يطرحون تساؤلات هامة على السلطة المحلية في محافظة مأرب ودورها في إيقاف ما قالوا إنه حالة عبث يتعرضون لها من قبل المؤجرين، من ضمنها قيامهم بالرفع بشكل سنوي وكأنه بات لزاما مع بداية كل عام رفع الإيجار.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading