يوم اللغة المهرية.. محاولة لحفظ ثلاثة آلاف عام من الإندثار

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: يصادف اليوم الإثنين 2 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2013م “يوم اللغة المهرية” كلغة محلية مهمة جدًا في الهوية المهرية العريقة بشكلٍ خاص واليمن بشكل عام، وسط محاولات وجهود تُبذل للحفاظ عليها من الإندثار بفعل الصراعات القائمة المؤثرة على بقائها وغياب دور الحكومة في الإهتمام بها.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن اللغة المهرية تحتوي على جميع الحروف الأبجدية العربية، بالإضافة إلى ثلاثة أحرف أخرى، وهي حروف تنطق ولا تكتب مثل (ش، س، ض، ق) لاعتبارها من الأحرف الجانبية التي تنطق بين حافة اللسان وفكي الفم.
ويتجاوز عمر اللغة المهرية الـ(3000 عام)، وتعتبر أحد أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويقدر عدد الناطقين بها 193 ألف نسمة يتوزعون على محافظة المهرة، وأجزاء من غرب عمان، وجنوب السعودية وصحراء الربع الخالي.
وتواجه اللغة “المهرية” مخاطر الإندثار، وتراجع المتحدثين بها بشكل مستمر نتيجة عوامل عدة من أبرزها الإهمال الحكومي، وغياب إهتمام المنظمات المعنية، سواءً على المستوى المحلي اليمني، أو من المنظمات الدولية، وفق مايقوله باحثون.
ويبقى وفق المراقبين، غياب الإهتمام الحكومي سابقًا وحاليًا بتوثيق هذه اللغة أو الحفاظ عليها، أحد عوامل تهديد اللغة المهرية بالإندثار، إضافة إلى واقع الحروب والصراعات التي دخلت كعامل آخر من شأنه يضعف من مساحة المتحدثين بها.
تآكل اللغة المهرية
وبالرغم من غناها الثقافي والأدبي، تصنف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو” اللغة المهرية على أنها “بالتأكيد لغة مهددة بالإنقراض”، مما يعني أنه لم يعد يتعلّمها الأطفال كلغةٍ أم في أوطانهم.
وعلى غرار مصير بعض اللغات القديمة التي استنزفت بفعل “الحداثة”، تعرضت لغة وثقافة المهرة للخطر في المقام الأول، بسبب التغيّر الإجتماعي الناجم عن عامل التحضر، وذلك بحسب ما أكدته دراسةٌ أجرتها “جانيت واتسون”، وهي رئيسة قسم اللغة بجامعة ليدز والباحث العماني عبدالله المهري.
وتوضح الدراسة أنه وبما أن اللغة المهرية تفتقر إلى أي نوعٍ من النصوص المكتوبة، فإن التعليم الحديث يتم كله باللغة العربية، وهكذا فإن محو الأمية في الكتابة العربية واستخدام اللغة العربية باعتبارها اللغة المشتركة في المنطقة كلها عوامل ساهمت في تآكل مكانة اللغة المهرية.
لوحة “كايبورد”
وعمل عديد باحثون، وفقًا لبيانات سابقة لـ”مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث” الذي تم تأسيسه في العام 2017م، على إنشاء نظام كتابي للغة المهرية وتصميم لوحة مفاتيح (كيبورد) خاصة باللغة المهرية وأحرفها ليتم تثبيته على الحاسبات الإلكترونية حتى يكون في متناول الجميع.

ويعكف المركز حاليًا على تصميم لوحة كيبورد للهواتف المحمولة على غرار لوحة المفاتيح التي سبق ذكرها سالفاً، وكذلك إصدار منشورات ودوريات وكتب يتبناها وينفذها والإعداد لورش عمل ومؤتمرات وندوات علمية محلية ودولية حيث يجرى الترتيب لها حاليًا، إضافة إلى السعي لإصدار مجلة متخصصة في الأبحاث العلمية واللغوية والإنسانية وغيرها من الأفكار والرؤى التي سيقوم بتنفيذها المركز وسترى النور قريبًا.
المهرة تحتفي
وفي محاولة للتذكير باللغة المهرية وأهمية الحفاظ عليها، تم تخصيص يوم سنوي لها يصادف 2 أكتوبر/تشرين من كل عام، وجاءت فكرته في العام 2017م عندما أسس باحثون “مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث” بهدف الحفاظ عليها، ومقارنتها بباقي اللغات، وإيجاد إصدارات متنوعة تثري المكتبات العامة.

وفي تاريخ 2 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2020م احتفل أبناء المهرة، بالذكرى الرابعة لإنشاء مركز اللغة المهرية، وأعلنوا تحديد الموعد ذاته مناسبة سنوية للاحتفال بلغتهم.
وشهدت مدينة “الغيضة” عاصمة محافظة المهرة (شرق اليمن) اليوم الإثنين تدشين السلطة المحلية بالمحافظة فعاليات الاحتفاء بـ”يوم اللغة المهرية” التي ينظمها على مدى يومين مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث في (جامعة المهرة)، بالتعاون مع مكتب التربية والتعليم في المحافظة، وذلك تحت شعار “اللغة المهرية إرث نصونه لأجيالنا”.

محافظ محافظة المهرة “محمد علي ياسر” أكد خلال التدشين على أهمية الاحتفال بيوم اللغة المهرية، كلغة تاريخية أصيلة، أعتبرها “محل فخر وإعتزاز وتحظى باهتمام من قبل مختلف الجامعات والمراكز البحثية على مستوى العالم” داعيًا الآباء والأمهات إلى ضرورة تعليم أبناءهم اللغة المهرية في البيوت للحفاظ عليها من الإندثار.
وأشار إلى أهمية الشعر في اللغة المهرية، والذي قال إنه “يوجد فيه كل أغراض شعر الغزل، المدح، الهجاء، الرثاء، والفخر، الحماسة، الحكمة، وغيرها”، مستدلاً على ذلك بعدد من القصائد التي قيلت باللغة المهرية.

ومع تدشين فعاليات الاحتفاء بـ”يوم اللغة المهرية” فقد ألقى رئيس جامعة المهرة، الدكتور أنور كلشات، كلمة باللغة المهرية، أشار فيها إلى إن “اللغة تعتبر هوية لكل أبناء المهرة والاحتفال بها والمساعدة في نشرها ليست حكراً على أحد” كاشفًا عن دعم مقدم ومستمر من قبل السلطة المحلية لمركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث للحفاظ عليها ونشر الأبحاث العلمية عنها.
وأوضح الأمين العام لمركز اللغة المهرية، عبدالعزيز جعفر، أن المركز سينظم فعاليات متنوعة احتفاءً بهذه المناسبة لتعزيز الحفاظ على اللغة المهرية، والاهتمام بها، لافتًا إلى أهمية انضمام مركز اللغة المهرية إلى جامعة المهرة كمؤسسة بحثية رسمية تهتم بتوعية الإنسان المهري بتراثه وتاريخه والحفاظ عليه وتنميته وتطويره.
اهتمام واسع
وشهد “يوم اللغة المهرية” اهتمامًا رسميًا وشعبيًا واسعًا على التواصل الاجتماعي، حيث قال عضو مجلس القيادة الرئاسي “عبدالله العليمي” في تدوينة له على منصة “إكس”، رصدها “يمن ديلي نيوز”، إن اللغة المهرية وغيرها من اللغات اليمنية الأخرى تكشف “ثراءً ثقافياً وتنوعاً حضارياً ولغوياً نعتز ونفتخر به كونه يمثل التنوع الحضاري المجتمعي للوطن”.
أما رئيس مجلس الوزراء “معين عبدالملك” الذي كتب تدوينة باللغة المهرية قال فيها: “حوم لامير هامهره كل سنيت وتيم بخير وهثقم هرجتكم و تراثكم ونهه احكومت وقيا بطرفكم وناتزيزن بميثور ذمهره لان ذومه جزو من ميثور وتاريخ ذليمن”.
والتغريدة تعني باللغة العربية: “يسعدنا أن نشارككم الاحتفال بهذا اليوم النابض بالجمال”، حاثًا رئيس مجلس الوزراء، أبناء المحافظة الشرقية لليمن “على الحفاظ على لغتكم وتراثكم”.
وأكد “معين عبدالملك” في تدوينته التي رصدها “يمن ديلي” العمل كحكومة على اتخاذ ما يلزم للحفاظ على اللغة المهرية من الإندثار، مؤكدًا الافتخار بهذا الموروث الأصيل الذي اعتبره “جزء من تاريخ وتراث اليمن”.
وزير الإعلام والثقافة والسياحة “معمر الإرياني” أكتفى في تدوينة على منصة “إكس”، شارك فيها البعض من الكلمات المهرية بهذه المناسبة بالقول “المهرة هي بوابة اليمن الشرقية، والمهرية لغة قديمة يتجاوز عمرها 3000 عام، وهي مصدر فخر واعتزاز لكل أهل اليمن”.
في السياق، قال مستشار وزير الإعلام “مختار الرحبي” في تدوينة على منصة “إكس” إن المهرة تتميز عن غيرها “بتراث وحضارة عريقة، إضافة إلى لغة تميزها عن غيرها” مؤكدًا مع هذه المناسبة على ضرورة الإهتمام باللغة المهرية ودعم مراكز الاهتمام بها.
وأضاف “الرحبي”: محافظة المهرة جمعت كل أبناء الوطن، بدون أي عنصرية، أو مناطقية، لذلك على جميع أبناء اليمن الاحتفاء بهذا اليوم المميز.



