بحر يطحن خلف الأسماء اليمنية.. كيف التهمت الطواحين الإماراتية سردين السواحل الشرقية؟ (تحقيق استقصائي)

- تحقيق استقصائي أعده الصحفي – محمد حفيظ:
- أنتج التحقيق بتمويل ودعم من مركز بوليتزر
في السواحل اليمنية الشرقية الممتدة، لا يُسمع صوت البحر بقدر ما تُسمع صرخاته… شباك عملاقة وأدوات صيد مدمّرة تجرف كل ما يعترض طريقها، لا تفرّق بين صغير وكبير، ليلًا ونهارًا، وتسوق آلاف الأطنان من الأسماك إلى مصانع طحن السمك التي شُيّدت على عجل فوق أرض يمنية وبأسماء يمنية، فيما تعود ملكيتها الحقيقية لمستثمرين غير يمنيين.
هذه المصانع لا تبتلع الأسماك فقط، بل تختنق بفعلها أرزاق آلاف الصيادين، وتختفي أسراب السردين التي كانت يومًا شريان حياة لمدن الساحل، وغذاءً رئيسيًا للأحياء البحرية التي باتت مهددة بالتصحر.
يقاوم الصياد محمد خيبات الأمل التي يتلقاها من بحر واسع كان يومًا ملاذه لتوفير قوت أطفاله الخمسة.
يقول لـ “يمن ديلي نيوز”: إنه يواصل المحاولة رغم الديون المتراكمة مع كل رحلة صيد جديدة، على أمل أن يحظى بكمية من السردين مع بداية موسمه، الذي كان الصيادون يعولون عليه لقضاء ديون عام 2025، قبل أن يتبدد هذا الأمل مع استمرار التراجع الحاد في الكميات المصطادة.
عبدالله علي، بحار محترف بخبرة تتجاوز عشرين عامًا، كان منهمكًا في إعادة حياكة شبكة الصيد استعدادًا لرحلة جديدة، حين قال بصوت مبحوح إن البحر أصبح خاليًا من السردين بسبب عمليات الجرف التي تذهب مباشرة إلى مصانع الطحن.
يوضح علي أن الصيادين الذين يستخدمون شباكًا سلكية ضيقة – تُعرف محليًا باسم “الشرطوان” – يعتمدون عليها لأن صيدهم يُباع لمصانع الطحن المنتشرة على طول الشريط الساحلي من المهرة إلى المكلا، إذ لا تفرّق هذه المصانع بين أنواع الأسماك أو أحجامها، بل تهتم فقط بكمية السمك الواصلة إليها.
ويضيف علي لـ”يمن ديلي نيوز”: “نحن متضررون ومرهقون. كنا نخرج سابقًا بكميات كافية من السلمون، أما اليوم فنعود أحيانًا دون سردينة واحدة نطعم بها أطفالنا”.
ويشير إلى أن العائد المادي المرتفع دفع كثيرًا من الصيادين، بمن فيهم أبناؤه، إلى التخلي عن الصيد التقليدي والتحول إلى الصيد بالجرف وبيع إنتاجهم اليومي لمصانع الطحن، مطالبًا برقابة حقيقية لمنع الصيد الجائر والمخالف لقوانين الصيد اليمنية.
استنزاف مخزون السمك
من جانبه، يؤكد رئيس هيئة أبحاث علوم البحار في المكلا، صبري الأجرب، أن مؤشرات استنزاف المخزون السمكي، وبشكل خاص السردين، بدأت تظهر بوضوح خلال الأعوام الخمسة الماضية، بالتزامن مع افتتاح مصانع طحن الأسماك.
ويقول الأجرب إن الهيئة، وبناءً على شكاوى صيادين ومواطنين، أجرت دراسات علمية ورفعتها إلى وزارة الثروة السمكية، نتج عنها توجيه وزاري صريح بعدم منح تراخيص جديدة لمصانع الطحن.
ويضيف في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”: أن هناك تجاوزات قانونية أدت إلى تزايد أعداد مصانع طحن الأسماك، وبالتالي تفاقم الضرر على السردين الذي يمثل أحد الركائز البيئية والغذائية في البحر.
قضية مصانع الطحن وتأثيرها السلبي على المخزون السمكي وعلى السلسلة الغذائية البحرية في اليمن تتطلب بحسب الاجرب تحقيقًا عاجلًا في محافظة حضرموت والمهرة، ورفع مستوى الوعي لدى الرأي العام وصناع القرار للحفاظ على هذا المورد الاستراتيجي ومنع استنزافها.
البيانات والمؤشرات الميدانية التي جمعتها هيئة علوم البحار خلال السنوات الأخيرة تشير جميعها إلى تراجع واضح في إنتاجية عدة أنواع من الأسماك، وخاصة السردين.
والعامل الأبرز في تراجع المخزون السمكي يتمثل في الأنشطة البشرية، وغياب الرقابة الفاعلة على أدوات وأساليب الاصطياد، بما في ذلك استخدام شباك غير قانونية مثل “شباك الإسرائيلي”(تسمى محليا بالشرطوانات) المحظورة دوليًا، والتي تدخل إلى البلاد وتستخدم رغم أضرارها الجسيمة على الشعب المرجانية والأحياء البحرية.
كما أن أدوات الصيد الصناعي، التي يفترض استخدامها في أعماق البحر ضمن مناطق الصيد الصناعي، أصبحت تستخدم اليوم في مناطق الصيد التقليدي والساحلي، وهو ما تسبب بجرف القاع وتدمير موائل الأسماك في المهرة والشحر، وأدى إلى صيد عرضي كبير يشمل أعدادًا ضخمة من الأسماك الصغيرة غير الناضجة، التي تُحول مباشرة إلى مصانع الطحن، مما يهدد استدامة المخزون بشكل خطير بحسب الاجرب.
ورصدت هيئة أبحاث علوم البحار بحسب الاجرب ممارسات شديدة الخطورة مثل الصيد بالتفجير، والصيد باستخدام الأكسجين أو الإضاءة القوية ليلا، وهذه أساليب محرمة دوليا وتدمّر البيئة البحرية بشكل لا رجعة فيه، وقد تم تسجيلها فعليا في مناطق مثل بير علي بمحافظة شبوة جنوب شرق اليمن وغرب المكلا و في محافظة المهرة شرق البلاد.
حيث تؤثر أساليب الصيد تلك على البيئة البحرية وتدمر وموائل الأسماك وتطردها من بيئتها لتبحث عن بيئة أكثر أمانا وتبني من جديد حيتها وهذا يهدد استدامة البيئة البحرية ويهدد حياة الصيادين المعتمدين على الصيد في حياتهم.
مؤشرات التراجع
تشير البيانات التي جمعتها الهيئة خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع واضح في إنتاجية عدة أنواع سمكية، ويُعد العامل البشري وغياب الرقابة الفاعلة على أدوات وأساليب الاصطياد العامل الأبرز في هذا التراجع.
ويشرح الأجرب أن استخدام شباك محظورة دوليًا، مثل “الشرطوان”، إلى جانب أدوات الصيد الصناعي في مناطق الصيد التقليدي والساحلي، أدى إلى جرف القاع وتدمير موائل الأسماك في مناطق المهرة والشحر، وتسبب في صيد عرضي هائل يشمل أعدادًا كبيرة من الأسماك الصغيرة غير الناضجة، التي تُحوّل مباشرة إلى مصانع الطحن.
ورصدت هيئة أبحاث علوم البحار ممارسات شديدة الخطورة، من بينها الصيد بالتفجير، والصيد باستخدام الأكسجين أو الإضاءة القوية ليلًا، وهي أساليب محرّمة دوليًا وتدمّر البيئة البحرية بشكل لا رجعة فيه.
وسُجلت هذه الممارسات فعليًا في مناطق مثل بير علي بمحافظة شبوة، وغرب المكلا، ومحافظة المهرة. ويحذر الأجرب من أن هذه الأساليب تطرد الأسماك من بيئاتها الطبيعية وتجبرها على البحث عن موائل أكثر أمانًا، ما يهدد استدامة البيئة البحرية وحياة الصيادين المعتمدين عليها.

حصل “يمن ديلي نيوز” على نسخة من تقرير بحثي أعدّه باحثون في هيئة أبحاث علوم البحار، بينهم مدير الهيئة صبري الأجرب، في سبتمبر/أيلول 2021، وسُلّم رسميًا إلى وزير الثروة السمكية في 3 سبتمبر 2022.
وأكد التقرير أن الانخفاض الحاد في كميات الأسماك المصطادة، وعلى رأسها السردين، يعود إلى الجرف العشوائي، وطحن الأسماك الطازجة، وتصديرها بفعل الطلب المتزايد والقيمة الشرائية العالية.
وأوصى التقرير بوقفٍ كلي وعاجل لجميع مصانع طحن السردين في اليمن، وقصر صيده على الاستهلاك المحلي نظرًا لتراجع الإنتاج واستنزاف المخزون السمكي.
وبناءً على هذه التوصيات، أصدر وزير الزراعة والثروة السمكية سالم السقطري في 28 سبتمبر 2022 قرارًا موجّهًا إلى محافظي المهرة وحضرموت، حصل معد التحقيق على نسخة منه، يقضي بإيقاف أي تسهيلات لإنشاء مصانع طحن الأسماك، بعد ملاحظة تزايد طلبات التراخيص، خصوصًا للسردين، نتيجة استغلال تسهيلات فروع هيئة الاستثمار تحت ذريعة تشجيع الاستثمار.
وأعقب ذلك قراراً إدارياً بتشكيل لجنة وزارية برئاسة وكيل وزارة الزراعة والثروة السمكية لقطاع الإنتاج والتسويق السمكي غازي لحمر، وعضوية خمسة خبراء ومسؤولين، للنزول الميداني إلى محافظتي حضرموت والمهرة، وتقييم مصانع الطحن القائمة.
لجنة وزارية: مخالفات جسيمة
نفذت اللجنة عملًا ميدانيًا خلال الفترة من 3 إلى 10 مارس 2024، وأصدرت تقريرًا مفصلًا حصل التحقيق على نسخة حصرية منه.
يكشف التقرير عن وجود 10 مصانع طحن في حضرموت والمهرة؛ ثلاثة منها أُنشئت أو طُلب ترخيصها قبل 2020، فيما أُنشئت ثمانية مصانع خلال عامي 2022 و2024. وأوضح أن سبعة مصانع تعمل حصريًا على طحن الأسماك واستخلاص دقيق وزيت السمك، دون أي وحدات إنتاجية أخرى، خلافًا لما هو مذكور في تراخيصها.

وبيّن التقرير أن صادرات مسحوق وزيت السمك تضاعفت بنحو سبعة أضعاف بين عامي 2019 و2023، حيث بلغت في 2023 أكثر من 14 مليون طن من طحين السمك مع قفزة كبيرة منذ 2021، رغم أن الطاقة الإنتاجية الإجمالية للمصانع تتجاوز 535 ألف طن سنويًا، وهو رقم يفوق إجمالي الإنتاج السنوي للأسماك في اليمن، ما اعتبرته اللجنة أمرًا غير مبرر ويهدد الموارد السمكية.
كما فند التقرير مبررات المصانع التي تزعم أن نشاطها يقتصر على طحن مخلفات الأسماك، مؤكدًا أن قدرتها اليومية تصل إلى 1800 طن خلال 24 ساعة، في حين أن مخلفات الأسماك الناتجة عن الطبخ والاستخلاص لا تتجاوز طنين يوميًا، ما يدفع المصانع لشراء الأسماك الطازجة مباشرة من الصيادين ومنصات الإنزال والصيادين الذي خلق هذا الاقبال على الاسماك الطازجة تنافس شديد بين الصيادين لاستخدام وسائل ممنوعة ومحرمة لجرف الاسماك بكميات كبيرة دون التفريق بين صغير او كبير.
قرارات متضادة
خلصت اللجنة الوزارية إلى أن استمرار عمل مصانع الطحن بقدراتها الحالية، دون دراسة أو تنظيم، سيؤدي إلى استنزاف وتصحر البيئة البحرية، وخسائر اقتصادية على المدى المتوسط، قد تصل إلى إفلاس هذه المصانع نفسها.
كما كشف التقييم الفني عن سبعة مصانع مخالفة لتراخيصها لعدم التزامها بطحن المخلفات فقط وعدم استكمال وحداتها الإنتاجية الأخرى.
وبناءً على توصيات اللجنة، أصدر رئيس الوزراء أحمد عوض بن مبارك في 31 يوليو 2024 توجيهًا بإيقاف مصانع الطحن في حضرموت والمهرة، تبعه قرار لوزير الزراعة في 13 أغسطس 2024 بوقف التراخيص الجديدة وإيقاف المصانع القائمة، مع السماح بتصدير المنتجات التي أُنتجت قبل القرار.
غير أن هذه القرارات قوبلت بضغوط من مستفيدين، لتصدر لاحقًا توجيهات متناقضة؛ إذ وجّه رئيس الوزراء في 24 نوفمبر 2024 بإعادة فتح مصانع الطحن مؤقتًا حتى نهاية موسم الصيد في أبريل 2025، استجابةً لمطالب وزارة الصناعة والغرفة التجارية وهيئة الاستثمار.
كما أصدر وزير الزراعة في 25 نوفمبر 2024 قرارًا مماثلًا باستئناف عمل المصانع بناءً على توجيه من نائب رئيس المجلس الرئاسي عيدروس الزبيدي، مع وضع آلية وضوابط للتشغيل.




إشكالية قانونية مفتوحة
يثير هذا التذبذب سؤالًا قانونيًا جوهريًا حول الجهة المخوّلة بإيقاف وتشغيل مصانع الطحن. إذ ينص القانون اليمني رقم (2) لسنة 2006 بشأن تنظيم صيد واستغلال الأحياء المائية على أن إقامة المنشآت السمكية، بما فيها مصانع تعليب وتحضير وطحن المنتجات السمكية، تخضع حصريًا لموافقة وزارة الثروة السمكية وبقرار من الوزير المختص، ما يضع قرارات إعادة التشغيل الصادرة عن جهات أخرى في دائرة الجدل القانوني.
السردين يعبر الحدود
خلال تتبع خيوط مصانع الطحن، توصل معد التحقيق إلى اسم “مهدي حسني” وهو إماراتي الجنسية، المدير التنفيذي لقسم التصنيع في مجموعة شركات حسني المسجلة في الامارات والعاملة في القطاع الغذائي البحري، على أنه يمتلك جميع مصانع الطحن الاسماك في المهرة وحضرموت.
تواصل معد التحقيق مع حسني وأجرى مقابلة هاتفية مسجلة معه بعد عدة محاولات، قال فيها إن ما يسمى “طحن أسماك” هو صناعة سمكية عالمية لإنتاج مسحوق يُستخدم في صناعات غذائية متعددة.
اعترف حسني بأن شركته تمتلك أربعة مصانع طحن في اليمن، تنتج نحو ثمانية آلاف طن سنويًا من دقيق السمك، وتطحن الأسماك الطازجة التي تُشترى من الأسواق.
غير أن التحقق الذي أجراه مُعدّ التحقيق في وثائق التراخيص والسجلات التجارية أظهر أن حسني لا يملك أي مصنع مسجل باسمه مباشرة، رغم امتلاكه حصصًا متفاوتة وسيطرته الفعلية على عمليات الإنتاج والتصدير، التي تتجه إلى شركات مرتبطة به في سلطنة عُمان والتي بدورها تتبع ملكيتها الى مجموعة شركات حسني المسجلة في الامارات.
استنزاف وتبعات
محليًا، أدى انتشار مصانع الطحن العشرة إلى استنزاف المخزون السمكي، وحرمان الصيادين من مصدر رزقهم، والإضرار بالاستثمارات المحلية في تصنيع الأسماك للاستهلاك البشري.
ويحذر صبري الأجرب من أن استمرار هذا النمط سيقود إلى تصحر بحري وخسائر بيئية واقتصادية جسيمة، مؤكدًا أن الثروة السمكية ملك وطني لكل اليمنيين، وأن البحر لم يعد يحتمل مزيدًا من العبث.
ومن جهته يقول أحمد عبدالله باصر وهو صياد بخبرة طويلة ورئيس جمعية الحسي للصيادين في حضرموت إن طريقة الصيد بالحوي (طريقة صيد بشباك كبيرة) ومصانع طحن الأسماك تتسببان في تدهور كبير للبيئة البحرية واستنزاف الثروة السمكية” فالحوي يجرف الأسماك الصغيرة مثل السردين والطبق والكمل، التي تُنقل مباشرة إلى مصانع الطحن المنتشرة، مما أدى إلى شح الأسماك وتراجع دخل الصيادين”.
ويشير باصر إلى أن استقبال مصانع الطحن للاسماك بكل احجامها وانواعها دون تمييز بل تعمل على شراء اي اسماك واي احجام أن ذلك شجع الصيادين على التهور اكثر في التحول الى الصيد بالجرف تلبية لطلب تلك المصانع، مؤكدا أنه رصد بنفسه نحو ثلاثين جريفاً تعمل لحسابها وتؤثر على رزق عشرات الآلاف من الصيادين في المكلا.
مؤكدا أن كميات الصيد تراجعت بشكل واضح، والصيادون بالكاد يحصلون على ما يسد حاجتهم، ولن يتعافى البحر إلا إذا تدخلت الدولة لحماية الثروة ومنع العبث بها من خلال التعاون مع الجمعيات السمكية والصيادين.
تبلغ عدد الجمعيات في حضرموت 30 جمعية تضم حوالي 26 ألف صياد بحسب إحصائيات فرع الهيئة العامة للمصائد السمكية بحضرموت، فكيف سيكون مستقبل البيئة والحياة البحرية وحياة الصيادين؟
- ساهم موقع “يمن ديلي نيوز” في مراجعة التحقيق والموافقة المسبقة على نشر الجوانب المتعلقة بتأثير مصانع الطحن على الجانب المحلي.



