ملخص كتابالأخبار

ملخص كتاب.. التركيبة الاجتماعية والنظام الإقطاعي في اليمن قبل ثورة 26 سبتمبر بعيون الروسية ”إيلينا جولوبوفسكايا“ (2)

إقرأ أيضا:

 

يمن ديلي نيوز – استعراض خاص: أفردت المؤرخة والباحثة الروسية إيلينا جولوبوفسكايا، الباب الثاني في كتابها “ثورة 26 سبتمبر في اليمن” لدراسة التركيب الاجتماعي للمجتمع اليمني قبل ثورة 26 سبتمبر 1962م.

وكان النمط الإقطاعي سائداً بعهد الإمامة. وقد نوّهت مجلة “إفريقيا جون” بأن “اليمن لا يزال في ستينيات القرن العشرين هو آخر بلدان العالم تحكمه سلطة مطلقة من كبار الإقطاعيين”.

بلغ عدد سكان اليمن، حينها، نحو 4.5 مليون نسمة، منهم 80-85% يمتهنون الزراعة والرعي. وتشكّل القبائل حوالي 85% من إجمالي السكان.

جذور الإقطاع

تطرقت الباحثة، إلى بداية ظهور الإمامة الزيدية في اليمن، وتحديداً في القرن التاسع الميلادي، بمنطقة صعدة، على يد مؤسسها الأول يحيى الرسي. وأصبحت سلالته، بما فيها أسرة حميد الدين، ترى أنها “وريثة للحضارة الحميرية”.

تقول الباحثة الروسية إن “الإمامة جمعت سلطة الأئمة الدينية والسياسية، التي حددت العلاقات الاجتماعية ونظمت الحياة الخاصة والعامة لليمنيين”. مضيفة أن حوالي 6 آلاف أسرة من السادة ممن ارتبطوا بالأئمة بقرابة الدم أو المصاهرة، استطاعوا “الادعاء بمقام ومنصب الإمام”.

وهؤلاء، وفق الباحثة، هم “كبار الإقطاعيين الذين يمثّلون ارستقراطية اليمن. وكان الإمام يعينهم في المناصب الدينية والحكومية الرفيعة. وكانوا يمثلون القمة الحاكمة والمتنفذة، والركيزة الاجتماعية للنظام الملكي وحاملي الأفكار الأكثر إغراقاً في الرجعية والجمود الديني”.

طبقية

تناولت أيضاً النظام الاجتماعي والطبقي حينها. ونقلت قول العطار، بوجود 6 طبقات وفئات اجتماعية بالمجتمع اليمني: السادة، شيوخ القبائل، التجار والحرفيون، الفلاحون، العبيد، الأخدام.

وترى الباحثة أن القول بتجانس فئة السادة أمر “غير واقعي”. موهة بظهور “عدم المساواة السياسية والمادية، بل وحتى الدينية” في أوساط هذه الفئة منتصف القرن العشرين.

مع تزايد السخط الشعبي، لجأ الأئمة لوسائل مختلفة للحفاظ على سلطتهم وتقويتها. ومنها دفع مساعدات سنوية للمشائخ والزواج من بنات كبار المشائخ. وكذا تعميم نظام الرهائن لقمع الحركات الانفصالية المنفردة للمشائخ”.

وحينها، قالت إن التركيب الاجتماعي لليمن اتسم “بطابع معقد؛ استوجبه اقتصاد البلاد متعدد الأنماط وتشابك العلاقات الطبقية والسلالية والعادات والتقاليد”.

الإمامة وإخضاع القبائل

ابتداء من العشرينات، انتهج “الإمام يحيى، سياسة إخضاع القبائل للسلطة المركزية”. وأصبح هو من يصادق على منصب الشيخ، وهو من يعين موظفين وحكام شرعيين في القبيلة.

ووفقاً للباحثة إيلينا جولوبوفسكايا، فإن “القبائل قاومت هذه السياسة، غير أن الكثير منها اعترفت بسلطة الإمام وخضعت لها أواخر العشرينيات”.

عملياً، كانت حياة القبائل تنظمها “القوانين والأعراف القبلية التي حافظت عليها بصرامة”. وقد “ساعد استقلال القبائل في الحفاظ على هذه القوانين والأعراف المتبعة منذ العصور الغابرة”.

وبداية القرن العشرين، حاول الإمام يحيى، تغيير هذه القوانين إلا أن محاولته “لم يكتب لها النجاح، إذ استمر المشايخ الذين عينهم بنشاطهم وفقاً للقوانين المحلية للقبائل”.

ووفقاً للمؤرخة الروسية، فقد حاولوا بذلك “إظهار عدم الرضا في أوساط أبناء قبائلهم من جهة، وتطلعوا إلى الاستقلال عن السلطة المركزية من جهة أخرى”.

سلطة إقطاعية

وعن ملكية الأرض، تقول الباحثة الروسية، إنها كانت “تحافظ على الملامح الإقطاعية”. فالإمام هو المالك الأعلى للأرض. ولم تنفصل أراضيه عن أراضي الدولة (بيت المال). وهو ما يوضح “السمة الأوتوقراطية للحكم، حيث جسّد الإمام الدولة بشخصه”.

وذكرت أربعة أنواع لملكية الأرض: الأملاك السعيدة، والملكية الخاصة، والوقف، الأراضي الجماعية.
والأملاك السعيدة، هي أراضي الإمام وأبنائه. وجزء منها الأراضي التي صادرها من خصومه السياسيين. فيما تضم الملكية الخاصة، أملاك الإقطاعيين والفلاحين الصغار.
ويذهب دخل أراضي الوقف المقدرة بنحو 12% من الأراضي المزروعة، إلى “يد الصفوة الدينية” ويشرف عليها عمال الإمام بكل المناطق ويجمعون محصولها من الفلاحين المستأجرين لها.

بحسب الباحثة الروسية الكثير من “السادة” كانوا في السنوات الأولى لقيام المملكة المتوكيلة لا يملكون الثروات التي امتلكوها خلال الأربعين سنة التي حكموا فيها البلاد. وكان الإمام يحيى نفسه حتى بداية حكمة لا يملك الكثير من الضياع”.

وتقول الباحثة إن أسرة حميد الدين، تمثّل “الفئة العليا من الملاك الإقطاعيين”. وقد امتلك الإمام أراض كثيرة في تهامة والجوف ومناطق صنعاء وتعز وإب وحجة وصعدة وغيرها.

السخرة

ويختلف أسلوب استغلال الأرض “باختلاف الملّاك”. فمثلاً كان الجنود يقومون بزراعة أراضي الإمام غير المؤجرة. كما كان الجنود يحرثون مزرعة الأمير البدر جنوب صنعاء، وكانت أدوات الحراثة والجرارات والمحروقات وأدوات العمل ووسائل الإنتاج من ممتلكات الدولة.

وبحسب الباحثة، فقد كان “يباع المحصول بالسعر الذي يحدده البدر، ولم يدفع مقابل العمل للعسكر، بزعم أنهم يستلمون مرتبات الخدمة العسكرية”.

وتضيف: كانت أراضي أعضاء الأسرة المالكة والوقف تحرث من قبل المزارعين تحت رقابة عمال الإمام. وعلى هذه القاعدة نظمت زراعة عائلة الإمام.

ووفقاً للباحثة فقد “استخدم هذا النظام في حراثة أراضي الملاك الإقطاعيين حتى قيام ثورة 26 سبتمبر. وهكذا انتشرت بشكل واسع السخرة التي يجب أن يكتوي الفلاحون والجنود بها على السواء”.

نهب جائر

كان الفلاحون يثقلون بالضرائب والإتاوات الجائرة ويجبرون على تسليمها وأدائها. ووفق الباحثة، فقد “رافق تحديد مقادير الزكاة وجبايتها جميع أنواع التعسف، إذ لم يسمح بتأخير دفع الضرائب.

واستعرضت أساليب الإمامة التصعيدية والقاسية لإجبار الفلاحين على دفع الزكاة، والتي رافقها “أنواع من الإرغام، وكمية كبيرة من الإتاوات المفروضة”. ومنها: التنافيذ، والبقايا والخطاط.

وفي التنافيذ، يتوجه عسكري أو أكثر إلى منزل الفلاح المتأخر عن الدفع ويفرض عليه توفير غذائهم ونفقات سفرهم وقد يبقون لفترة طويلة.

والبقايا، يبقى عسكري أو مجموعة بمنزل الفلاح حتى يسلم الزكاة، ويلزم بتوفير معيشتهم مدة بقائهم، ويدفع أجرتهم. وكان ذلك، وفق الباحثة، “مما يزيد تردي أوضاع الأسر الفلاحية”.

ويعد الخطاط، أعلى إجراء لانتزاع الضرائب من الفلاحين، إذ يعطي العسكر الفرصة لنهب القرية المتخلفة عن الدفع. ويقوم أصحاب البيوت بدفع النقود للعسكر وإعاشتهم.

وبعد أن يسلم الفلاح الضرائب للسلطة والإقطاعي والمرابي، يبقى دخله 2/10 من كل ما أنتجه.
ويصف باذيب، طرق الإمامة لتقدير وجباية الضرائب بأنها “شيئاً خارجاً على كل شريعة وكل عرف سليم أمراً لا يطاق بالنسبة للفلاحين الذين لم يكن أمامهم سوى الهروب من الأرض إلى الخارج أو الموت جوعاً”.

الإمام وطغمة السادة

جمع الإمام جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ونظر بمفردة بجميع المسائل الصغيرة والكبيرة. ومنذ 1918م وحتى قيام الثورة كان يشكّل الحكومة من أقربائه والمقربين.

وعن العلاقات الاجتماعية، تقول الباحثة: كان كثير ممن يدخلون ضمن طغمة السادة حتى قيام الثورة من كبار الإقطاعيين (ملاك الأراضي وكبار ممثلي البرجوازية التجارية والمرابين). وغالباً، كان الإمام يعين مسؤولي الألوية والقضاة من كبار الإقطاعيين. ويتولون جباية الضرائب للإمام.

يعد “الخطاط” أعلى إجراء لانتزاع الضرائب من الفلاحين، إذ يعطي العسكر الفرصة لنهب القرية المتخلفة عن الدفع. ويقوم أصحاب البيوت بدفع النقود للعسكر وإعاشتهم، وبعد أن يسلم الفلاح الضرائب للسلطة والإقطاعي والمرابي، يبقى دخله 2/10 من كل ما أنتجه.”

وتضيف: لم يكن في أيادي الاقطاعيين المراكز الاقتصادية فقط، بل وحياة البلاد السياسية وهم حاملو أكثر الأفكار رجعية وجحوداً دينياً. وكانوا معارضين لأي إصلاحات في الحياة اليمنية.

مضيفة أن الكثير منهم كانوا في السنوات الأولى لقيام المملكة المتوكيلة لا يملكون الثروات التي امتلكوها خلال الأربعين سنة التي حكموا فيها البلاد. وكان الإمام يحيى نفسه حتى بداية حكمة لا يملك الكثير من الضياع”.

إرهاصات الثورة

ومع تزايد السخط الشعبي، لجأ الأئمة لوسائل مختلفة للحفاظ على سلطتهم وتقويتها. ومنها دفع مساعدات سنوية للمشائخ والزواج من بنات كبار المشائخ. وكذا تعميم نظام الرهائن لقمع الحركات الانفصالية المنفردة للمشائخ”.

وحتى نهاية الخمسينات، بلغ عدد الرهائن نحو ألفي رهينة. وكانت نفقاتهم على حساب قبائلهم. وعاش معظمهم ظروفًا قاسية من ناحية الغذاء والملابس؛ فأصيب كثير منهم بأمراض مزمنة.

وأيضاً استخدم الإمام العداء بين القبائل. ووسع الإمام وأنصاره الخلافات القديمة بين القبائل، فحرضوا القبائل القوية منها على الضعيفة، وأشعلوا نيران الفتن بين مشائخ القبيلة الواحدة.

في السنوات الأخيرة للحكم الإمامي، تقول الباحثة: وجدت سياسة الإمام وطغمة السادة نفسها في تعارض كبير مع المتطلبات الحيوية للمجتمع اليمني. كما “أدى النظام الإقطاعي المحافظ عليه اصطناعياً في البلاد إلى استياء السواد الأعظم من سكان المجتمع اليمني”.

ولهذا تطلع “المجتمع اليمني إلى اجتثاث سلطة الأئمة الأوتوقراطية الإقطاعية وطغمة السادة، التي أعاقت تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأبقت البلاد في مستوى البلدان الأكثر تخلفاً”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة