أهم الاخبارالأخبارتقاريرسوشيل ميديا

ترندات جانبية تشعل مناطق الحكومة اليمنية مع اقتراب المعركة.. لماذا الآن؟

تقرير خاص – يمن ديلي نيوز: بالتزامن مع تصاعد الخطاب الرسمي للحكومة اليمنية بشأن الاستعداد لخوض “معركة ميدانية” ضد جماعة الحوثي المصنفة إرهابية، برز مشهد موازٍ على منصات التواصل الاجتماعي في المناطق الواقعة في نطاق الحكومة تمثل بموجات متلاحقة من الترندات التي تتصدر النقاش العام بصورة خاطفة.

ففي غضون أيام قليلة رصد “يمن ديلي نيوز” انجرار مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي إلى قضايا جانبية تم إثارتها، بعضها تم إحيائها من الارشيف، وبعضها بنيت على معلومات مزيفة، وأخرى عبارة عن قضايا لا توازي مستوى الوضع السائد الذي يشهد توتراً غير مسبوق للمشهد في اليمن منذ 2022.

آخر تلك القضايا ما أثير حول نشر الخطوط الجوية اليمنية تهنئة زواج لإحدى موظفيها، وقبلها تصريحات منسوبة لوزيرة الخارجية أفراح الزوبة، عن حديثها على السلام، وقبلها إحياء تقرير مضى عليه أربع سنوات يتحدث عن فساد وزارة التعليم العالي في الأعوام 2015 و 2021.

المثير هو انجرار العديد من المدونين الموالين للحكومة اليمنية إلى هذا الترندات وخوض النقاش فيها، الأمر الذي يثير تساؤلات حول تزامن هذه الترندات بهذا الإيقاع المتسارع في هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل يعكس انتشارها تفاعلًا طبيعيًا، أم أن بعض موجاتها تخضع لعمليات تضخيم منسقة تعيد ترتيب أولويات النقاش العام؟ ومن المستفيد منها؟

وفي محاولة للإجابة على هذه التساؤلات تحدث “يمن ديلي نيوز” إلى المختص في الأمن السيبراني” فهمي الباحث”، ورئيس منصة “مسند” لتحليل المعلومات المضللة “أحمد الأشول”، اللذان قدما قراءتين متكاملتين للسياق والآليات التي تتحكم في صناعة الترندات الرقمية.

بعض الترندات ليست عفوية

في البداية يقول المختص في الأمن السيبراني “فهمي الباحث”، إن منصات التواصل الاجتماعي صُممت أساسًا لتكافئ المحتوى الذي يثير الجدل أو يحفز التفاعل السريع.

ولذلك – بحسب ما أوضح الباحث – فإن أي قضية يمكن أن تتحول إلى ترند إذا حققت معدلات مرتفعة من التعليقات وإعادة النشر خلال فترة قصيرة.

ويضيف، في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”: اليمنيون يعيشون اليوم حالة ترقب واهتمام ومتابعة غير مسبوقة مع تصاعد الحديث عن تطورات سياسية وعسكرية واحتمالات تغير المشهد، وهو ما يجعل المستخدمين أكثر قابلية للتفاعل مع أي قضية جديدة، حتى وإن كانت بسيطة في ظاهرها.

ويضيف: “ولذلك فإن أي حدث بسيط قد يتحول إلى ترند بسهولة”.

جهود منظمة

لكن “الباحث” يؤكد أن هذا التفسير لا ينطبق على جميع الحالات “الترندات”، مشيرًا إلى وجود ما ماقال إنها “جهود منظمة” لإثارة الجدل حول بعض الملفات أو قضايا محددة بهدف تشتيت اهتمام المجتمع عن قضايا أكثر أهمية، أو التشكيك في أداء الحكومة الشرعية ومؤسساتها.

وبحسب الباحث، فإن السؤال لا يتعلق فقط بسبب انتشار قضية معينة، وإنما أيضًا بما يحدث للقضايا الأخرى في الوقت نفسه، موضحًا أن بعض الترندات تظهر بالتزامن مع قضايا تحرج جماعة الحوثي أو تركز عليها، فتسحب جزءًا كبيرًا من اهتمام المستخدمين.

ويضرب مثالًا بترند “أنا جاوع”، الذي حظي بتفاعل واسع خلال الفترة الماضية، قبل أن تظهر موجات أخرى من القضايا التي استحوذت على النقاش العام، معتبرًا أن هذه الآلية تؤدي عمليًا إلى إعادة توجيه اهتمام المجتمع بعيدًا عن القضية الأولى.

ويرى الباحث أن جماعة الحوثي تظل – من وجهة نظره – أبرز المستفيدين من هذا النمط، مشيرًا إلى أنها سبق وأن سعت إلى استقطاب مشاهير ومؤثرين وصناع محتوى للاستفادة منهم في توجيه الرأي العام أو صرف الانتباه عن ملفات معينة عندما تقتضي الحاجة.

طريقة صعوده

ومن زاوية مختلفة، يرى رئيس منصة “مسند” أحمد الأشول، لتحليل المعلومات المضللة أن ما يستحق الدراسة ليس مضمون القضايا التي تتحول إلى ترند، وإنما الطريقة التي تنتشر بها.

ويقول الأشول لـ”يمن ديلي نيوز” إن قضايا مثل “خطبة الشيخ في مأرب”، أو “تقرير المنح”، أو “منشور الخطوط الجوية اليمنية”، أو التصريحات المنسوبة لوزيرة الخارجية، أو التعديل الوزاري، تختلف في طبيعتها، وبعضها يمثل ملفات حقيقية تستحق النقاش، إلا أن القاسم المشترك بينها هو نمط الصعود المتكرر والسريع.

ويضيف: التحليل المهني للحملات الرقمية يبدأ بطرح أسئلة تختلف عن النقاش التقليدي، مثل: من أين بدأت القصة؟ ومن أول من نشرها؟ وكيف انتقلت من نطاق محدود إلى قضية وطنية؟ ولماذا ظهرت في هذا التوقيت؟

ويشير إلى أن تتابع هذه الترندات يأتي في وقت يتصاعد فيه الحديث عن المواجهة مع الحوثيين، والبحر الأحمر، والمفاوضات، واستعادة الدولة، وهو ما يجعل عنصر التوقيت جزءًا أساسيًا من قراءة أي حملة رقمية.

البصمة الزمنية

ويضرب “الأشول” مثالًا بتقرير مراجعة المنح الدراسية، موضحًا أن النقاش لا يتعلق بمحتوى التقرير أو نفي ما ورد فيه، وإنما بسبب إعادة تداوله بعد سنوات من إعداده.

ويشير إلى أن التقرير يعود إلى عام 2023، بينما أُعيد نشره في يوليو 2026، وهو ما يعرف في تحليل الحملات الرقمية بـ”البصمة الزمنية”، أي دراسة توقيت إخراج مادة قديمة إلى الفضاء العام وربطها بسياق سياسي جديد.

كما يلفت إلى أن الرصد الأولي أظهر انطلاق تداول التقرير من حسابات محسوبة على اتجاه سياسي معين، قبل أن ينتقل إلى جمهور أوسع، وهو ما يستدعي – بحسب قوله – دراسة مسار الانتشار، دون أن يشكل ذلك دليلًا قاطعًا على وجود إدارة مركزية للحملة.

كيف تتحول إلى ترند؟

ويشرح “الأشول” أن صناعة الترند قد تبدأ أحيانًا من عدد محدود من الحسابات الصغيرة أو المجهولة، التي تعيد نشر المادة نفسها خلال فترة زمنية متقاربة، فيما يعرف بـ”التضخيم المنسق”.

ويقول لـ”يمن ديلي نيوز” إن الخوارزميات تلتقط هذا النشاط المبكر، فتبدأ بعرض المحتوى أمام جمهور أوسع، بينهم صحفيون وناشطون ووسائل إعلام، يتناولون القضية بصورة طبيعية ومهنية، فيتحولون – من منظور التحليل الشبكي – إلى ما يسمى بـ”الحسابات الجسرية”، لأنها تنقل المحتوى إلى الجمهور الحقيقي.

بعد ذلك، يضيف الأشول – تعود الحسابات التي بدأت التفاعل الأولي لإعادة نشر ما كتبه الإعلاميون والناشطون، لتبدأ موجة ثانية من الانتشار، ويتحول الترند إلى نقاش عضوي واسع، حتى وإن كانت شرارة انطلاقه جاءت من نطاق محدود.

من المستفيد؟

وفي معرض حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” يرى “الأشول” أن من الخطأ افتراض أن مطلق الترند هو المستفيد الوحيد منه، موضحًا أن منشئ المحتوى، ومضخم المحتوى، والمستفيد النهائي، قد يكونون ثلاثة أطراف مختلفة.

ويضيف: بعض القضايا قد تبدأ كمناكفات سياسية بين أطراف يمنية، ثم تستغلها لاحقًا جهات أخرى وتقوم بتضخيمها، بينما تكون النتيجة النهائية هي إعادة توجيه اهتمام الرأي العام بعيدًا عن الملفات الكبرى.

ويؤكد أن هذا لا يعني التقليل من أهمية نقد الحكومة أو مساءلة مؤسساتها أو مناقشة ملفات الفساد، بل يدعو إلى الفصل بين حق المجتمع في النقد، وبين دراسة الكيفية التي تتحول بها بعض القضايا إلى موجات رقمية واسعة خلال وقت قياسي.

المستفيد الأول

وفيما أشار الأشول إلى أن هناك جهات أخرى قد تستفيد من هذه الترندات رغم أنها لم تكن هي من قامت بإطلاقها أساسًا، إلا أنه أكد أن المستفيد في نهاية المطاف هو جماعة الحوثي بوصفها خصمًا للأطراف المؤيدة للشرعية.

وأكد أن جماعة الحوثي تبقى المستفيد من تحويل مسار النقاش في بلد يعاني من انقلاب منذ أكثر من 10 سنوات ويحاول استعادة الدولة، معتبرًا أن إعادة توجيه النقاش من القضية الأساسية إلى قضايا أخرى يصب في نهاية المطاف في مصلحة الجماعة.

وأضاف أن “وجود مصلحة للحوثيين في تشتيت خصومهم أو إبراز إخفاقات الحكومة لا يعني أنهم يقفون خلف كل ترند”، موضحًا أن المستفيد ليس بالضرورة هو الفاعل، وقد يكون هو مطلق الحملة أو يأتي التضخيم لاحقًا بصورة عضوية.

معركة على الميدان

وتشير القراءتين إلى أن المعركة في اليمن لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية أو طاولات السياسة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تتنافس القضايا على جذب اهتمام الرأي العام، وتصبح السيطرة على أجندة النقاش جزءًا من الصراع.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن مرحلة جديدة عنوانها “المعركة الوطنية”، تبدو منصات التواصل وكأنها تخوض معركة موازية، لا تدور حول صحة القضايا المطروحة بقدر ما تدور حول توقيت ظهورها، وسرعة انتشارها، والجهات التي تدفع بها إلى واجهة النقاش.

ولهذا، يرى مختصون أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي ترند جديد لم يعد: “ما القضية؟”، وإنما: “كيف وصلت إلى صدارة المشهد؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من انتقال اهتمام الرأي العام إليها في هذا التوقيت؟”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة