عبدربه منصور هادي..محطات من مسيرة رئيس قاد اليمن في أصعب مراحله (تقرير)

يمن ديلي نيوز – تقرير: شكّل رحيل الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، اليوم الخميس 28 مايو/أيار، نهاية فصل سياسي طويل ارتبط بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث، إذ قاد البلاد خلال فترة انتقالية أعقبت احتجاجات 2011، وما تبعها من حروب نتيجة انقلاب الحوثيين.
وعلى امتداد عقود، ظل اسم هادي حاضراً في المشهد اليمني، متنقلاً بين المؤسسة العسكرية في جنوب اليمن، ثم قيادة الدولة عقب تحقيق الوحدة اليمنية وبعد حرب صيف 1994، وصولاً إلى رئاسة الجمهورية عقب تنحي الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وانتهاءً بإعلانه نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022.
وُلد عبدربه منصور هادي الفضلي في الأول من سبتمبر/أيلول 1945 في قرية ذكين بمديرية الوضيع في محافظة أبين جنوبي اليمن، في فترة كانت فيها المنطقة جزءاً من سلطنة الفضلي قبل الاستقلال عن بريطانيا.
واتجه مبكراً إلى العمل العسكري، وتلقى تعليمه في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية عام 1966، ثم واصل دراسته العسكرية في مصر والاتحاد السوفيتي السابق، حيث حصل على درجات متقدمة في علوم المدرعات والقيادة العسكرية.
وبعد استقلال جنوب اليمن عام 1967، تدرج هادي في عدد من المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، متنقلاً بين قيادة وحدات المدرعات والتدريب والإمداد العسكري، قبل أن يصبح أحد أبرز الضباط في المؤسسة العسكرية.
وبرز دوره بصورة أكبر عقب أحداث يناير الدامية عام 1986 في جنوب اليمن، حين غادر مع قيادات عسكرية جنوبية إلى صنعاء بعد الحرب الأهلية التي عصفت بالحزب الاشتراكي اليمني.
وهناك شارك في إعادة تنظيم القوات العسكرية الجنوبية التي انتقلت إلى الشمال تحت مسمى “ألوية الوحدة اليمنية”، وظل ضمن هذه القوات حتى إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990.
نائباً للرئيس
بعد تحقيق الوحدة اليمنية، عُيّن هادي قائداً لمحور البيضاء العسكري، قبل أن يبرز اسمه بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994 بين قوات الحكومة اليمنية والقوات الجنوبية التي أعلنت الانفصال بقيادة علي سالم البيض.
وفي خضم الحرب، صدر قرار بتعيينه وزيراً للدفاع في مايو/أيار 1994، قبل أن يختاره الرئيس علي عبد الله صالح نائباً لرئيس الجمهورية في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، خلفاً لعلي سالم البيض.
ومنذ ذلك التاريخ، بقي هادي نائباً للرئيس لمدة قاربت 18 عاماً، وهي أطول فترة يشغل فيها شخص هذا المنصب في تاريخ الجمهورية اليمنية.
وخلال تلك السنوات، عُرف الرجل بأنه قليل الظهور الإعلامي، وبعيد نسبياً عن مراكز النفوذ التقليدية داخل النظام، الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف سياسية متعددة خلال الأزمة التي شهدها اليمن في عام 2011.
رئيس توافقي
مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح عام 2011، دخل اليمن في تسوية سياسية برعاية خليجية، بناءً على طلب من الرئيس علي عبد الله صالح، نصّت على نقل السلطة إلى نائب الرئيس عبدربه منصور هادي لفترة انتقالية.
وفي 21 فبراير/شباط 2012، جرت انتخابات رئاسية توافقية كان هادي المرشح الوحيد فيها، بدعم من حزب المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك، ليصبح رسمياً ثاني رئيس للجمهورية اليمنية بعد الوحدة.
وتسلّم هادي السلطة في ظروف شديدة التعقيد، إذ كانت البلاد تعاني انقساماً حاداً داخل المؤسسة العسكرية، وأزمة اقتصادية وأمنية متفاقمة، إضافة إلى تنامي نفوذ الجماعات المسلحة والحراك الجنوبي والحوثيين.
ورغم محدودية أدواته السياسية، حاول هادي الدفع بمسار المرحلة الانتقالية عبر عدة خطوات، أبرزها إعادة هيكلة الجيش اليمني وإطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
إعادة هيكلة الجيش
اعتُبرت قرارات هادي بإعادة هيكلة الجيش واحدة من أبرز محطات عهده، إذ أقال عدداً من أبرز القادة المقربين من الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وأعاد تنظيم القوات المسلحة ضمن تشكيلات جديدة.
وشملت الإجراءات إلغاء الحرس الجمهوري والفرقة الأولى مدرع، وإنشاء قوات الحماية الرئاسية، في محاولة لإنهاء الانقسام داخل المؤسسة العسكرية بين مراكز القوى المتصارعة.
كما أصدر قرارات بإبعاد عدد من أقارب صالح من مواقعهم العسكرية، من بينهم أحمد علي عبد الله صالح، الذي كان يقود الحرس الجمهوري.
ورغم أن تلك القرارات حظيت بترحيب دولي واسع، فإنها واجهت مقاومة داخلية، وبقيت مراكز النفوذ التقليدية حاضرة داخل مؤسسات الدولة والجيش.
الحوار الوطني
في مارس/آذار 2013، انطلق مؤتمر الحوار الوطني بمشاركة معظم القوى السياسية اليمنية، بهدف صياغة رؤية جديدة للدولة اليمنية ومعالجة قضايا جوهرية، بينها شكل الدولة، والقضية الجنوبية، وصعدة، وبناء الدستور.
ومثل الحوار الوطني آنذاك أبرز رهانات المرحلة الانتقالية، وانتهى في يناير/كانون الثاني 2014 بإقرار وثيقة شاملة تضمنت مشروع الدولة الاتحادية من ستة أقاليم.لكن مخرجات الحوار واجهت اعتراضات واسعة، خصوصاً من الحوثيين وبعض مكونات الحراك الجنوبي، رغم إقرارهم تلك المخرجات.
سقوط صنعاء
خلال عام 2014، صعّدت جماعة الحوثي المصنفة إرهابية تحركاتها العسكرية والسياسية، مستفيدة من حالة الانقسام داخل الدولة، وتحالفها مع المؤتمر الشعبي العام بقيادة علي عبد الله صالح.
وفي 21 سبتمبر/أيلول 2014، سيطر الحوثيون وأنصار صالح على العاصمة صنعاء بعد مواجهات محدودة، بالتزامن مع توقيع اتفاق السلم والشراكة مع حكومة هادي.
غير أن الحوثيين واصلوا توسيع نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي ورئيس الحكومة خالد بحاح في يناير/كانون الثاني 2015.
وفي 22 يناير/كانون الثاني، نشرت وكالة سبأ للأنباء استقالة الرئيس هادي تحت الضغط، بمبرر وصول العملية السياسية إلى “طريق مسدود”، لكن البرلمان لم يتمكن من عقد جلسة لقبول الاستقالة بسبب سيطرة الحوثيين على صنعاء.
الهروب إلى عدن
بعد أسابيع من الإقامة الجبرية، تمكن هادي في 21 فبراير/شباط 2015 من مغادرة صنعاء والوصول إلى مدينة عدن، حيث أعلن تراجعه عن الاستقالة، واعتبر جميع الإجراءات التي اتخذتها جماعة الحوثي “باطلة وغير شرعية”.
كما أعلن عدن عاصمة مؤقتة للبلاد، ودعا القوى السياسية والمجتمع الدولي إلى دعم “الشرعية” في مواجهة الحوثيين. لكن التطورات تسارعت بصورة دراماتيكية مع تقدم الحوثيين جنوباً باتجاه عدن، ما دفع هادي إلى مغادرة البلاد نحو السعودية في مارس/آذار 2015.
ومن الرياض، طلب هادي رسمياً تدخل دول الخليج عسكرياً، لتبدأ في 26 مارس عملية “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية، والتي تمكنت من استعادة عدن و70 في المائة من مساحة اليمن.
نقل السلطة
في السابع من أبريل/نيسان 2022، أعلن عبدربه منصور هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي مكوّن من ثمانية أعضاء برئاسة رشاد العليمي، وذلك ضمن ترتيبات سياسية جرت في العاصمة السعودية الرياض.
وشكل القرار نهاية رسمية لفترة حكم امتدت عشر سنوات، كانت مليئة بالتحولات من الانتقال السياسي إلى الحرب الشاملة والانقسام الجغرافي والمؤسساتي.
ومنذ مغادرته السلطة، ابتعد هادي إلى حد كبير عن المشهد السياسي والإعلامي، مع استمرار الجدل في الأوساط اليمنية حول تقييم تجربته السياسية ودوره في التحولات التي شهدتها البلاد.
الوفاة
في 28 مايو/أيار 2026، أُعلن في العاصمة السعودية الرياض عن وفاته عن عمر ناهز 81 عاماً، حيث كان آخر ظهور له في عيد الفطر الماضي أثناء استقباله للمهنئين.
وقالت الرئاسة اليمنية إن إرث الرئيس عبدربه منصور هادي سيظل حاضراً في ذاكرة اليمنيين، بما حمله من دروس في الصبر والحكمة وتغليب المصلحة الوطنية، والوقوف إلى جانب تطلعات الشعب اليمني في الحرية والكرامة والدولة الجامعة التي لا تستأثر بها جماعة، ولا ترتهن لمشاريع العنف والطائفية والخراب العابرة للحدود.
وذكرت أن الرئيس عبدربه منصور هادي جسّد، في محطات فاصلة من تاريخ اليمن المعاصر، نموذجاً لرجل الدولة الذي انحاز للجمهورية، والشرعية الدستورية، ووحدة اليمن، ومصلحة شعبه العليا، في أشد الظروف والمنعطفات تعقيداً.
واستحضرت رئاسة الجمهورية الأدوار الوطنية للرئيس الراحل في قيادة المرحلة الانتقالية، وإسهامه في تحقيق انتقال سلمي للسلطة جنّب اليمن الانزلاق إلى صراعات أوسع، في مرحلة بالغة الحساسية.
وأشارت الرئاسة اليمنية إلى رعاية هادي لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، بوصفه إحدى أهم المحطات السياسية الجامعة التي توافق عليها اليمنيون لبناء دولة اتحادية عادلة، قائمة على الشراكة، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وصون الحقوق والحريات.
الرئاسة اليمنية تعلن تنكيس الأعلام ثلاثة أيام حدادًا على وفاة الرئيس السابق هادي



