أهم الاخبارالأخبارتقارير

اللامركزية في مؤسسة الجيش.. قراءة في توجهات وزير الدفاع وتداعيات تفكيك القرار السيادي

تحليل خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” خليل الزكري: في قراءة تتوافق مع الدستور والقانون، يمكن إعادة تفسير تصريح وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي على نحو يضعه ضمن الإطار القانوني الناظم، خاصة في ظل الإشارة إلى القوات العسكرية والأمنية بوصفهما مجالاً واحداً، وهو طرح يستدعي تمييزاً دقيقاً بينهما من حيث الاختصاص وطبيعة الصلاحيات.

يحمل الإعلان، الصادر عن الوزير العقيلي، خلال اجتماعه، بقيادات المنطقة العسكرية الثانية في المكلا الاثنين الماضي أبعاداً تتصل بإعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة الأمنية، مع طرح تصور يمنح المحافظ موقعاً متقدماً في إدارة الملف التنفيذي للقوات العسكرية داخل المحافظة.

ويضع هذا التصور مسافة منهجية بين المجالين الأمني والعسكري، بوصف كل منهما محكوم بإطار قانوني مختلف من حيث الصلاحيات وآليات القيادة.

في هذا السياق، يستند دور المحافظ إلى ما يقره قانون السلطة المحلية رقم 4 لسنة 2000، الذي يمنحه رئاسة اللجنة الأمنية ويضعه في موقع تنسيقي بين الأجهزة الأمنية، بما يشمل الشرطة وبقية التشكيلات ذات الطابع المدني.

ويظل هذا الإسناد محصوراً في الجانب الأمني، دون أن يمتد إلى وحدات القوات المسلحة التي تبقى خارج نطاق اختصاص السلطة المحلية بحكم النص القانوني.

على مستوى البناء الدستوري، يرسخ الدستور اليمني مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية ومركزية إدارتها، مع تحديد واضح لحدود عمل السلطة المحلية بعيداً عن شؤون الدفاع والأمن القومي.

وتضع النصوص الدستورية إطاراً يقصر إدارة العمل العسكري على القيادة المركزية للدولة، ويمنع انتقال هذه الصلاحيات إلى مستويات محلية.

ضمن هذا التحديد، يتراجع توصيف “اللامركزية العسكرية” لصالح قراءة أدق تقوم على “اللامركزية الأمنية”، حيث يقتصر التطوير الممكن على تحسين آليات التنسيق والإشراف المحلي في إدارة الأمن، دون امتداده إلى قيادة أو إدارة الوحدات العسكرية.

ويعني ذلك أن أي توسيع لدور المحافظ في المجال العسكري يرتبط بحاجة إلى معالجة دستورية وتشريعية صريحة تتجاوز الإطار القائم.

ويفتح النقاش حول هذا التوجه باباً لتقييم المخاطر المحتملة في حال انتقال القرار العسكري إلى المستوى المحلي، وهي مخاطر تتصل ببنية الدولة وسياديتها أكثر من كونها إجرائية.

ويقود توزيع القرار العسكري على المحافظات إلى إعادة تشكيل الولاءات داخل القوات المسلحة على أسس مناطقية، مع تحول تدريجي من مؤسسة وطنية موحدة إلى تشكيلات مرتبطة بمراكز نفوذ جغرافية.

كما أن خطوة من هذا النوع تكرس الانقسام الحاصل في أوساط القوات  المتعددة، التي تشكلت خارج الإطار المؤسسي خلال سنوات الحرب، في الوقت الذي تسعى الحكومة إلى توحيدها تحت مركز قيادي موحد.

ويترافق ذلك مع تراجع فاعلية القيادة الموحدة، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الجيش في إدارة العمليات واسعة النطاق وتنسيقها.

وفي هذا السياق، تبرز واقعة محافظة حضرموت بوصفها نموذجاً تطبيقياً لهذه التحولات، حيث جرى فصل مئات الجنود من “لواء بارشيد” على خلفية انتمائهم لمناطق خارج المحافظة، ضمن توجه يشار إليه بـ “حضرمة” التشكيلات العسكرية، وفق ما نقله الصحفي عبد الرحمن أنيس، على حسابه في “فيسبوك”.

وتعكس هذه الخطوة انتقالاً في معيار الانتماء من الإطار الوطني إلى البعد الجغرافي المحلي، لجهة إعادة تشكيل البنية البشرية للوحدات العسكرية وفق اعتبارات مناطقية.

وتحمل هذه الواقعة دلالة تتجاوز بعدها الإجرائي، إذ تكشف عن تداخل متزايد بين صلاحيات السلطة المحلية وبنية القرار العسكري، لجهة إضعاف الطابع الوطني الجامع للمؤسسة العسكرية، ويفتح المجال أمام صعود الولاءات المحلية كعامل حاكم في تشكيل القوة.

كما تعزز هذه الممارسات واقعاً عسكرياً متبايناً بين المحافظات، مع اتجاه كل منطقة نحو بناء قوامها الخاص، وهو ما ينعكس على تماسك المؤسسة العسكرية ويعقد مسارات إعادة توحيدها مستقبلا.

وتشير هذه الحالة كذلك إلى اتساع الفجوة بين المركز والأطراف، في ظل غياب ضبط مؤسسي واضح يحدد حدود الصلاحيات، الأمر الذي يدفع نحو تشكل نمط من اللامركزية العسكرية بحكم الواقع، خارج الأطر القانونية المنظمة.

وبهذا المعنى، يتحول المثال من واقعة محلية إلى مؤشر دال على مسار أوسع، يعزز المخاوف المرتبطة بمزيد من تفكيك البنية العسكرية، وإعادة تشكيلها على أسس محلية ضيقة، ويسمح بنشوء التشكيلات المليشاوية.

كما يخلق هذا المسار بيئة مواتية لترسيخ الانقسامات المناطقية، حيث تكتسب السلطات المحلية أدوات عسكرية تمكنها من تعزيز استقلالها الفعلي عن المركز، خاصة في المحافظات ذات الموارد أو الخصوصية الجغرافية.

ويزيد هذا الواقع من احتمالات نشوء صراعات بينية على النفوذ والموارد، في ظل غياب مرجعية عسكرية مركزية تضبط إيقاع التوازنات.

على المستوى العملياتي، تتأثر قدرة الدولة على مواجهة التحديات الكبرى، إذ تتطلب الحروب التقليدية ومكافحة التنظيمات المسلحة نمطاً عالياً من التنسيق والاستخبارات المشتركة، وهو ما يتراجع مع تعدد مراكز القرار.

وفي بيئة تتسم بوجود خصوم يعملون ضمن هياكل مركزية، تبرز فجوة في القدرة على الحشد والتوجيه، بما يضعف فاعلية الاستجابة الميدانية.

ويتصل ذلك ببعد آخر يتعلق بإدارة الموارد العسكرية، حيث يفتح توسيع الصلاحيات المحلية المجال أمام أنماط إنفاق وتسليح خارج القنوات المنظمة، مع ما يحمله ذلك من احتمالات تضخم الكلفة وتراجع الكفاءة.

كما تظهر مخاطر توظيف الأصول العسكرية في سياقات مناطقية ضيقة، بما يضعف الطابع الوطني للمؤسسة العسكرية.

ويمتد أثر هذا التحول إلى المسار السياسي، إذ يؤدي تعدد مراكز القوة العسكرية إلى تعقيد أي عملية تفاوضية مستقبلية، مع اتساع عدد الأطراف وتباين أولوياتها.

ويمنح هذا الواقع الانقسام القائم طابعاً أكثر رسوخاً، ويعيد تشكيله كمعطى طويل الأمد بدل كونه مرحلة انتقالية.

في المقابل، يبرز طرح يركز على توسيع اللامركزية في المجال الأمني دون العسكري، عبر تمكين السلطات المحلية في إدارة الشرطة والأمن الداخلي ضمن أطر قانونية واضحة، مع الحفاظ على مركزية القرار العسكري ضمن قيادة وطنية موحدة.

ويعكس هذا الفصل مقاربة تجمع بين متطلبات الكفاءة الميدانية وضرورات الحفاظ على السيادة وتماسك الدولة، ضمن معادلة توازن بين مركزية التخطيط العسكري ولا مركزية التنفيذ الأمني.

في البعد العملي، يثير تمكين السلطات المحلية في الجوانب التنفيذية العسكرية تساؤلاً حول جدواه في لحظة تتسم بتعدد مراكز القوة وضعف الضبط المركزي؛ إذ يبدو هذا التوجه أقرب إلى إعادة توزيع المخاطر بدل احتوائها، مع ما يرافقه من احتمالات تباين القرار وتضارب الأولويات.

وتتضح المفارقة عند مقارنته بالنظم الاتحادية (الفدرالية)، حيث تحتفظ الحكومات المركزية بالاختصاص الحصري في إدارة القوات المسلحة.

ففي الولايات المتحدة يظل الحرس الوطني خاضعاً في بنيته وقراره النهائي للسلطة الاتحادية، كما تدار القوات المسلحة في ألمانيا ضمن إطار مركزي دون صلاحيات عسكرية تنفيذية للولايات.

ويعكس ذلك قاعدة مستقرة: اللامركزية تفعل في المجال الأمني، في حين يظل القرار العسكري مركزياً ومرتبطاً بوحدة السيادة.

ومن هذا المنظور، تتراجع الجدوى العملية للامركزية العسكرية، مقابل وضوح الفائدة في تعزيز اللامركزية الأمنية ضمن إطار منضبط يحافظ على تماسك الدولة.

وهو ما يحتاجه اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل انقسام عسكري قائم تتجه الجهود نحو تجاوزه لا تكريسه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading