“أم مسعود”.. نازحة في مأرب تبحث عن عودة من نوع آخر (قصة صحفية)

قصة صحفية أعدها لـ”يمن ديلي نيوز” – إبراهيم مارش: “ما يهمني لو أعيش بقية عمري أني وعيالي الستة وزوجي في غرفة أو في خيمة حتى.. أهم شي عندي أن زوجي يستعيد صحته ويرجع له عقله وتبتعد عنه الأوهام والشكوك، ويخلينا نعيش بسلام، وننسى الأيام السوداء وحياة الجحيم اللي نعيشها”.
هكذا تلخص “أم مسعود” (اسم مستعار حفاظا على خصوصية الأسرة) ذات الـ35 عاما، قصة معاناتها هي وأبناءها، بعد أن مرت بتجارب نزوح متكررة وقاسية إلى محافظتي الجوف ، ثم إلى محافظة مأرب (شرقي اليمن) إثر تصاعد الأعمال العسكرية وتوسع نطاق أحداث الحرب التي تشهدها البلاد منذ العام 2014.
وأدت الحرب إلى نزوح ما يزيد عن أربعة ملايين ونصف من اليمنيين وفقا لتقديرات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، تأوي مأرب منهم أكثر من ملونين وثلاثمائة ألف نازح، يمثلون أكثر من ثلثي النازحين في المحافظات التي تخضع للحكومة الشرعية المعترف بها وفق تقديرات المنظمات الإغاثية.
تروي أم مسعود تفاصيل قصتها قائلة “نزحنا بسبب الحرب أول مرة إلى محافظة الجوف وعشنا هناك ثلاث سنوات في غرفة، ننام في طرفها ونطبخ في الطرف الآخر، وهناك أصيب زوجي الإصابة الأولى وتعالج، وبعدما دخل الحوثي الجوف نزحنا إلى مأرب، استأجرنا غرفتين لمدة شهرين وبعدها طردونا منها لأننا ما قدرنا ندفع الايجار، بعدها اتسلفنا فلوس من بعض المعارف ودبرنا مبلغ وبنينا لنا غرفة ومطبخ صغير وحمام في المخيم وباقي علينا ديون أكثر من 400 ألف “.
آثار نفسية متفاوتة
قصة “أم مسعود” واحدة من مئات القصص المشابهة، حيث كشفت دراسة حديثة أجراها المركز القومي للدراسات الاستراتيجية في محافظة مأرب عن تعرض 290 ألف أسرة نازحة في محافظة مأرب لآثار نفسية متفاوتة، بسبب الحرب ومخاطر النزوح “.
وبالرغم من معاناة هذه الأسرة في جوانب تلبية احتياجاتها الأساسية من المأوى والغذاء والمياه النظيفة ، غير أن معاناتها الرئيسية والمستمرة تمثلت في غياب التدخلات الإنسانية المتعلقة بخدمات الصحة النفسية المتخصصة والمتكاملة، فقد أوضحت أم مسعود كيف تغيرت معاملة زوجها لها ولبناته وولده الأكبر مسعود البالغ من العمر 12 عاما، بعد أن أصيب مرة أخرى، بعد نزوحهم الثاني إلى مأرب، ولم تتم معالجته بشكل كامل، وبقيت في جسده بعض الشظايا وربما تراجعت بسببها صحته النفسية بشكل أسوأ، ليبدأ يمنعهم من الخروج ويضربهم بعنف أحيانا.

كرب مابعد الصدمة
يقول الدكتور مهيوب أحمد المخلافي الأخصائي النفساني ومنسق الصحة النفسية بمكتب الصحة بمحافظة مأرب” إن الإصابات الجسدية في الحرب قد تسبب صدمات نفسية لها أبعاد وتأثيرات مختلفة، وفي حالة تكرار الاصابة يحدث ما يسمى بكرب ما بعد الصدمة، واضطرابات الهلع والخوف، هذا على مستوى الشخصي، أما على مستوى الأسرة فإن الشخص الذي يتعرض لإصابة تجعله يشعر معها بالعجز فإنه يتحول الى حالة عدائية لا إرادية سواء كان على نفسه أو على أفراد أسرته أو على المجتمع”.
من الواضح أن هناك تدني كبير في مستوى الخدمات الطبية النفسية في اليمن عموما، وفي محافظة مأرب على وجه الخصوص، حيث تبين تقارير منظمة الصحة العالمية أن نظام رعاية الصحة النفسية في اليمن يعاني من نقص في التمويل وانخفاض الاهتمام من قبل صانعي القرار وندرة المهنيين في مجال الصحة النفسية بالإضافة إلى وصمة العار الاجتماعية المرتبطة بمرض الصحة النفسية.
كما أن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية النفسية بما في ذلك الأدوية، يجب أن يدفعوا تكاليف العلاج مما يضطر كثير منهم إلى التوقف عن تناول العلاج لعدم قدرتهم على شرائه، كما هو حال موضوع قصتنا “أبو مسعود ” حيث تؤكد لنا زوجته أنه تحسن كثيراً خلال الاسبوعين التي تناول فيها الأدوية التي قررها له الطبيب النفسي.
تقول: “رجع زوجي لحالته الطبيعية وكان يعاملنا بطيبة مثلما كان يعاملنا قبل إصابته ولكن عندما كمّل العلاج تدهورت حالته ورجعت له الأوهام والشكوك ورجع يمنعنا نخرج من البيت ،وما قدرنا نشتري له العلاج الذي يكفيه لفترة الشهرين حسب ما حدد له الطبيب والسبب أن ما معانا قيمة العلاج، “يكلف 35 ألف في الشهر ”
بشكل أعمق تضعنا “أم مسعود” في صورة من معاناتها المتكررة مع زوجها قائلة “قبل شهرين عاد “أبو مسعود” إلي البيت وأنا وبنتي الصغيرة أمام البيت راجعات من عند جارتنا، ومن غضبه علينا مسك يد البنت الصغيرة ورمى بها إلى داخل البيت بقوة واكتسرت رجلها وتأثرت يدها ولا زالت تعاني منها إلى اليوم، و بعدها تشنج واصطرع”.
تواصل حديثها “وديناه المستشفى وطلبوا مننا نعمل له جهاز رنين مغناطيسي للرأس في مستشفى تجاري وهذا يكلف مبلغ كبير، ومن أين لنا ؟ ومرتبه ما يكفي لا مصروف البيت ولا تعليم الأولاد وما يجي إلا كل ثلاثة أشهر”.
واعتبر مدير منظمة حماية للتوجه المدني الدكتور علي التام أن ما تقدمه المنظمات الإنسانية من برامج الحماية بشكل عام ضعيف جداً ولا يغطي ما نسبته 10 في المائة من الاحتياجات في مجال الحماية فيما يخص الخدمات الطبية المنقذة للحياة، وأن هناك فجوة كبيرة في جوانب الحماية الأخرى وخصوصاً حماية الطفل والدعم النفسي.
وبالرغم من حجم المعاناة التي تكابدها “أم مسعود” إلا أنها لم تفقد الأمل فهي تحاول البحث عمن يمكنه أن يساعد زوجها في علاجه إلى أن يشفى سواء من جهة حكومية أو أي منظمة أو فاعل خير.
مصحة نفسية
خلال حديثنا مع الدكتور المخلافي طلب منا أن نوصل رسالته إلى محافظ مأرب، سلطان العرادة، ويناشده ضرورة إيجاد مصحة نفسية إسعافية، في المحافظة.
وأضاف: “الوضع أصبح أكثر من ضرورة، وأعداد المرضى النفسيين في ازدياد مستمر نتيجةً لطول فترة الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي والبطالة وغلاء المعيشة، وعدم وجود مصحة نفسية في مأرب قد يؤدي إلى تفاقم هذه الحالات وتنتقل إلى حالات فصام وارتياب واكتئاب ويصبح المريض في البيت سبباً لنقل حالته النفسية لأفراد أسرته وهذا يسمى المرض التحولي”.
وكشف المخلافي، عن عدد المترددين على المرافق الطبية التي تقدم خدمات الرعاية النفسية في المحافظة والذي يتجاوز 18 ألف متردد سنوياً ، خلافاً للأعداد التي تتلقى العلاج النفسي خارج المحافظة خوفا من وصمة العار الاجتماعية وانكشاف حالتهم لدى أسرهم ومن هم حولهم .

ويرجع الدكتور المخلافي سبب قصور الخدمات الطبية النفسية في مأرب إلى قلة عدد الكوادر من الاخصائيين النفسيين الذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة اخصائيين، يقدمون خدماتهم في ثلاثة مرافق حكومية هي، هيئة مستشفى مأرب ومستشفى كرى ومستشفى الحصون، و هؤلاء يقدمون خدماتهم لثلاثة مليون نسمة يسكنون محافظة مأرب، أي بمعدل طبيب نفسي لكل مليون نسمة تقريباً ، في الوقت الذي ينص دليل منظمة الصحة العالمية، والحديث للدكتور المخلافي “على أنه يجب أن يتوفر لكل مائة شخص طبيب نفسي في أوقات الحروب والكوارث”.
ويرى المخلافي أن ما تقدمه المنظمات من خدمات رعاية ودعم نفسي عبارة عن جهد فردي يقدم بشكل غير صحيح بسبب انعدام وجود مصحة نفسية متخصصة والتي ستمثل في حال وجودها المرجع الذي سيصب فيه دعم المنظمات وتحال إليها مختلف الحالات من الميدان ومن مختلف المرافق كما هو الحال في المحافظات التي لديها مصحات نفسية.
وَيتَوافَق رأي الدكتور علي التام مع رأي الدكتور المخلافي فيما يخص احتياج مأرب لمصحة نفسية .. لافتاً إلى أن الإحصاءات الرسمية تعتبر مؤشر على ذلك، حيث تم إحالة ما يقارب 70 حالة إلى خارج المحافظة خلال الشهرين الماضيين يحتاجون إلى الرقود في مصحات نفسية، وفيما يتعلق بتدخلات المنظمات، يؤكد الدكتور التام إنها بسيطة وليس لها الأثر المأمول، حيث لم تسعى لتوفير اخصائي نفسي مع علمها بحاجة المحافظة الملحة لعدد من الاخصائيين والفنيين في هذا المجال.
- ملاحظة: هذه المادة تم إنتاجها ضمن مخرجات الدورة التدريبية حول الصحافة الانسانية التي نظمتها منظمة مساءلة لحقوق الانسان في مأرب.



