ما مكاسب جنوب اليمن من الوحدة وما خسائره من وجهة نظر مهتمين؟

تقرير أعده لـ“يمن ديلي نيوز” – إسحاق الحميري: جاء العيد الوطني 34 لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية فيما لاتزال الأصوات الداعية للعودة إلى ماقبل عام 1990 مستمرة في رفع صوتها، برغم التبدلات في المشهد اليمني منذ سيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول من العام 2014.
سيطرة الحوثيين على صنعاء فرض واقعا جديدا على اليمنيين، وتحولالباحث السياسي “محمد بلفخر”ت الكفة إلى الشارع الجنوبي الذي لطالما ظل يشكو من الاقصاء والتهميش، وبات الجنوب الآن يمسك بكثير من مفاصل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وبات المنادون بالانفصال جزءا من مجلس حكم الجمهورية اليمنية.
لكن بعيدا عن لغة الاستئثار والاقصاء ذهب “يمن ديلي نيوز” للسؤال عن خسائر ومكاسب جنوب اليمن قبل وبعد الوحدة، وهل نجحت الوحدة أم أخفقت، وأين نجحت وأين أخفقت، ومالذي ينبغي عمله لتلافي ذلك، حيث يجيب عن هذه التساؤلات باحثون وسياسيون ينتمون للمحافظات الجنوبية.
عزة ومكانة لو !
يقول الباحث السياسي “محمد بلفخر” إن الوحدة “أضافت لليمن قوة وعزة ومكانة لو أُحسن التعامل مع هذا المنجز العظيم بمشروع بناء، لا تسلط، مشروع تنمية لا استئثار، مشروع دولة مدنية لا عصابات قبلية ومراكز نفوذ”.
وأضاف في حديثه لـ“يمن ديلي نيوز” الوحدة “أضافت للجنوب الكثير، وحولته من جنوب ممزق قبل 67، ومكبل بقيود داخل ستار حديدي حتى عام 1990 إلى جنوب منفتح على اليمن الكبير وبوابة على العالم”.

لكن “بالفخر” ذهب إلى أن “الوحدة أخفقت في الحفاظ على المكتسبات وأهمها اللحمة الوطنية، والمشروع اليمني الكبير الذي يضاهى به أمام العالم، كما أخفقت في استثمار الثروات الوطنية، وقدرات الإنسان اليمني والذي كان بإمكانه أن يشكل علامة فارقة ليكون في مقدمة الشعوب”.
كما أخفقت الوحدة، وفق بالفخر، في “إبراز قيادات وطنية مخلصة إلى المراتب العليا ليسهموا بقدراتهم الادارية بمشاريع النجاح، كما أخفقت في إنهاء بؤر التوتر وإبقاء عوامل الهدم تنخر في الجسد اليمني تحت الرماد”.
وعن النجاحات التي حققتها الوحدة قال، إنه “ليس هناك نجاح يذكر سوى في العقد الأول في بعض الأمور البسيطة وإن كان هناك من نجاح فهو التساوي في المظالم عند معظم أفراد الشعب، وتمكين الفاسدين والمتنفذين من جمع ثروات هائلة لم تكن في أقصى أمانيهم.
لم تخفق ولكن!
وخلافا لما طرحه الباحث “بالفخر” يرى ناشر صحيفه “عدن الغد” فتحي بن لزرق، قال إن الوحدة اليمنية لم تخفق، لكن كانت هناك أخطاء.
وقال: الوحدة “منجز تاريخي وعظيم، ولم تكن وحدة يمنية جديدة وإنما كانت إعادة توحيد لليمن التي أساساً كانت موحدة قبل الاحتلال البريطاني وقبل الاحتلال العثماني”.
وأضاف “بن لزرق” في حديث لـ“يمن ديلي نيوز”: الوحدة نجحت في توحيد اليمنيين وإنهاء وضع سياسي مشلول كان يعاني منه شطري اليمن، ونجحت في إرساء تجربة ديمقراطية عظيمة، والرفع بالمستوى الاقتصادي والمعيشي للشعب، وحققت إنجازات كبيرة جدا”.
وتابع: “الوحدة أنهت العهد التشطيري والأنظمة البائدة التي كانت سائدة شمالا وجنوبا وشهدت اليمن خلال سنوات ما بعد بالوحدة وحتى العام 2011 أو حتى العام 2015 ظروف اقتصادية ومعيشية وديمقراطية، وحريات متعددة، وجوانب مضيئة كثيرة”.

وأردف: “من هنا نقول إن الوحدة اليمنية فعلا كانت منجز كبير أنهى عهود من التشطير ومن الظلم ومن القهر ومن الحرمان ومن وجود أنظمة سياسية قمعية، وبالتالي أسس فعلا لحياة ديموقراطية ورخاء اقتصادي كبير عاشته الناس أو عاشه المجتمع اليمني خلال العقود الماضية”.
وعن إخفاقات الوحدة قال ““بن لزرق”: “الوحدة لم تخفق بشكل كبير”، مستدركا: “لكن كانت هناك بعض الأخطاء التي ربما أضرت بالعملية التشاركية من بينها حرب صيف 1994، بالإضافة إلى حالة الاقصاء التي حصلت لقطاع من الجنوبيين خلال السنوات اللاحقة”.
وقال إن “الأخطاء التي مورست باسم الوحدة كان يفترض أن لا تحدث”. واستدرك أيضا: “لكن اليوم ونحن نقف أمام حالة من التشرذم الكبير، ندرك بما لا يدع مجالا للشك أن الوحدة اليمنية كانت طوق نجاة”.
وأشار الصحفي المنتمي لمدينة عدن “بن لزرق” إلى أهمية “الحفاظ على طوق النجاة هذا وإصلاحه وليس تدميره، وتجاوز الاختلالات وإنصاف المظلومين وتحقيق العدالة المجتمعية، وحل القضية الجنوبية حلاً عادلاً في إطار وطني يمني واحد، والمضي قدما نحو إنجاح التجربة الديمقراطية التي بدأناها قبل سنوات وتقدمنا فيها على دول كثيرة”.
لا قبل ولا بعد
وبمنأى عمن يقول إن الوحدة أخفقت وآخر نجحت، يرى عضو مجلس الشورى صلاح باتيس أن نموذج جنوب اليمن ماقبل الوحدة قد فشل، وكذلك نموذج مابعد الوحدة.
وشدد على أنه لا يمكن العودة إلى ماقبل 1990 كما لا يمكن الاستمرار في نموذج مابعد 90، لكنه لايمانع في إصلاح مسار الوحدة ونظامها باعتبارها قيمة عظيمة ومكتسب وطني لايمكن التفريط فيه.
وأردف في منشور على حسابه في “إكس”: لا يمكن أيضا القبول بأن يتحكم في اليمن مركز نفوذ في الشمال وكأنه الحاكم بأمر الله ولا مركز نفوذ في الجنوب وكأنه الحاكم بأمر الله وقد تجرع الشعب قديما ولازال يتجرع حديثا الويلات بسبب صراعاتهم.
ودعا باتيس “الجميع إلى الخروج من هذه النمطية” التي وصفها بـ”المدمرة” والقبول بمبدأ الشراكة العادلة حتى لايستمر الصراع مستقبلا.
وقال: لا أحد تابع لأحد وكلنا إخوة في وطن واحد اسمه ليمن، ولن يكون هناك نصر لمتمرد أو انقلابي أو انفصالي أو مناطقي أو سلالي.

وتابع: لابد للجميع أن يعودوا لصوت العقل والمنطق والعدالة المتمثل بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل والدولة الاتحادية من ستة أقاليم على أسس الشراكة والعدالة والحكم الرشيد نجعل منه سبيلا لاصطفاف وطني جمهوري شامل من خلاله نستعيد الدولة ونبني اليمن السعيد يمن العدالة والشراكة والاستقرار والازدهار.
من التاريخ
واحتفل اليمن مؤخرا بالعيد 34 لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية بعد مباحثات ولقاءات بين قيادات شطري اليمن شمالا وجنوبا تكللت بإعلان الوحدة في 22 مايو 1990.
وبعد 4 سنوات من إعلان قيام الوحدة اندلعت حرب صيف 94 بعد أن وصلت خلافات شريكي الوحدة شمالا وجنوبا إلى نقطة اللا عودة، وإعلان نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض الانفصال في 21 مايو 1994.
في 7 يوليو/تموز 1994 أنهت قوات الجيش الحكومية الحرب بسيطرتها على عدن، لتدخل البلاد مرحلة جديدة تم خلالها إقصاء الحزب الاشتراكي اليمني الشريك في تحقيق الوحدة اليمنية، من المشهد وبعد ذلك تم إقصاء التجمع اليمني للإصلاح ثاني أكبر الأحزاب اليمنية.
في العام 2004 بدأت احتجاجات الضباط المتقاعدين في الاشتعال في محافظة الضالع، لتتسع حتى تصل حضرموت وعدن، وإعلان مايسمى بالحراك الجنوبي في العام 2007 المطالب بالانفصال بقيادة حسن باعوم.
واستمرت الاحتجاجات في الاتساع حتى العام 2012 حيث تم لأول مرة فرض القضية الجنوبية ضمن مؤتمر الحوار الوطني كمحور رئيسي، وتمثيل متساوي للمشاركين في مؤتمر الحوار الذي استمر حتى العام 2014.
مؤتمر الحوار الوطني أقر المناصفة بين الشمال والجنوب في كل مناصب الدولة، والانتقال إلى يمن إتحادي “فيدرالي” من ستة أقاليم 4 في شمال اليمن وإقليمين في جنوب اليمن.
وفي سبتمبر 2014 اجتاحت جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا العاصمة صنعاء، منقلبة على نتائج الحوار الوطني ما دفع قيادات الدولة للانتقال إلى مدينة عدن وإعلانها عاصمة مؤقتة للبلاد بدلا عن صنعاء ومازالت حتى اليوم.
وفي إبريل من العام 2022 وافق المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال على المشاركة في مجلس موحد لحكم اليمن خلال مؤتمر عقد في العاصمة السعودية الرياض، أطلق مجلس القيادة الرئاسي برئاسة “رشاد العليمي”.



