من حيفا إلى صعدة.. شحنة مبيدات “قاتلة” تدحض “مزاعم” المقاطعة الحوثية لإسرائيل (وثائق)

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: تظهر مذكرة صادر عن مؤسسة جمركية تابعة للحوثيين في صنعاء بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني، تعرض مكتب الجمارك لاقتحام قوات أمنية أجبرت المكتب على تسلم “شاحنة” مبيدات إسرائيلية محظور تداولها، كان المكتب قد تحفظ عليها.
وفق مدونين: كان يتوقع مكتب الجمارك في صنعاء، أن احتجازه لمقطورة المبيدات الإسرائيلية “بروميد الميثيل”، يتماشى مع ما تعلنه الجماعة من حملة مقاطعة للبضائع الإسرائيلية (نصره لغزة) فضلاً عن أن هذا المبيد محظور لخطورته.
وأعلنت جماعة الحوثي المصنفة إرهابيًا، خلال نوفمبر/تشرين الماضي، تنفيذها سلسلة استهدافات للإحتلال الإسرائيلي من أبرزها احتجاز السفينة “غالاكسي” وإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل تحت شعار نصرة غزة.
كما أعلن الحوثيون منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول أنهم بصدد حملة مقاطعة شاملة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، ردًا على المجازر الإسرائيلية في غزة.
ومنذ العام 2004 يرفع الحوثيون هتافات مناهضة لإسرائيل واليهود يتضمن الدعاء بالموت لإسرائيل واللعنة على اليهود، كما يبررون حروبهم التي يخوضونها في اليمن منذ 20 عاما بأنها ضد أمريكا وإسرائيل.
نجل مؤسس الجماعة
وطبقًا للمذكرة الموجهة من مدير عام الجمارك ورقابة صنعاء إلى غرفة العمليات المشتركة بالمصلحة، في 28 نوفمبر الماضي، اقتحمت قوات من النجدة التابعة للحوثيين بقيادة “أبو بدر المراني” مكتب الجمارك وأطلقوا “قاطرة” مبيدات محظور تداولها عالميًا لمخاطرها العالية.

وبحسب المذكرة التي اطلع عليها “يمن ديلي نيوز” فإن “المراني” برر إطلاق المقطورة بقوله: “لدينا توجيهات عليا بإطلاق القاطرة، ولايمكن منعنا أو تجاوزها”.
و”التوجيهات العليا” صادرة من مدير عام القيادة والسيطرة، في وزارة الداخلية في حكومة الحوثيين (غير معترف بها) “علي حسين الحوثي” نجل مؤسس الجماعة “حسين بدرالدين الحوثي”.
وفضلاً عن إطلاق شاحنة المبيدات الإسرائيلية المحظورة بالقوة – تقول مذكرة الجمارك – أنه تم إطلاقها دون استيفاء الرسوم الجمركية لها، والعوائد الأخرى وكذا لا يوجد لها أي تصاريح من وزارة الزراعة والجهات المعنية كونها تحمل مبيدات محظورة.
وتتبع مقطورة المبيدات التي جرى إطلاقها لـ”شركة سبأ العالمية” المملوكة لتاجر المبيدات “دغسان أحمد دغسان” المنتمي لمحافظة صعدة، وتحمل على متنها شحنة من أخطر المبيدات المحظور تداولها نوع “بروميد الميثيل”. وفق الوثيقة.
حقائق خلال البحث
وبعيدا عن المذكرة، بحث “يمن ديلي نيوز” في أسباب تحفظ مكتب جمارك صنعاء على شاحنة المبيدات “بروميد الميثيل” والتي قال إنها محظورة محليا، وعند البحث توصل للعديد من الحقائق حول هذا المبيد الذي حظره العالم مطلع القرن الجاري.
ومن أبرز الحقائق التي توصل إليها “يمن ديلي نيوز” أن العالم بدأ في التخلص من هذا المبيد الذي يتم حقن التربة به مطلع القرن 21، وأن الحكومة المصرية أقرت حظره في العام 2012 بعد أن أثبتت الدراسات آثاره الخطرة على صحة البشر والتربة والمزورعات.
ومن أهم الحقائق التي توصل إليها “يمن ديلي نيوز” أن غاز “بروميد الميثيل” منتج إسرائيلي، ومن وجه بالسماح له بالدخول إلى اليمن بعد حظره في عام 2013 هو مدير مكتب رئيس مجلس حكم جماعة الحوثي “أحمد حامد” في العام 2021 وفقا لوثيقة اطلع عليها “يمن ديلي نيوز”.
وطبقا لمذكرة صادرة عن وزارة الزراعة في حكومة الحوثيين (غير معترف بها) بتاريخ 24 مارس/ آذار عام 2021 فإن مدير مكتب رئاسة الجمهورية في صنعاء “أحمد حامد” هو من طالب الوزارة بإدخال هذا المبيد إلى محافظة صعدة.

وقال نجل العلامة الزيدي عبدالعظيم الحوثي (عم زعيم الحوثيين) المعارض لنهج “الجماعة” في منشور له على حسابه في “إكس” إنه رغم رفض وزارة الزراعة والري في صنعاء طلب “حامد” بإدخال المبيد “بروميد الميثيل” إلى صعدة، فقد تم إدخاله بالقوة “غصبا عن الجميع” حسب قوله.
ويستخدم “بروميد الميثيل”، لتبخير القمح، وتعقيم التربة ضد الآفات قبل الزراعات الحساسة مثل الفراولة والطماطم والخيار، وقد حُظر دوليا بموجب “بروتوكول مونتريال”، وذلك بهدف حماية طبقة الأوزون من خلال تقليص استخدامه تدريجيا.
شركة إسرائيلية
وخلال البحث عن الجهة المصنعة للمبيد “المحظور” اطلع “يمن ديلي نيوز” على تحقيق استقصائي أجرته صحيفة “البوابة نيوز” المصرية، نُشر في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2017 توصل إلى أن شركة “حيفاكيميكال” الإسرائيلية، هي المصنع الأول في العالم الذى يسيطر على إنتاج غاز “البروميد الميثيل”، المحرم دوليا بموجب اتفاقية “مونتريال”.
وطبقا للتحقيق فإن نحو 2500 شاحنة تقريبا تنقل منتجات غاز “البروميد الميثيل”، إلى “ميناء حيفا” من مقر إنتاجه في البحر الميت (المنطقة التى تسيطر عليها “حيفا كيميكال” إلى جانب ميناء أسدود).
وتعمل شركة “تكنوجرين” كوكيل لبيع المنتجات التي تصنعها معامل شركة “حيفا كميكال”، التي جرى تأسيسها عام 1998م في منطقة “النقب”، في الأراضي المحتلة، وبلغ قيمة مبيعاتها عام 2010م، 700 مليون دولار أمريكي.
وشركة “حيفا كميكال” كانت مملوكة للحكومة الإسرائيلية قبل أن تبيعها حكومة إسرائيل لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق “دونالد ترامب” الذي اشترى الشركة من الحكومة الإسرائيلية في عملية خصخصة تهدف لتنمية أنشطة المصنع بافتتاح فرع آخر فى إسرائيل وثالث فى فرنسا.
وطبقا لتحقيق البوابة المصرية فإن فحوصات أجريت على أمهات مرضعات أظهر احتواء حليبهن على سموم نتيجة “بروميد الميثيل” مميتة لأطفالهن وفقا لما أثبتته “ناريمان العطاونة فى دراستها “المبيدات الزراعية وأثرها على الصحة”، من خلال المسح الميداني والذى تضمن سحب 46 مستخلصا لعينات من حليب الأمهات تم تحليلها فى معمل متبقيات المبيدات بوزارة الزراعة.
وتضمن المسح الميداني، وفق التحقيق، سحب 51 عينة من دم المزارعين بواسطة أطباء متخصصين، وأظهرت النتائج وجود مركبات هيدروكربونية محظورة فى دم المزارعين.
ومن بقايا المبيدات المحظورة التى عثر عليها في الدم وحليب الأمهات: “المركبات الهيدروكربونية، مثل مبيد ديلدرين، مبيد دى دى إي، ويحتوى على مادة الميثيل، توباز، توفز، نماكور وميتاسيستوكس وروجر، وغاز بروميد الميثيل” الذى يؤدى تكرار استخدامه إلى الترسب فى التربة وتلويث مصادر المياه، وزاد مع استخدامه حالات الإصابة بالفشل الكلوى وأمراض الكبد”.
وكانت مصر وقعت على البروتوكول في عام 1997م مقابل منحة مليار دولار أمريكى لإيجاد حلول بديلة وأعلن المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن معدلات استخدامه “صفر” عام 2015م، عقب أن كانت 307 أطنان سنويا.
وبحسب التحقيق فإن إسرائيل التي تعتبر هي المصدر الأول لـ”بروميد الميثيل” تمنع استخدامه داخل أراضيها طبقا لموقع حماية البيئة.
وتؤكد “جميع الأبحاث أن بروميد الميثيل يصيب بسرطان الجلد، ويصيب النباتات بالتقزم والتشوه ويجهض الحيوانات، ويترك البروميد متبقيات فى الثمار”.وفق تصريح الدكتور “محسن عثمان” رئيس قسم الزراعة الحيوية بالأزهر، ومستشار سابق بالأمم المتحدة لمشروع بدائل الميثيل «UNP».
ملصقات تضليلية
وفي تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 17 يوليو/ تموز 2023م، تحدث التقرير عن أنه يجري بيع مبيد “بروميد الميثيل” في الأسواق اليمنية، لكن بأسماء مزيفة بعد أن يتم نزع لواصقها الأصلية واستبدالها بلواصق تخفي مخاطرها، ومكان تصنيعها.
وطبقا للتقرير فإن “بروميد الميثيل” واحدًا من عشرات الأنواع من المبيدات “مرتفعة الخطورة”، التي تباع داخل الأسواق اليمنية، إلا أنه يجري نزع الأوراق التعريفية (اللواصق) عن هذه المبيدات، واستبدالها بأخرى مزورة.
ماهو “بروميد الميثيل”؟
و”بروميد الميثيل” المعروف أيضًا باسم “برومو ميثان” هو مركب عضوبروميني وصيغته CH3Br.
هذا الغاز العديم الرائحة، والعديم اللون والغير قابل للإشتعال يتم إنتاجه صناعياً وحيوياً، ويمثل المصدر الأخير للإنتاج المصدر الأهم. شكله رباعي السطوح، ويعرف كمركب مستنفذ لطبقة الأوزون.
كان يستخدم على نطاق واسع كمبيد للآفات حتى تم التخلص منه تدريجياً من قبل معظم البلدان، وذلك في أوائل القرن الواحد والعشرين.
وينشأ “البرومو ميثان” من كل المصادر الطبيعية والبشرية، ويقدر أن المحيطات والكائنات البحرية تنتجه بما يقارب 1-2 بليون كيلوغرام سنوياً.
ونظرًا لخطورة “بروميد الميثيل”، توجد العديد من البدائل، حالياً قيد الاستخدام في “المجال الزراعي” وتشمل “أكسيد البروبيلين وفورفورال”.



