رمضان في عدن.. مظاهر وطقوس تحتضر على وقع ارتفاع الأسعار وتراجع سعر العملة

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” الخضر عبدالله: ظن “عبدالمجيد سعيد علي”، أحد أبناء مدينة عدن (جنوبي اليمن) المعلنة عاصمة مؤقتة لليمن، أنه قد يجني بعض المال ويتحسن دخله قبل حلول رمضان ليواكب الوضع المعاش ومتطلبات حاجات هذا الشهر الكريم الذي أعتاد اليمنيون استقباله ولو بالحد الأدنى من متطلباته.
لكن مع تردي الأوضاع في اليمن جراء الحرب الدائرة منذُ عشر سنوات، سرعان ما أصيب “عبدالمجيد” بخيبة أمل شديدة عندما حل هذا الشهر المبارك، الذي وصفه بأنه الأصعب على مر سنوات الحرب التي دخلت عامها العاشر في البلاد.

أعتاد “عبدالمجيد”، على استغلال رمضان في العمل على نقل أغراض المتسوقين والذين تكتظ بهم أسواق المدينة، في مثل هذه الأوقات كل عام ضمن الطقوس الرمضانية التي يستعد لها اليمنيون قبل دخول شهر الصيام، وطيلة أيامه.
وكان “عبدالمجيد” – الذي تجاوز العقد السادس من العمر – يدفع أمامه عربة يد ذات 3 عجلات (تستخدم لنقل البضائع) في أحد أسواق عدن، آملاً أن يجد أحد المتسوقين لنقل أغراضه، لكنه وبعد أن تحمل ساعات حر الشمس الشديد لم يتصور أن ينقضي النهار الطويل من دون أن يكسب شيئا.
يقول “عبدالمجيد” لـ”يمن ديلي نيوز” إن عمله في مثل هذه المناسبات كان لا يتوقف، وأسواق المدينة كانت تضج بالحياة والحركة، أما الآن – وفقًا لما يقول – “فلا زحمة، ولا عمل”.
ويضيف “عبدالمجيد”، بحسرة “أجواء رمضان تغيرت هذا العام”، مردفًا “وأحوال الناس لقد تبدلت وتغيرت أوضاعهم المعيشية”.
رمضان مختلف
ويختلف شهر رمضان هذا العام في عدن، عما سبقه من أعوام، إذ يأتي في ظروف اقتصادية ومالية خانقة تعد الأسوأ منذ بدء الحرب نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية وفي ظل أزمات مختلفة يعيشها البلد، أبرزها أزمة تدهور العملة المحلية أمام العملات الاجنبية.
وحل شهر رمضان هذا العام على اليمنيين، فيما تشهد قيمة الريال اليمني منذ أشهر انحدارا سريعا في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ما تسبّب في موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار المواد الأساسية، وزاد من إضعاف القدرة الشرائية الضعيفة أصلاً للسكان، والذين لم يعد بينهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى التي ذابت تقريباً والتحق المنتمون إليها بصفوف الفقراء.

وفي مناطق سيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابيًا، لا يختلف الحال أيضًا على السكّان هناك، في ظلّ ندرة السلع الأساسية وتباطؤ وصول المساعدات الدولية إليهم بسبب التصعيد الذي أوجده الحوثيون في البحر الأحمر وباب المندب باستهدافهم السفن التجارية.
ويزداد اليمنيون شعورًا بوطأة الظروف المعيشية الصعبة في شهر رمضان الذي اعتادوا أن يولوه أهمية خاصّة، ويضاعفون الإنفاق خلاله استجابة ما تقتضيه عادات مجتمعهم.
ولا يخفي يمنيون تحسّرهم على عدم قدرتهم على الإيفاء بمتطلّبات عوائلهم في هذا الشهر الاستثنائي.
معيشة صعبة
“مصعب قاسم” أحد سكّان مدينة عدن، يقول لـ”يمن ديلي نيوز”: “نستقبل رمضاننا العاشر ونحن نعيش أسوأ أوضاع معيشية في العالم، فلم نعد نملك قوتنا اليومي بسبب الظروف الصعبة التي يعاني منها بلدنا جراء الحرب”.
وأضاف “مصعب” وهو في العقد السادس من عمره “لم نقم بشراء أي شيء لمتطلبات شهر رمضان” موضحًا “فنحن لا نملك المال، وبالكاد في ظل أوضاع كهذه نستطيع توفير قوت كل يوم بيومه”.
يقول “مصعب” لـ”يمن ديلي نيوز”، إنه يعمل في نقل الركاب من أجل توفير المستلزمات الأساسية لأسرته، المكونة من 7 أفراد، وهذا فقط – حسب قوله – الأمر الذي بات يهمه.
وعن متطلبات رمضان في ظل هذه الأوضاع، يتحدث “مصعب”: “رمضان لم يعد يهمنا منه سوى الصيام طلبا للرحمة والغفران وحسن الخاتمة”.

وتابع “لم أعد أقوى على العمل بسبب كبر سني ومعاناتي من أمراض متعددة، لكنني مضطر للعمل حتى في نهار رمضان من أجل توفير القوت اليومي لأسرتي”.
ويعد “مصعب”، واحدًا من ملايين اليمنيين الذين يواجهون الأزمة الإنسانية والاقتصادية الحادّة في اليمن، حيث تشير التقديرات إلى أن 17.6 ملايين شخص من أصل 35 مليونا يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد في عام 2024. طبقًا لتقرير صادر في فبراير/ شباط الماضي عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “الآوتشا”.
مظاهر رمضانية غائبة
ومع دخول شهر رمضان، غابت المظاهر الرمضانية وطقوس الشهر الكريم عن مدينة عدن، إذ أضحت – بحسب سكان المدينة المعلنة عاصمة مؤقتة لليمن – كئيبة وعديمة الحركة، وسط غياب مظاهر استقبال شهر رمضان في أسواق المدينة.
وبات حال سكان المدينة التي كانت تشهد زحامًا شديدًا في مثل هذه الأيام، ويحرص سكانها على التزود بكافة احتياجاتهم التموينية لهذا الشهر الكريم، جل همهم في هذا الوضع توفير كسرة خبز تؤمن لهم حياة كريمة، ولو بحدها الأدنى.
ومع تفاقم الأوضاع المعيشية لسكان عدن، فقد شهد إقبال المواطنين على شراء احتياجات ومتطلبات شهر رمضان تراجعًا كبيرًا. بحسب تجار تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز”.
يقول “بسام غانم”، وهو مالك محل بهارات ومواد غذائية في عدن، إن حركة البيع التي كانت تسبق رمضان تراجعت هذا العام على نحو غير مسبوق مقارنة بالعام الماضي نتيجة انهيار العملة المحلية وأزمة الحرب؛ مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
رمضان الحاضر والماضي
وتشكو “أم وضاح”، وهي ربة بيت في العقد الخامس من عمرها، من ظروفًا صعبة تعاني منها أسرتها، لم تتمكن نتيجتها من شراء أي متطلبات لأستقبال رمضان خلال هذا العام.
وتقول “أم وضاح” في حديثها لـ”يمن ديلي نيوز”: “لم نشتر احتياجات الشهر الكريم وحالتنا المعيشية صعبة والغلاء يحاصرنا من كل اتجاه بسبب ظروف البلاد”.
وتشير إلى أن “الكثير مما يجب شراؤه لشهر رمضان بات بعيدا عن متناول اليد”.
وتقارن “أم وضاح” بين وضعها الحالي ووضعها قبل اندلاع الحرب، قائلةً: “كنا نستعد لرمضان بتوفير كل احتياجاته مثل التمر الذي كنا نشتريه منتصف شهر شعبان، لكن الوضع الآن لا يطاق، فالحرب ولدت الفقر والمرض، ما أثر على معظم الناس وحرمهم فرحة الشهر الكريم”.

وأردفت “هذه الأوضاع القاسية لا حل لها سوى عودة السلام في كل أرجاء اليمن، لا فرح حقيقيا في أي شهر إلا بانتهاء الصراعات وتحسين أوضاع الناس المعيشية”.
مصدر قلق للأسر
وتعليقًا على ما وصل إليه اليمنيون من حال معيشي صعب، لاسيّما مؤخرًا وزاد صعوبة مع دخول رمضان، يقول المتخصص في الشؤون الاجتماعية “محمد ثابت”، إن “المواطن اليمني بات يهتم فقط بكيفية حصوله على قوت يومه بخلاف الماضي حيث كان شهر رمضان موسما لتغيير أثاث البيت ونحو ذلك”.
ويضيف “ثابت” في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”: “اليوم أصبح قدوم رمضان مصدر قلق وخوف للكثير من أرباب الأسر كون جيوبهم أصبحت خالية في واقع يشهد غلاء فاحشا في الأسعار وتراجعا كبيرا في المساعدات التي كانت تقدمها المنظمات الإغاثية”.
ولفت إلى أن “حالة التهدئة في جبهات القتال الداخلية لم تؤثّر إيجابا على ظروف السكان التي – بحسب قوله – “تزداد سوءا من الناحية المعيشية بسبب تراجع العملة وتوقف تصدير النفط وأزمة البحر الأحمر إضافة إلى عدم تحقق السلام”.
ومنذ مطلع العام الجاري يشن تحالف “حارس الازدهار” الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، غارات يقول إنها تستهدف مواقع جماعة الحوثي المصنفة إرهابيًا رداً على هجماتها في البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يقابله ردًا من الجماعة باستهداف السفن التجارية، ما أثر على كمية البضائع المستوردة إلى اليمن عبر البحر.



