أهم الاخبارالأخبارتقارير

طريق صحراء الجوف.. إتجاه إجباري نحو الموت.. من المسؤول؟ (تقرير)

تقرير خاص أعده لـ“يمن ديلي نيوز” أمة الغفور السريحي: بعد خمس سنوات من الإقامة القسرية في مأرب (شمالي شرق اليمن)، قررت النازحة أمينة محمد (30عام) زيارة أهلها في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا.

ولكون الطرق الرئيسية مغلقة بفعل الحرب الدائرة منذ اجتياح العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014، سلكت “أمينة” طريق صحراء الجوف، الذي تحول إلى طريق رئيسي يسلكه المسافرين والمغتربين العائدين من المملكة العربية السعودية إلى مناطق سيطرة الحوثيين.

وما إن بدأت السيارة التي تقل أمينة، تشق طريقها في “صحراء الجوف” حتى تحول شوقها لأهلها اللذين تتوق لزيارتهم، إلى ما وصفته بـ“كابوس حقيقي” كاد أن يودي بحياتها وأطفالها اللذين يرافقونها.

تقول “أمينة” لـ“يمن ديلي نيوز”: “غرزت السيارة وتعطلت وسط الصحراء بين مأرب والجوف.. كنت أنا وأطفالي الثلاثة ومعنا مرة ثانية معاها 2 بناتها، فنزل الركاب كلهم من السيارة على شان يساعدوا السواق بعدما غرزت في الرمل، الاطفال كانوا يبكوا من شدة الحرارة داخل السيارة ، جلسنا يمكن 6 ساعات، بدون ماء ولاغذاء”.

تروي “أمينة” المشهد قائلة: “جاء الليل واحنا مغرزين والظلام مخيف لما تشوف مافيش حد جنبك، وكان جنبنا سيارة حارة شكلها حصلها لها حادث .. كنت أسأل نفسي: ليش أسافر ؟ أنا بموت أنا وأولادي .. أهلي ماعاد يشتوا زيارتي لو عرفوا انها هكذا.”.

“كان السواق يحاول البحث عن تغطية لجواله لطلب المساعدة لكن لأن احنا وسط الصحراء فمالقاش تغطية، وشوية وصل رجل شهم وكريم من أبناء الجوف، سحب سيارتنا المغرزة في الرمال، بسيارته الخاصة، ونقلنا إلى بيته، وأكرمنا وجاب مهندس أصلح السيارة ورافقنا حتى أصبحنا في أمان”، والحديث هنا لأمينة.

قصة “أمينة” ليست إلا واحدة من آلاف القصص التي تتكرر بشكل يومي في صحراء الجوف، حيث يتخطف الموت بالمسافرين منها من كل مكان، ألغام، تيه، تغريز، جوع وعطش.

خوف دائم

ماجد صالح، سائق سيارة أجرة، اضطر لسلوك طريق مأرب – الجوف، بسبب إغلاق الطرق الأخرى، وطوال الرحلة والخوف رفيقه من الألغام وقطاع الطرق، حد قوله.

يقول “ماجد” لـ“يمن ديلي نيوز”: “احنا بنسمي هذا الطريق طريق الموت فقد راح الكثير من الضحايا في هذه الصحراء بسبب الألغام وعدم وجود خدمات او معالم واضحة للطريق، مما يؤدي إلى الضياع في وسط الصحراء”.

ويضيف: “قتل صديقي وهو يحمل ركاب من صنعاء إلى مأرب، بعدما انفجرت سياراتهم بلغم وسط الصحراء، ومات كل الركاب اللذين كانوا معه في السيارة”.

معاناة وتكاليف مرتفعة

“محمد إبراهيم”، وهو تاجر يضطر لاستخدام هذه الطريق لنقل بضاعته، يقول لـ“يمن ديلي نيوز” إن “الطريق متعبة، وأضطر لنقل حقي الضاعة مع ثلاثة أو أربعة مرافقين في حاوية واحدة، وتجلس في الصحراء عدة أيام وهي تسافر”.

ويضيف: “كتجار احنا نعرف خطورة هذه الطريق، فأحيانا تضيع الشاحنة، أو تتعطل ولا تلقى من يسحبها لك من وسط الصحراء، والسيول كمان جرفت الكثير من الألغام وللأسف توصل إلى الصحراء والرمال هذه مثل البحر، تقرح في بعض الناس والدينات”.

وشكى “محمد” من “رفض الكثير من أصحاب الدينات حمل بضائعهم ونقلها بسبب ما يعانوه ويتعرضون له في الطريق، فنضطر إلى رفع أجور الحمولة بسب الخسائر، وهذا يسبب إلى ارتفاع تكلفة البضائع “.

وقال: “في أحد المرات حصل تقطع على أحد الدينات، المحملة ببضائعنا في وسط الصحراء ولم نعرف الغريم، وهربوا داخل الصحراء، لم نستطع اللحاق بالدينة ولم نعرف غريمنا”.

وأردف: “إذا تخارج الواحد بروحه ونجا خير وبركة، ما تخارج بروحه قده يروح مع الدينة الجمل بما حمل، وهذه نبذة بسيطة عما يحصل لنا للأسف الشديد، في ظل إغلاق الطريق (الأزفلت)”.

إحصائيات

وخلال التسع السنوات من إغلاق طريق الفرضة بفعل الحرب، سقط المئات بين قتيل وجريح في صحراء الجوف، حيث رصد تقرير لمنظمة “رايتس رادار” (392) انتهاكاً بحق المسافرين وسائقي المركبات والسكان المدنيين بين عامي 2014م – 2021م في طريق الجوف منها.

وبحسب تقرير “رايتس رادار” فقد قتل (31) شخص، وأصيب (69) آخرين، في حين اختطف (48) مسافر، مشيرا إلى أن من بين الانتهاكات في طريق صحراء الجوف، (54) حالة نهب وفرض إتاوات وإضرار بوسائل نقل، و(188) تقييد لحرية التنقل وحالتي إعاقة لوصول المساعدات الإغاثية”.

ولتخفيف المخاطر عن المسافرين، تم فتح طريق الجوف عام 2023م، لكن السيول جرفت الألغام إلى الطريق وتسببت الألغام بقتل 9 أشخاص و20 إصابة وإتلاف 10 مركبات.

مسؤولية الجرائم

وفي ظل استمرار أعمال التقطع والقتل في طريق صحراء الجوف، اتهم قائد كتيبة الدعم السريع في المنطقة العسكرية السادسة العقيد أحمد عامر، قيادات في جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، بالوقوف وراء عصابات التقطع والقتل والاختطافات.

وقال “عامر” لـ“يمن ديلي نيوز” إن تلك القيادات “تعمل على تأمين العصابات التي تنشط في المنطقة الصحراوية والتي تعود إلى مناطق سيطرة المليشيا الحوثية بعد أن تقوم بمهامها في قتل وترويع المدنيين المسافرين”.

وأردف: “هذا النشاط الإجرامي الحوثي، الهدف منه تجارة الممنوعات وخلق فوضى في هذه المناطق التي تعد ممر لتهريب الممنوعات من أجل اظهار القوات التابعة للحكومة الشرعية بمظهر العاجز، وأيضاً إيجاد فرصة لتسهيل حركة التهريب للممنوعات”.

إجراءات حكومية لحماية المسافرين

وعن الإجراءات التي تتخذها قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا لحماية المسافرين، قال العقيد “عامر” إن “قوات الشرعية وبالأخص قوات المنطقة العسكرية السادسة، التي ترابط في تلك المناطق الصحراوية، اتخذت اجراءات من شأنها الحد من ظواهر القتل والتقطع والسرق والنهب في الطريق الصحراوي”.

ومن هذه الإجراءات، “قامت القوات الحكومية بتأمن الطرقات ووضع حواجز ترابية لقرابة 50 كم من نقطة المطار في مارب وحتى آخر نقطة للشرعية باتجاه معسكر لبنات في محافظة الجوف والذي تسيطر عليه المليشيا الحوثية”، وفقا لحديث عامر.

وأضاف لـ“يمن ديلي نيوز”: “من ضمن الإجراءات التي قامت بها الشرعية للتخفيف من معاناة المسافرين في طريق الجوف، ردم وتعبيد الطريق الموحد والمسار المحدد للمسافرين حتى آخر نقطة للشرعية، وتخصيص وحدات عسكرية، لحماية الطريق وتأمين المسافرين وعمل دوريات لملاحقة عصابات التقطع”.

دعوات شعبية واستجابة رسمية

ومؤخراً، دشن نشطاء على مواقع التواصل حملة واسعة للمطالبة بفتح الطرق، مذكرين بحجم معاناة المسافرين التي يعانونها في هذه الطرق.

واستجابة لهذه الدعوات، أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ محافظة مأرب اللواء سلطان العرادة، في 22 فبراير/شباط، فتح طريق مأرب صنعاء من جانب واحد، مبدياً استعداده لفتح طريق (مأرب- البيضاء- صنعاء) وطريق (مأرب- صرواح- صنعاء).

وطالب “العرادة” الطرف الآخر (الحوثيين) بالقيام بخطوة مماثلة، وإبعاد موضوع الطرقات عن المزيدات السياسية. وقال:” من جانبنا نحن لا نرى أن هناك أي ضرر مترتب على عبور المواطنين من الطرقات”.

تعنت الحوثي

ولاقت خطوة العرادة، ترحيبًا رسمياً وشعبياً كبيراً، إلا أن جماعة الحوثي تنصّلت من المسؤولية باختلاق اشتراطات جانبية، وتهربت من المبادرة، وذهبت لإعلان فتح طرق ثانوية في محافظة تعز التي تحاصرها منذ 9 سنوات.

وعن خطوة العرادة، قال رئيس مركز البلاد للدراسات، حسين الصوفي، إن هذه الخطوة “جاءت بعد سلسلة خطوات، ولم تكن أول خطوة ولا أول مبادرة، فمسألة فتح الطريق أساساً هي من حق الطريق وحرية التنقل مكفولة في الدستور ومكفولة في القيم والقوانين كلها”.

وأضاف “الصوفي” في حديث لـ“يمن ديلي نيوز”: “خطوة العرادة، أوقعت الحوثيين في الفخ، فبعد استجابته للحملة الشعبية بدأوا يتنكروا لهذه الحملة ويتهربوا”.

وتابع: “في الحقيقة خطوة الشيخ سلطان العرادة جاءت استجابة لنداء الشعب اليمني وهذا هو ما تقوم به السلطات الشرعية التي تحاول أن ترفع العناء عن اليمنيين فيما تقوم به مليشيا الحوثي كالتهرب من حقوق اليمنيين وافتعال الاكاذيب والاعذار الواهية حتى لا يخففوا عن اليمنيين”.

وتساءل “الصوفي” مستغربا: “ما الضمانات التي يحتاجها القناص الذي في تبة سوفتيل التي قطع 700 كيلو متر من صعدة الى تبة سوفتيل ليحاصر المدنيين في تعز واحد في سوفتيل قناص يحاصر أربعة مليون يمني، ما هي الضمانات التي يريدها حتى يرفع الطريق؟!”.

وأردف: “كل شعاراتهم ستسقط، يعني قصة العدوان الامريكي واليهودي والصهيوني وغيرها سينتهي، قصة تضامنهم مع غزة سيظهر انه شعار وهمي لا أقل ولا أكثر وهذا ما يخيفهم”.

استمرار الضغط

من جانبه، يرى الصحفي عدنان الجبرني، أن الخطوة التالية لإعلان العرادة، هي “استمرارية الضغط على الحوثيين للخضوع لمصالح الناس سواء من قبل سلطات الدولة وهذا ما قام به اللواء العرادة او باستمرار حراك الناس وغضبهم في وجه الحوثيين”.

واعتبر “الجبرني” في حديث لـ”يمن ديلي نيوز”، أن الموقف هو “حراك شعبي ورسمي يتكامل ويتساند وغايته انتزاع حقوق الشعب من فكي المليشيا بكل السبل الممكنة”.

وأضاف: “الحوثي يغلق كل الطرقات وليس طرقات مارب صنعاء فقط، ومسألة الطرق هي مقياس لكيف ينظر الحوثي الى ما يتعلق بالمجتمع ومعاناته، اذ ان معاناتهم غير مرئية بالنسبة للجماعة”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading