الأخبارتقارير

من 32 إلى 3 دولار.. بن اليمن لم يعد “كنزا” ومزارعوه يبحثون البديل

تقرير خاص بـ”يمن ديلي نيوز” : يشكل البن بالنسبة لـ”عبدالرشيد محمد“ – إسم مستعار – مصدر دخل رئيسي له ولعائلته من عهد الآباء والاجداد، ويعتمد عليه بشكل أساسي، لكن تراجع أسعاره خلال الأعوام الأخيرة أصابه بـ”اليأس والاحباط“، حد قوله.

هكذا يروي، ”عبدالرشيد“ 40 عاما والذي ينحدر لإحدى مناطق ريف ذمار، لـ”يمن ديلي نيوز“، كيف أثر عليه ما وصفه بـ”الانهيار المخيف“ لأسعار البن في الأسواق اليمنية.

يقول ”عبدالرشيد“  إن البن يعتبر مصدر دخل اسرته الأساسي، كون مزارع الذرة التي يمتلكها “قليلة ولا تكفي لتأمين غذائنا سوى أربعة أشهر من العام“، لذلك يأتي البن لسد النقص وتوفير ماتبقى من احتياجاتنا طوال العام.

يجني ”عبدالرشيد“، من 8 إلى 10 “أقداح” سنويا من حقول البن الذي يمتلكها ويعمل فيها طوال العام، ويعتمد على هذه الكمية إلى جانب الذرة في تأمين الغذاء لأسرته المكونة من 13 فردا.

ويضيف ”إلى جانب الغذاء كنت أتمكن من توفير تكاليف الزراعة ووسائل الري والأسمدة والمبيدات قبل أن يصيبني  انخفاض اسعار البن في الأعوام الأخيرة باليأس والاحباط“.

وظل البن اليمني طوال قرون من الزمن يحتل مساحة واسعة من الأراضي اليمنية في المرتفعات الغربية خاصة منها المطلة والقريبة من البحر الأحمر، وكان مزارعوه من طبقات الأثرياء، ووصف قديما بالكنز والذهب الأخضر، وبالعقيق اليماني.

تغنى به الشعراء حتى قرنوه بالمدامة، وعزفت على كلماتهم أعذب الألحان، ومن أشهر الأغاني التي مازالت تحتفظ بحضورها الشعبي حتى اليوم أغنية “الحب والبن” للشاعر مطهر الإرياني، وغناء الفنان “علي بن علي الآنسي” حيث شبه البن بالكنز فوق الشجر.

ويحتفظ “البن اليمني” بمكانة مهمة بسبب جودته العالية كونه ينمو في تضاريس جبلية تمنحه مذاقا مميزا، لكن الاهتمام بإنتاجه تضاءل مؤخرا بفعل عدة عوامل أبرزها الحرب التي تشهدها البلاد منذ نحو 7 أعوام.

اللجوء لبدائل البن

”ناصر محمد“ مزارع آخر يقول إن ”انخفاض السعر الذي يحصل عليه من تجار الجملة دفعه للبحث عن للبن يقوم بزراعته”.

ويضيف ”ناصر“ لـ”يمن ديلي نيوز“: “قبل تسع سنوات وصل سعر الكيلو البن إلى 7000 (أي مايزيد عن 30 دولارا) والآن انخفض سعره إلى أقل من 1500 ريال (أي بـ 2.70 دولار)”.

وأكد أن هذا السعر “لا يغطي نفقات زراعته فضلا عن تكاليف نقله من المزارع إلى الأسواق”.

وحسب دراسة للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، نشرت في أغسطس الماضي، فقد انخفض القطاع الزراعي بنسبة 21%، خلال سنوات الصراع، لأسباب رئيسية، من بينها اضطراب السوق، وعدم توفر مدخلات المحاصيل، والنزوح.

ويعد البن اليمني الأشهر والأجود في العالم، حيث ذاع صيته، واشتُهر قديمًا باسم “موكا”، نسبة لميناء المخا، إذ كان اليمن يصدر منه القهوة اليمنية.

أسباب انخفاض سعر البن

يقول ”عبدالفتاح أحمد“، وهو تاجر بن تجزئة ينقل البن من المزارعين وبيعه لتجار الجملة، لـ”يمن ديلي نيوز“، إن أسباب انخفاض أسعار البن ”ناتج عن غياب التسويق للبن اليمني في الأسواق العالمية“.

أما الخبير الزراعي ”محمد أحمد الحاج“، فيعتقد أن سبب تراجع أسعار البن يرجع لـ”إغراق الاسواق المحليه بالبن الاجنبي، وخلطه مع البن اليمني وبيعه بإسم اليمن“.

وذكر ”الحاج“، في حديث لـ”يمن ديلي نيوز“ أن من أسباب تراجع السعر أيضا ”جشع تجار البن واستغلال وضع المزارع في ظل غياب الرقابة من قبل سلطات جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا“.

تاجر الجملة ”علي زايد“، سرد لـ”يمن ديلي نيوز“، جملة من الأسباب التي تقف وراء تراجع أسعار البن اليمني، ومنها “الركود الاقتصادي وغياب العملة في مناطق الحوثي بسبب انقطاع الرواتب“.

ومن الأسباب وفقا لـ”زايد“، “عدم قيام الجهات المختصة بدورها في تصدير المنتج إلى الخارج، وقيام تجار ونافذين تحت مراى ومسمع الدولة باحتكار المنتج واستغلال المزارعين البسطاء”.

ويضيف “هناك ركود اقتصادي أثر على كل القطاعات وضعفت عملية البيع والشراء بشكل كبير”، مشيرا إلى أن “استمرار انقطاع الرواتب وانقسام العملة هو بمثابة موت بطيئ يتعرض له المواطن اليمني في مناطق الحوثي”.

بدوره، تحدث الباحث الزراعي في جامعة ذمار “هشام عبد الغني” لـ “يمن ديلي نيوز” عن أضرار لحقت بالقطاع الزراعي بشكل عام أثرت على كثير من المنتجات الزراعية وعلى رأسها منتج البن.

وسرد جملة أسباب أدت لتراجع أسعار البن من بينها عجز المستهلك عن الشراء، نتيجة ضعف القدرة الشرائية، وعدم توفر السيولة النقدية، وارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية، وعدم دفع رواتب الموظفين”.

إحصائيات وأرقام

طبقا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء تقلصت مساحة زرعة البن اليمني من 33 ألف و959 هكتار عام 2015 إلى 33 ألف و 544 ألف هكتار في نهاية العام 2017، وبفارق تراجع 415 هكتار.

وتراجع إنتاج محصور البن من 19 ألف و257 طن عام 2015 إلى قرابة 18 ألف و 767 ألف طن في العام 2017 بفارق بلغ حوالي 490 طنا.

وتشير إحصائيات رسمية إلى أن ما يقارب المليون شخص يعملون في مجال البُن، فيما تبلغ صادرات اليمن حوالي 20 ألف طناً سنوياً.

وتتم عمليات بيع البُن عن طريق صغار التّجار المحليين، ثم إلى وكلاء في مُدن قريبة من زراعته، قبل نقله إلى تجّار يتمتعون بنفوذ داخل المحافظات اليمنية وخارجها.

غياب آلية التسويق

في السياق  يقول المحلل الاقتصادي “نبيل الشرعبي” لـ”يمن ديلي نيوز“: هناك توجه خلال سنوات الحرب من قبل المزراعين نحو التوسع في زراعة البن، قابله غياب في آليات التسويق”.

وأضاف: “لم تضع الجهات ولا المبادرات في الحسبان لما بعد هذا التحول، حيث توقفت الجهود عند التشجيع على زراعة البن، أما بعد الإنتاج لم تكن حاضرة في قاموس الداعمين، وهذا كان واحد من العوامل التي سببت انخفاض أسعار البن”.

وأردف “من الأسباب أيضا القوة الشرائية التي وصلت إلى مستويات متردية للغاية حيث صار معها الطلب على البن متدنيا، بالإضافة إلى انحصار دور الجهات المعنية وبشكل موسمي في إقامة مهرجانات ترويجية لجودة البن اليمني والتوقف عند هذه الأنشطة دون الانتقال الى مراحل التسويق“.

اليوم الوطني للبن

ويحتفل اليمنيون في 3 مارس/ آذار من كل عام، باليوم الوطني للبن، تخليدا لذكرى زراعة البن، بإقامة عدد من الفعاليات في أغلب المحافظات اليمنية. وتم اختيار هذا التاريخ لأنه موسم يتم فيه غرس أشجار البن الجديدة لموسم الحصاد القادم.

ويزرع البن في 15 محافظة من إجمالي محافظات اليمن. ولأن المحصول يزرع في أعالي الجبال، فإن الحيازة الزراعية للأسرة الريفية الواحدة قليلة، ولا تتجاوز 0.291 هكتارا، أي 394 شجرة بن، وبإنتاجية لا تتعدى 114 كيلوجراما سنويا للأسرة، حسب دراسة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، عن البن في اليمن.

وتتركز زراعة البن في المحافظات الجبلية اليمنية وهي جميعها خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، والتي تمكنت في العام 2014 من حصار العاصمة صنعاء واجتياحها بالقوة، وطرد الحكومة الشرعية التي انتقلت إلى عدن وأعلنتها عاصمة مؤقتة للبلاد.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading