“يمن ديلي نيوز” يرصد كيف أدار الحوثيون والانتقالي أوسع حملة شائعات روّجت لسقوط مأرب

يمن ديلي نيوز – تقرير خاص: مع كل جولة من المعارك التي تشهدها جبهات اليمن، لا تبدأ المواجهة على الأرض وحدها، بل تندلع بالتوازي معها حملة إلكترونية ومعركة أخرى في الفضاء الإعلامي وصفحات التواصل الاجتماعي، تتقدم فيها الشائعات على أخبار الميدان.
ومع اشتداد القتال، تتكاثر في فضاء التواصل الروايات غير الموثقة التي تتحدث عن سقوط مواقع ومدن، وانهيار خطوط الدفاع، وانسحاب القوات، وفرار ومقتل قادة في محاولة لصناعة واقع إعلامي يتوقع مروجوه أنه سيغير الواقع العسكري.
آخر تلك الحملات ما رصده “يمن ديلي نيوز” الجمعة الماضية من حملة شائعات منسقة ومكثفة، صورت للمجتمع المحلي في مناطق الحوثيين والبعيدين عن أن مأرب سقطت بيد الحوثيين، وأن المواجهات أصبحت داخل عاصمة المحافظة.
وتزامنت الحملة مع هجمات ميدانية شنتها جماعة الحوثي المصنفة إرهابية تركزت في جنوب وغرب مأرب، أعلنت القوات الحكومية أنها صدتها وأوقعت عشرات القتلى والجرحى من الحوثيين.
حملة الشائعات خلقت حالة من الهلع في المناطق البعيدة عن مأرب خاصة الخاضعة بالقوة لجماعة الحوثي، وتشارك في تنفيذها الحوثيون وأنصار المجلس الانتقالي “المعلن حله” الذي تبناها بعد ذلك عبر منصاته الرسمية لإضفاء المصداقية.
مضمون الحملة
وشاركت عشرات الحسابات، في الترويج لشائعات تتحدث عن سقوط مدينة مأرب، واندلاع معارك داخل أحيائها، وانسحاب قوات عسكرية منها، وانتشار القوات المنسحبة في مديريات وادي حضرموت، ونشر عشرات الفيديوهات المضللة.
كما تضمنت الحملة الحديث عن “معارك طاحنة وسط مدينة مأرب”، ودخول قوات الحوثيين من عدة محاور، وسقوط مواقع عسكرية ومداخل للمدينة، وصولاً إلى مزاعم عن انسحاب قوات عسكرية وأسلحة وأموال باتجاه حضرموت.
كما تم تداول تحذيرات مزعومة للسكان من الاقتراب من المعسكرات والمواقع العسكرية.
ولمحاولة الإرباك ووضع المتلقي أمام حالة غير قابلة للتردد في اتخاذ القرار، استخدم منظمو الحملة مصطلحات “عاجل” و “الآن” و”شاهد”، وأسماء مواقع وأحياء داخل مأرب، إلى جانب مقاطع مصورة قُدمت باعتبارها توثق المعارك الحالية “المزعومة”.
فيما ذهبت صفحات تقدم نفسها كحسابات إخبارية أو إعلامية إلى نشر مزاعم عن انسحابات عسكرية ومحاولات اغتيال وسقوط مواقع، بما يمنح الشائعات مظهراً إخبارياً يتجاوز المنشورات الشخصية للحسابات الموالية للجماعة.
ومن أبرز الروايات التي رصدها “يمن ديلي نيوز” منشورات تزعم اندلاع معارك داخل مدينة مأرب، بعدما قالت إن المدينة سقطت بيد الجماعة، فيما فرت القوات الحكومية منها.
وقال حساب يحمل اسم “اليماني اليماني”، إن “معارك طاحنة” تدور وسط مدينة مأرب، زاعماً وصولها إلى “جولة الشدادي” وبالقرب من الجامعة وشارع حارة الروضة.
كما كتب حساب باسم “مصطفى آل عزيز الكعبي” أن “حرب شوارع” تدور في مأرب، مدعياً أن قوات الحوثيين “دخلوا المدينة من عدة محاور”.
وفي السياق ذاته، نشر حساب “ماجد يحيى هبة”، عبارة مقتضبة تقول: “الان اشتباكات داخل مدينة #مارب”، بينما كتب حساب أبو هاجس”: “شاهد الآن المجاهدين الأنصار يدخلون مدينة مأرب”.
كما ذهب حساب “أرجوان آل عفرار”، إلى الحديث عما وصفها بـ”اندلاع اشتباكات وسط شوارع مدينة مأرب”، زاعماً أنها بين قوات تابعة للمحافظ سلطان العرادة وجهات أخرى، دون أن يقدم مصدراً يؤكد هذه المعلومات.
واستخدمت الحملة أسماء بألقاب سكان محليين في محافظة مأرب تبنوا منشورات تحدثت عن سقوط مأرب أو أنها قريبة من السقوط.
وقال حساب يحمل اسم “ناجي بن محمد الجهمي” في أحد منشوراته: “ماااارب في قبضة المجاهدين”، بينما كتب في منشور آخر عن “الهروب من مأرب” ونقل الأسلحة والأموال من المدينة.
وقال شخص يدعى “عبدالكريم علي كباس”: “مارب تسقط في يد المجاهدين الله أكبر”.
كما كتب حساب باسم “علي باوزير” تحت وسم عاجل: “الوضع خرج عن السيطرة في #مأرب.. الحوثي بدأ التوغل إلى مدينة مارب”، ثم طرح سؤالاً: “هل سقطت مأرب؟”.
أما حساب باسم “أبو حسين الجوهري” فزعم سقوط نقطة الفلج، وقال إنها “المدخل الرئيسي للمدينة”، مضيفاً: “والآن بدأ الزحف على مدينة مأرب”.
وكتب حساب آخر يحمل اسم “أبو الكرار اليماني” أن “قوات صنعاء تدخل مدينة مأرب الآن”، وزعم بدء دخولها إلى حدود مديرية الوادي من جهتي الفليحة والعكد، إلى جانب ادعاءات عن تهريب الأسلحة والآليات والأموال إلى حضرموت.
واحتلت رواية الانسحاب مساحة واسعة من المنشورات المتداولة، إذ حاولت تقديم مشهد يوحي بانهيار القوات المدافعة عن مأرب.
وقال حساب يحمل اسم “صخر الردفاني”: “قوات في مأرب تنسحب من جميع المواقع”، مضيفاً: “على ما يبدو الوضع أهون من خيط العنكبوت سلم واستلم”.
وكتب حساب باسم “أبو العباس الراجحي” عما قال عنها”انسحابات مستمرة للمرتزقة من مأرب باتجاه حضرموت”.
كما نشر حساب باسم “طالوت علي”، منشوراً قال فيه إن “أدوات العدوان تحزم حقائبها وتسحب الأسلحة والأموال من مأرب باتجاه المكلا”، مضيفاً أنباء عن اعتراض قبائل لطريقها.
صفحات إخبارية تتبنى
وفي تطور آخر للحملة لم تقتصر حملة الشائعات على الحسابات الوهمية وبعض النشطاء، بل شاركت فيها صفحات تقدم نفسها بأسماء إعلامية أو إخبارية.
فقد نشرت صفحة “ميديا عدن الإعلانية” منشوراً قالت فيه: “جبهات مأرب اشتعلت، اشتباكات في أحياء مأرب هي الأعنف والأقوى”.
كما نشرت صفحة “رصد 24 – أخبار العرب”، ما وصفته بـ”عاجل”، تحدثت فيه عن “انسحاب قوة عسكرية كبيرة من مأرب باتجاه حضرموت”، وربطت ذلك بـ”مخاوف من احتمال سقوط المحافظة”.
وفي منشور آخر، زعمت الصفحة نفسها بدء سحب أسلحة ومعدات عسكرية من قبل حزب الإصلاح باتجاه حضرموت، وقالت إن قبائل محلية تحاول منع إخراجها.
أما صفحة “الإسناد اليمني” فنشرت عبارة “اشتباكات عنيفة داخل مدينة مأرب”، قبل أن تطرح مزعماً أكثر خطورة بالقول: “أنباء عن محاولة اغتيال المرتزق سلطان العرادة وسط مدينة مأرب”، مضيفة أن هناك معلومات عن “تحديد مصيره”، دون تأكيد.
كما تحدثت الصفحة في منشور آخر عن “تطورات متسارعة في مأرب”، وقالت إن ما تبقى من المدينة “قد يكون على موعد مع تطورات كبيرة”.
وفي السياق نفسه، اكتفت صفحة “صنعاء الآن”، بمنشور يحمل سؤالاً مثيراً: “ماذا يحدث في #مأرب؟؟؟”، في وقت كانت فيه حسابات أخرى تدفع بروايات أكثر مباشرة عن سقوط المدينة.
وفي منشور آخر، زعمت صفحة “أخبار اليمن العاجلة”، أن قوات صنعاء تشن قصفاً على مواقع في الفلج، وأن هناك “توجيهات للقوات المشتركة بالانسحاب من نقطة الفلج والمواقع المحيطة”.
ووسعت بعض الحسابات الرواية إلى الحديث عن أن “قوات الطوارئ السعودية تبدأ انسحابها من مأرب”، فيما تحدثت منشورات أخرى عن سحب السلاح باتجاه حضرموت.
كما نشرت صفحة تحمل اسم “الوعي والبصيرة جديد” ادعاءً تحت عنوان “تفريغ بنك مأرب نحو جهة مجهولة شرقاً”، وزعمت نقل أموال على متن ثلاث شاحنات، وقدرت قيمتها بـ”مئات المليارات” من الريال السعودي والدولار.
بعضهم يدعي الحياد
وشملت قائمة الحسابات المرصودة أسماء تقدم نفسها باعتبارها شخصيات إعلامية أو ناشطة.
فقد نشر “الإعلامي صالح محمد الشيوحي” مزاعم عن أسر عناصر من الجيش الوطني في مأرب، ثم قال في منشور آخر إن مأرب “على شك سقوط تحت سيطرة الحوثي”، وربط ذلك بتداعيات محتملة على شبوة.
كما نشر “عادل الحسني” منشوراً قال فيه: “هل سمعتم ما يجري في مأرب الآن، أم أنكم ما زلتم غافلين يا شعب اليمن؟”، قبل أن يتحدث في منشور آخر عن “وساطة” لما وصفها “لحقن الدماء في مأرب”.
وتداول حساب باسم “رسام الآنسي”، عبارات مرتبطة بما وصفها بتطورات مأرب، بينما نشر “بلال الشامي”، منشوراً بعنوان “شاهد هروب مرتزقة مأرب الآن”.
الانتقالي يتبنى
ورغم اندفاع بعض السكان المحليين في مأرب لإثبات أن مايتم الترويج له عبارة عن شائعات، ونشر صور ومقاطع لإثبات خلاف ذلك، أخذت الشائعات تنحو منحى آخر من خلال تحويلها إلى مضمون إخباري تبناه رسمياً “المجلس الانتقالي الجنوبي”.
فقد نشرت قناة عدن المستقلة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، تقريراً تلفزيونياً تحدثت فيه عن “انتشار لمسلحين شماليين بعتاد عسكري في سيئون عقب فرارهم من معارك مأرب والجوف”.
وأرفقت القناة تقريرها الذي نشرته على صفحتها في منصة “فيسبوك” بهشتاج #انتصارات_الحوثي_سببها_السعوديه.
عقب ذلك نشرت العديد من المواقع الخبر وتعاملت معه كحقيقة، منها موقع 4 مايو، وهو موقع إخباري تابع للانتقالي، الذي نشر خبراً تحدث فيه عن ما وصفه بـ”توتر في سيئون إثر انتشار مجاميع مسلحة بلباس مدني قادمة من مأرب”.
وقال الموقع إن مدينة سيئون في وادي حضرموت تشهد “حالة من التوتر والقلق في أوساط الأهالي، على خلفية انتشار مجاميع مسلحة ترتدي ملابس مدنية، قيل إنها قدمت من محافظة مأرب اليمنية”.
وأضاف: “ظهور هذه المجاميع المسلحة وانتشارها في عدد من مناطق المدينة حالة من الاستياء والمخاوف بين المواطنين، وسط تساؤلات بشأن طبيعة المهام التي تقوم بها والجهة التي تقف وراء استقدامها إلى سيئون”.
كذلك موقع “المشهد العربي” المقرب من المجلس الانتقالي، نشر خبراً بالتزامن حمل عنوان “عاجل” قال فيه: تسود حالة من التوتر الشديد بين أوساط الأهالي في مدينة سيئون بوادي حضرموت، إثر انتشار مجاميع مسلحة بأزياء مدنية، قادمة من محافظة مأرب اليمنية.
ولم يتوقف الانتقالي عند نشر الشائعات كأخبار بل دفع كيان يحمل إسم الهيئة التنفيذية المساعدة للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي لشؤون مديريات وادي وصحراء حضرموت، لإصدار بيان تحذر فيه من انتشار القوات الشمالية.
وقالت: “في الوقت الذي يتم إرسال أبناء حضرموت المنتسبون إلى قوات درع الوطن للقتال في جبهات الشمال المشتعلة ضد مليشيات الحوثي الإرهابية”، تتابع الهيئة “بقلق بالغ، ما تشهده مديريات الوادي والصحراء، وفي مقدمتها مدينة سيئون، من تدفق وانتشار عسكري متواصل لقوات قادمة من الشمال، والمتمثلة بقوات الطوارئ اليمنية”.
وحذر بيان الهيئة “من خطورة هذا الانتشار، وما يمثله من تهديد مباشر لأمن واستقرار حضرموت، وإثارة حالة من التوتر والاحتقان داخل المحافظة”.
وقالت: “تحذر الهيئة التنفيذية المساعدة المجتمع الدولي، من أن هذه التحركات لقوات يعود جل أفرادها إلى مناطق سيطرة المليشيات الحوثية الإرهابية.”
أبرز الاستنتاجات
ومن خلال تحليل “يمن ديلي نيوز” لمضمون هذه الحملة وجد أنها تعتمد على الانتقال السريع من الحديث عن هجوم أو اشتباكات على الجبهات إلى إعلان سقوط مواقع، ثم الزعم بدخول المدينة، ثم الحديث عن انهيار القوات وانسحابها، قبل أن تتحول بعض المنشورات إلى تقديم سيناريوهات لما بعد السيطرة على مأرب.
ويبرز في الحملة استخدام صفحات تحمل أسماء إخبارية وإعلامية، إلى جانب حسابات شخصية موالية للجماعة، ما يساهم في إعادة تدوير الادعاءات وتوسيع انتشارها، خصوصاً عندما تكون المنشورات مصاغة بصيغة “عاجل” ومرفقة بمقاطع فيديو أو تفاصيل جغرافية دقيقة.
يذكر أن القاسم المشترك بين غالبية هذه المنشورات هو غياب المصادر القابلة للتحقق، مقابل الإصرار على تقديم سقوط مأرب باعتباره أمراً واقعاً أو وشيكاً، في وقت تتطلب فيه التطورات العسكرية على جبهات المحافظة الفصل بين ما يجري ميدانياً وبين الروايات الدعائية التي ترافق المعارك.



