الذكاء الاصطناعي يتسلل إلى حرب اليمن.. صواريخ موجهة وتزييف لأصوات القادة

يمن ديلي نيوز – تقرير خاص: لم يعد الذكاء الاصطناعي في الحرب اليمنية مجرد أداة لإنتاج الصور أو النصوص، بل بدأت مؤشرات تكشف دخوله إلى مستويات أكثر حساسية، تمتد من المساعدة في أعمال هندسية مرتبطة بتطوير الصواريخ والأسلحة الموجهة، إلى استخدام تقنيات التزييف العميق في التأثير على معنويات القوات وخلط المعلومات المتداولة في الميدان.
وفي أحدث مؤشر على ذلك، كشفت شركة “أنثروبيك” المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي “كلود”، عن رصد خلية مقرها شمال اليمن استخدمت النموذج في أعمال هندسية مرتبطة بتطوير أسلحة موجهة وصواريخ بعيدة المدى.
شركة “أنثروبيك” تكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير صواريخ وأسلحة موجهة في شمال اليمن
وفي هذا التقرير، يتتبع “يمن ديلي نيوز” مؤشرات دخول الذكاء الاصطناعي إلى سياق الحرب اليمنية، من الاستخدامات المرتبطة بتطوير الأسلحة والأنظمة الصاروخية، إلى توظيفه في التضليل والحرب النفسية، مستعرضاً في هذا السياق كشف شركة “أنثروبيك” عن الخلية التي استخدمت نموذج “كلود” في أعمال هندسية مرتبطة بتطوير أسلحة موجهة وصواريخ بعيدة المدى.
وبحسب تقرير نشرته الشركة الخميس 10 سبتمبر/أيلول 2026، كانت الخلية تعمل على ثلاثة برامج لتطوير الأسلحة، بينها صاروخ موجه يستخدم نظام توجيه في المرحلة النهائية، وصاروخ باليستي متعدد المراحل بمدى مستهدف يتجاوز 2000 كيلومتر، إلى جانب برنامج أطلقت عليه اسم “R2000” ويشمل نسخة لمركبة انزلاقية فرط صوتية.
تطوير البرمجيات
الأكثر إثارة في القضية، وفق تقرير “أنثروبيك”، أن استخدام “كلود” لم يتوقف عند البحث أو الحصول على المعلومات، وإنما امتد إلى تطوير البرمجيات التي تتحكم في الطيران والتوجيه والملاحة.
وقالت الشركة إن أفراد الخلية استخدموا “Claude Code” لتطوير برمجيات أنظمة التوجيه والملاحة والتحكم، بما في ذلك دمج نظام قيادة آلي مفتوح المصدر مع حاسوب طيران من فئة الهواتف، وكتابة برمجيات التحكم وتقدير الموقع وضبط الإعدادات وتشغيل عمليات بناء البرمجيات وإجراء محاكاة للطيران.
ولم يعمل المستخدمون مع نسخة واحدة من النموذج، بل شغّلوا عدة نسخ بالتوازي، وأسندوا إلى كل نسخة مهمة مختلفة؛ واحدة للبرمجة، وأخرى للبحث، وثالثة لمراجعة الشيفرات، بما يشبه فريقاً هندسياً مصغراً يقوده المستخدم.
وتقول “أنثروبيك” إن هذا الاستخدام يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الذكاء الاصطناعي، من أداة مساعدة للمتخصص إلى وسيلة يمكن أن تعوض جزءاً من العمل الهندسي البشري في مشاريع معقدة.
الاختبار لم يبقَ داخل الحاسوب
المؤشر الأكثر خطورة في الحالة اليمنية أن النشاط لم يقتصر، بحسب التقرير، على المحاكاة الرقمية، فقد تمكنت الخلية من إجراء اختبار إطلاق فعلي لصاروخ موجه.
وتعتقد “أنثروبيك” أن الاختبار فشل، قبل أن يعود المستخدمون خلال ساعات إلى نموذج الذكاء الاصطناعي لمحاولة تحليل أسباب الفشل.
كما استخدم أفراد الخلية النموذج في محاكاة مسارات الصواريخ الباليستية متعددة المراحل، وفي تحسين أنظمة التحكم بالطيران، بما في ذلك استخدام تقنيات التعلم التعزيزي لضبط أداء أنظمة التحكم.
ورغم ذلك، تؤكد الشركة أنها لم تجد دليلاً على نجاح الخلية في إدخال سلاح تشغيلي إلى الخدمة.
كيف تجاوزت قيود الذكاء الاصطناعي؟
بحسب “أنثروبيك”، حاول المستخدمون إخفاء الهدف الحقيقي للمشروع عن النموذج، وتقسيم العمل إلى مهام صغيرة وجلسات متعددة حتى لا تظهر الصورة الكاملة في طلب واحد.
وأدى ذلك إلى نجاح أنظمة الحماية في منع عدد كبير من الطلبات، لكنها لم تمنع جميع محاولات الاستخدام.
والأكثر أهمية أن الخلية تمكنت، وفق التقرير، من بناء أدوات محاكاة تعمل بصورة مستقلة ودون اتصال بالإنترنت، وهو ما يعني أن حظر الوصول إلى نموذج الذكاء الاصطناعي لاحقاً لا يؤدي بالضرورة إلى إيقاف جميع القدرات التي ساعد النموذج في بنائها.
هل الخلية تابعة للحوثيين؟
هنا تبرز نقطة مهمة في قراءة التقرير. فـ”أنثروبيك” لم تسمِّ جماعة الحوثي، ولم تنسب الخلية إليها بشكل مباشر، وإنما وصفتها بأنها خلية لتطوير الأسلحة مقرها شمال اليمن.
لكن طبيعة البرامج التي كانت تعمل عليها، بما فيها صواريخ باليستية بعيدة المدى وبرامج مرتبطة بتقنيات فرط صوتية، تجعل القضية ذات أهمية خاصة في سياق الحرب اليمنية والبرنامج الصاروخي لجماعة الحوثي.
وبالتالي، فإن نسبة هذه الخلية إلى الحوثيين تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة مثبتة استناداً إلى تقرير الشركة وحده.
الذكاء الاصطناعي وحرب المعنويات
وإذا كان تقرير “أنثروبيك” يكشف جانباً يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في الجانب الهندسي العسكري، فإن واقعة أخرى في الساحل الغربي لليمن تكشف جانباً مختلفاً من الحرب، ويتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل والتأثير النفسي.
فخلال المعارك التي شهدها الساحل الغربي لليمن، تداولت حسابات وناشطون تسجيلاً صوتياً منسوباً إلى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، قائد قوات المقاومة الوطنية طارق صالح، يتضمن حديثاً عن الانسحاب وإعادة التموضع.
وأثار التسجيل حينها حالة من الجدل، خصوصاً مع تداوله بالتزامن مع التطورات العسكرية في الساحل الغربي، وسط حديث عن محاولات للتأثير على معنويات القوات وإرباكها.
لكن مصادر عسكرية وإعلامية نفت صحة التسجيل، وقالت إنه مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما أشارت تحليلات متداولة للتسجيل إلى استخدام تقنيات متقدمة في توليد الصوت، مع نسبته إلى أدوات للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس انتقال المعركة من الاشتباك المباشر إلى محاولة التأثير على القرار والمعلومة والمعنويات.
وأظهر تحليل التسجيل عبر أداة (Hive) المتخصصة في كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%.
ورجّحت الأداة أن يكون (Gemini 3) مصدر التوليد بنسبة 95.6%، ما يؤكد أن التسجيل الصوتي المتداول تسجيل غير حقيقي تماماًًَ.
وبحسب روايات متداولة، تزامن نشر التسجيل مع إرسال رسائل إلى جنود في الساحل الغربي تعرض عليهم العفو مقابل تسليم أسلحتهم، في محاولة لاستثمار حالة الارتباك التي يمكن أن يحدثها تسجيل يبدو، ظاهرياً، صادراً عن قائد عسكري.
من الصاروخ إلى الرسالة المفبركة
تكشف الحالتان عن مسارين مختلفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب اليمنية.
الأول “عسكري وتقني”، يتمثل في الاستفادة من النماذج المتقدمة في البرمجة والمحاكاة وتطوير أنظمة التوجيه والتحكم، وهو ما وثقته “أنثروبيك” في حالة الخلية الموجودة شمال اليمن.
والثاني “إعلامي ونفسي”، يتمثل في إنتاج محتوى مزيف يصعب على المتلقي العادي تمييزه عن الحقيقي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأصوات شخصيات عسكرية وسياسية معروفة.
وفي الحالتين، تكمن الخطورة في أن الذكاء الاصطناعي يقلل الوقت والجهد اللازمين لتنفيذ بعض المهام، ويتيح لأطراف لا تمتلك بالضرورة فرقاً كبيرة من الخبراء الوصول إلى قدرات كانت تتطلب في السابق متخصصين في البرمجة والهندسة أو الإنتاج الإعلامي.
اليمن أمام شكل جديد من الحرب
لا تقدم حالة خلية شمال اليمن دليلاً بحد ذاتها على أن الحوثيين يستخدمون “كلود” أو أي نموذج بعينه في برنامجهم الصاروخي، لكنها تكشف أن البيئة المرتبطة بالحرب اليمنية أصبحت جزءاً من مشهد عالمي جديد تتداخل فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي مع تطوير الأسلحة.
وتقول “أنثروبيك” إن حالات إساءة استخدام النماذج في تطوير الأسلحة التقليدية لم تعد مقتصرة على البرمجة النظرية، وإن تحقيقاتها خلال العام الماضي شملت حالات في الصين وروسيا واليمن.
كما أظهرت اختبارات أجرتها الشركة أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تنفيذ بعض المهام المرتبطة بالاستخبارات التكتيكية وتطوير الأسلحة، وهي مهام كانت تاريخياً تتطلب خبرات بشرية متخصصة ونادرة.
وهذا يعني أن المعركة في اليمن قد تصبح، إلى جانب الجبهات التقليدية، معركة على “البيانات والبرمجيات والمحاكاة والمعلومات والمعنويات”.
فالصاروخ الذي يستفيد من الذكاء الاصطناعي في تطوير نظام توجيهه، والتسجيل الصوتي المزيف الذي يستهدف معنويات الجنود، ينتميان إلى مسارين مختلفين، لكنهما يكشفان تحولاً واحداً: دخول الذكاء الاصطناعي إلى دورة الحرب نفسها.
والسؤال هنا لم يعد فقط: من يملك السلاح الأكثر تطوراً؟، بل أصبح أيضاً: من يملك القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع في تطوير السلاح، وتحليل المعركة، وصناعة المعلومة والتأثير في الخصم؟.
الذكاء الاصطناعي في الحرب على إيران
لم يقتصر حضور الذكاء الاصطناعي في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على الاستخدامات التقنية والمدنية، بل دخل بصورة متزايدة في مجالات الاستخبارات والتأثير المعلوماتي والاستطلاع العسكري.
وفي أحدث تقرير لها، كشفت شركة “أنثروبيك” أن جهات مرتبطة بالدولة الإيرانية استخدمت نموذج “كلود” في بناء وإدارة عمليات تأثير إعلامي، أطلقت عليها بعض الجهات المشاركة وصف “الحرب الناعمة” أو “الحرب المعرفية”، وشملت إعداد خطط للحملات، وبناء شخصيات وهمية، وإنتاج محتوى بلغات متعددة، وإخفاء مصدر الرسائل لتبدو وكأنها صادرة عن أصوات مستقلة.
ووفق التقرير، استخدمت ثلاث جهات دعائية إيرانية النموذج في إعداد محتوى مرتبط بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران عام 2026، بما في ذلك نشر روايات كاذبة ونسبتها إلى مؤسسات بحثية غربية، في محاولة لمنحها مصداقية أكبر والتأثير في الجمهور داخل إيران وخارجها.
الذكاء الاصطناعي في الاستطلاع العسكري
وفي جانب أكثر ارتباطاً بالعمليات العسكرية، قالت “أنثروبيك” إنها رصدت جهة مرتبطة بإيران استخدمت “كلود” لجمع وتحليل معلومات متاحة علناً عن القوات البحرية الأمريكية في المنطقة، وإعداد مواد استخباراتية تتضمن مواقع وتحركات السفن والطائرات، إلى جانب تجميع معلومات عن أفراد عسكريين وبحث نقاط ضعف في بعض الأنظمة المستخدمة على السفن.
كما رصدت الشركة استخدام جهات إيرانية للذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات للمراقبة وجمع المعلومات وتحليل أعداد كبيرة من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك تحديد حسابات معارضة وتصنيف أصحابها وتحليل توجهاتهم.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه “أنثروبيك” أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة أصبحت قادرة على تنفيذ بعض المهام الاستخباراتية والعسكرية التي كانت تتطلب في السابق مجموعات محدودة من الخبراء ذوي التدريب العالي، بما في ذلك تحليل المعلومات المتناثرة للمساعدة في تحديد الأهداف وتطوير الأسلحة التقليدية.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لليمن؟
تكشف التجربة الإيرانية أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب لا يتحرك في مسار واحد؛ فهو يمكن أن يعمل في غرف العمليات والاستخبارات والاستطلاع، وفي الوقت نفسه يستخدم في الحرب الإعلامية والنفسية وصناعة الروايات والتضليل.
وهذا السياق يجعل الحديث عن توظيف الذكاء الاصطناعي في الحرب اليمنية أكثر أهمية، خصوصاً مع كشف “أنثروبيك” عن خلية في شمال اليمن استخدمت النموذج في أعمال هندسية مرتبطة بتطوير صواريخ وأنظمة توجيه، إلى جانب وقائع أخرى تتعلق باستخدام تقنيات التزييف الصوتي للتأثير على المعنويات.
وبذلك، لا تبدو الحرب في اليمن بمعزل عن التحول الإقليمي الأوسع الذي جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من أدوات الصراع الحديثة، من تطوير السلاح والاستطلاع العسكري إلى صناعة المعلومات والتأثير في وعي الخصم.



