من العبسي إلى عيضة.. الإفلات من العقاب يحول الصحافة في اليمن إلى مهنة للموت

تقرير خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” أنسام عبدالله: لم يعد العمل الصحفي في اليمن مجرد مهنة محفوفة بالمخاطر، بل تحول خلال سنوات الحرب إلى واحدة من أخطر المهن، في ظل استمرار الاغتيالات والانتهاكات والاختطافات، مقابل غياب شبه كامل للمحاسبة، الأمر الذي عزز ثقافة الإفلات من العقاب.
ويعكس تراجع اليمن إلى المرتبة 164 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” هذا الواقع، بعدما فقد 10 مراتب إضافية مقارنة بالعام السابق، مع تصنيف وضع حرية الصحافة في البلاد بأنه “خطير جداً”.
وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين (صدى)، ومرصد الحريات الإعلامية، ونقابة الصحفيين اليمنيين، حجم الكلفة التي دفعتها الصحافة اليمنية منذ اندلاع الحرب.
وتشير الإحصاءات إلى مقتل أكثر من 90 صحفياً وإعلامياً، وإغلاق 163 وسيلة إعلامية، بينها أربع قنوات تلفزيونية، وسبع إذاعات، و119 صحيفة ومجلة، و33 موقعاً إلكترونياً، إضافة إلى استمرار مئات الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام الحكومية دون رواتب منذ عام 2016 نتيجة الانقسام المؤسسي.
كما توثق المنظمات الحقوقية استمرار احتجاز تسعة صحفيين، ثمانية منهم لدى جماعة الحوثي، وصحفي واحد لدى السلطات في عدن، إلى جانب توثيق أكثر من 100 انتهاك خلال عام 2025 شملت القتل والاعتقال والإخفاء القسري.
الموت ثمن الحقيقة
وتمثل قضية الصحفي الاستقصائي “محمد عبده العبسي” واحدة من أبرز القضايا التي لا تزال شاهداً على غياب العدالة.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2016 توفي “العبسي” بصورة مفاجئة بعد تناوله العشاء، قبل أن يؤكد تقرير الطب الشرعي وتحليل السموم في الأردن أنه تعرض للتسميم، إلى جانب اختناقه بغاز أول أكسيد الكربون، أثناء عمله على تحقيق استقصائي حول تورط قيادات بجماعة الحوثي في تجارة المشتقات النفطية والسوق السوداء.
ورغم وضوح نتائج الفحوصات، لم تصل القضية إلى أي نتائج قضائية حتى اليوم.
ولم تكن قضية “العبسي” استثناءً. ففي يونيو/حزيران 2020 اغتيل مصور وكالة “فرانس برس” نبيل القعيطي أمام منزله في مدينة عدن (عاصمة اليمن المؤقتة)، برصاص مسلحين يرتدون زياً عسكرياً.
ويقول شقيقه “فتحي” إن القضية ورغم الوعود الرسمية “وصلت إلى طريق مسدود، وقُيدت ضد مجهول وتم إغلاق ملفها نهائياً”.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021 قُتلت الصحفية رشا الحرازي وجنينها بانفجار عبوة ناسفة في عدن، فيما أصيب زوجها الصحفي محمود العتمي.
وبعد أشهر، في يونيو/حزيران 2022، اغتيل مراسل التلفزيون الصيني صابر الحيدري بعبوة ناسفة مشابهة.
لماذا يفلت الجناة؟
يرى المدير الإقليمي لمركز “سوث 24″، يعقوب السفياني، أن الانقسام السياسي والعسكري في اليمن في ظل الحرب الدائرة، أدى إلى انهيار منظومة العدالة وتقويض وجود الدولة الواحدة.
ويقول السفياني لـ”يمن ديلي نيوز” إن تعدد السلطات أوجد كيانات موازية للدولة تعمل وفق قوانينها الخاصة، ولها أسلوبها الأمني الخاص في التعامل مع الصحفيين والإعلام. ويضيف “وهنا كان الصحفي ضحية”.
وأوضح أن هذا الواقع جعل كثيراً من جرائم استهداف الصحفيين تُطمس معالمها، خصوصاً عندما تحمل أبعاداً سياسية، وذلك “نتيجة تصنيف أنه من جهة مناهضة لتلك الكيانات، إن لم تكن أصلا مشاركة في الجريمة”. وفق قوله.
ويضيف: هذا الواقع جعل الصحفي “فريسة سهلة”، في ظل ضعف المحاسبة وعدم وجود مؤسسات قادرة على ملاحقة المتورطين.
ويتفق معه مسؤول الحقوق والحريات في نقابة الصحفيين اليمنيين فرع تعز زكريا الكمالي، الذي يؤكد لـ”يمن ديلي نيوز” أن المشكلة ليست في مجهولية الجناة دائماً.
مضيفا: “ليست كل القضايا مقيدة ضد مجهول، فهناك جناة معروفون وأياديهم ملطخة، لكن الإشكالية تكمن في غياب سلطات تحقيق قوية ونزيهة قادرة على مواجهة المتورطين أياً كانوا”.
أحدث حلقات الاستهداف
وفي أحدث حلقات استهداف الصحفيين، تعرض مراسل قناتي العربية والحدث محمد عيضة، لعملية اغتيال في يونيو/حزيران 2026 بمدينة المكلا، بعد انفجار عبوة ناسفة زرعت أسفل مقعد السائق في مركبته.
وأثارت الحادثة ردود فعل واسعة، دفعت أكثر من 30 منظمة محلية ودولية، بينها لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، للمطالبة بتحقيق عاجل وكشف الجناة.
ويشير “السفياني” إلى أن إعلان السلطات الأمنية في حضرموت القبض على خلية متورطة في محاولة الاغتيال يمثل “تطوراً إيجابياً”، إذا ما استكملت الإجراءات القضائية حتى نهايتها.
ويرى المدير الإقليمي لمركز “سوث 24″ في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” أن نجاح السلطات في كشف الجناة يمكن أن يشكل رسالة ردع للخلايا التي تستهدف الصحفيين مستقبلاً، ويعزز الثقة بإمكانية الحد من ثقافة الإفلات من العقاب.
وفي ذات السياق، يؤكد “الكمالي”، أن كسر طوق الإفلات من العقاب يبدأ بتجهيز ملفات متكاملة بكل جريمة والبدء بتحريك القضايا عبر الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان بشكل مبدئي.
وقال مسؤول الحقوق والحريات في نقابة الصحفيين اليمنيين بتعز لـ”يمن ديلي نيوز” إن النقابة ترصد كافة الانتهاكات، مشيرًا إلى أن هناك تحديث دوري لكافة أنواع الانتهاكات التي لن يؤكد على أنها لن “تسقط بالتقادم”.
بين العدالة الغائبة وحرية الصحافة
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن استمرار إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات، ويجبر مئات الصحفيين على مغادرة البلاد أو التوقف عن ممارسة المهنة.
ويرى مسؤولون نقابيون أن الخطوة الأولى لكسر هذه الحلقة تبدأ بتوثيق جميع الجرائم وإعداد ملفات قانونية متكاملة، تمهيداً لتحريكها أمام الآليات الدولية ومجلس حقوق الإنسان، بما يضمن عدم سقوطها بالتقادم.
وبينما تتجاوز قائمة الضحايا أكثر من 90 صحفياً وإعلامياً، تبقى “العدالة الغائبة” العنوان الأبرز لملف حرية الصحافة في اليمن، في وقت لا تزال فيه الكلمة تدفع الثمن الأغلى.



