دراسة أكاديمية تتتبع طرق استقطاب يمنيين إلى المنظومة العسكرية الروسية

يمن ديلي نيوز: قالت دراسة أكاديمية حديثة إن ظاهرة انتقال اليمنيين إلى روسيا لا يمكن فهمها بوصفها حالات فردية معزولة، بل نتيجة تداخل الحرب اليمنية الممتدة، والهشاشة الاقتصادية، وشبكات الوساطة، والطلب العسكري الناتج عن الحرب في أوكرانيا.
وتحدثت الدراسة عن أبعاد وصفتها بـ”المعقدة” لانتقال اليمنيين إلى روسيا عبر شبكات تجنيد عابرة للحدود، قبل وصول بعضهم إلى معسكرات تدريب أو بيئات مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، معتبرة أن الظاهرة.
الدراسة، حملت عنوان “التجنيد العسكري العابر للحدود في النزاعات الممتدة: المسارات اليمنية إلى الحرب الروسية الأوكرانية: الدوافع البنيوية، وآليات التشغيل، والتحليل القانوني الدولي”.
ونشرت الدراسة التي أعدها الباحثان “نجيب أحمد محمد وفيصل علي” في العدد الأول من مجلة “البحوث الدولية متعددة التخصصات” الصادرة عن دار لندن للنشر الأكاديمي.
وكان مركز يمنيون للدراسات قد نشر قراءة نقدية عربية للدراسة، تناولت إشكاليتها ومنهجيتها وإضافتها النظرية وحدودها البحثية، بما يتيح للقارئ العربي الاطلاع على أبعادها الأكاديمية والقانونية.
وتتناول الدراسة ظاهرة برزت منذ منتصف عام 2024، حين بدأت تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية ووثائق حكومية دولية تشير إلى انتقال يمنيين إلى روسيا عبر عروض عمل وشبكات وساطة، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم في مسارات تدريب أو أعمال مرتبطة بالمجهود الحربي الروسي في أوكرانيا.
وترى الدراسة أن تجنيد يمنيين في سياق الحرب الروسية الأوكرانية لا يمكن فصله عن آثار الحرب اليمنية المستمرة منذ عام 2015، وما خلفته من هشاشة اقتصادية واجتماعية، وتراجع في فرص العمل والدخل، وضعف في قدرة المؤسسات العامة على الحماية والمتابعة.
وفي المقابل، خلقت الحرب الروسية الأوكرانية، التي بدأت عام 2022، طلبًا متزايدًا على الموارد البشرية المرتبطة بالمجهود العسكري، وهو ما جعل بعض الفئات الهشة أكثر قابلية للاستقطاب عبر عروض مالية تبدو مغرية مقارنة بالواقع الاقتصادي داخل اليمن.
غير أن الدراسة تحذر من اختزال الظاهرة في الفقر وحده، مؤكدة أن الحاجة الاقتصادية قد تفسر قابلية بعض الأفراد لقبول عروض السفر والعمل، لكنها لا تفسر وحدها وجود عقود، ومسارات عبور، وواجهات تجارية، وترتيبات نقل وتشغيل عابرة للحدود.
وتشير الدراسة إلى أن عمليات الاستقطاب لم تتم، وفق ما تعرضه، عبر مكاتب عسكرية معلنة، بل عبر واجهات مدنية وشركات ووسطاء محليين.
كما تصف مسارات العبور بأنها متعددة المراحل، تبدأ من اليمن، وتمر غالبًا عبر سلطنة عمان أو محطات أخرى، قبل الوصول إلى روسيا.
وتتوقف الدراسة عند اسم عبد الولي عبده حسن الجابري بوصفه شخصية محورية في ما يتعلق بعمليات النقل والتجنيد، استنادًا إلى تقارير حقوقية واستقصائية ووثائق حكومية.
وتشير إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فرضت في 5 مارس/آذار 2025 عقوبات على الجابري وشبكته، معتبرة أن تلك الأنشطة ارتبطت بنقل وتجنيد يمنيين للعمل ضمن المنظومة العسكرية الروسية، وأنها شكلت مصدرًا ماليًا للحوثيين.
وبحسب الدراسة، تلقى بعض اليمنيين عروضًا للعمل في وظائف مدنية أو أمنية أو خدمية داخل روسيا، مع وعود برواتب مرتفعة، غير أن بعض الشهادات التي اعتمدت عليها تشير إلى أن طبيعة العمل الفعلية لم تكن واضحة منذ البداية، أو أن القتال في أوكرانيا لم يكن جزءًا صريحًا من التصور الذي بُني عليه قرار السفر.
وتورد الدراسة، استنادًا إلى تقارير حقوقية وإعلامية، مؤشرات تتعلق بمصادرة وثائق أو هواتف، وقيود على الحركة والتواصل، وصعوبات في الانسحاب أو العودة بعد الوصول.
كما تشير إلى أن بعض من رفضوا المشاركة في القتال وُجهوا، بحسب تلك المصادر، إلى أعمال لوجستية أو أعمال شاقة مرتبطة بالمجهود الحربي.
وتؤكد الدراسة أنها لا تعمم هذه الوقائع على جميع اليمنيين الموجودين في روسيا، ولا تفترض أن كل حالة انتقال إلى هناك تندرج ضمن الخداع أو الإكراه، لكنها ترى أن الحالات التي تتضمن معلومات ناقصة، أو وعودًا مضللة، أو تقييدًا لحرية الانسحاب، تفتح أسئلة قانونية وإنسانية جدية.
ومن أبرز إضافات الدراسة اقتراح مفهوم “الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات”، لتفسير الحالات التي لا تنطبق عليها بسهولة التصنيفات التقليدية، مثل المرتزقة أو المقاتلين الأجانب أو الاتجار بالبشر بصيغته العامة.
ويقترح الباحثان أن يقوم هذا المفهوم على ثلاثة عناصر رئيسية: وجود رضا مشوب بالخداع أو التضليل أو الإكراه أو استغلال الضعف، وارتباط الخدمة أو العمل بمنطقة نزاع مسلح، ووجود شبكة وسيطة قادرة على الاستقطاب أو النقل أو التنظيم.
وفي جانبها القانوني، تناقش الدراسة الظاهرة من خلال أطر الاتجار بالبشر، والعمل القسري، ومسؤولية الدول. معتبرة أن توقيع عقد أو الموافقة الشكلية لا يحسمان المسألة قانونيًا إذا كان القرار قد اتخذ بناءً على معلومات ناقصة أو مضللة، أو إذا كان الفرد لا يعرف طبيعة العمل والمخاطر التي سيواجهها.
كما تطرح الدراسة أسئلة تتعلق بمسؤولية الجهات التي استفادت من عمليات التجنيد أو شاركت فيها، ومسؤولية الدولة اليمنية من زاوية الحماية القنصلية ومنع الاتجار بمواطنيها، ومسؤولية دول العبور أو الجهات التي سهلت النقل والتشغيل.
وتلفت الدراسة إلى أن حق العودة والحماية القنصلية يجب أن يكونا جزءًا أساسيًا من النقاش، لأن معاناة الأفراد لا تنتهي بمجرد كشف مسار التجنيد، بل تمتد إلى قدرتهم على العودة، والتواصل مع أسرهم، والحصول على حماية قانونية وإنسانية مناسبة.
وتخلص الدراسة إلى أن الحالة اليمنية تكشف كيف يمكن للحروب الممتدة أن تجعل المجتمعات المنهكة أكثر عرضة للاستغلال في نزاعات بعيدة عن حدودها، داعية إلى برنامج بحثي وقانوني أوسع حول حماية مواطني الدول الهشة من أن يتحولوا إلى مورد بشري في حروب الآخرين.



