أهم الاخبارالأخبارتقارير

أعلن تصدير النفط وخاطب القبائل .. قراءة في الرسائل التي حملتها كلمة “العليمي”

يمن ديلي نيوز – قراءة خاصة: لم يقتصر البيان الذي وجهه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني “رشاد العليمي”، إلى اليمنيين، مساء الإثنين 20 يوليو/ تموز، على إعلان استئناف تصدير النفط بعد توقف دام قرابة أربعة أعوام، بل حمل رسائل سياسية وعسكرية واقتصادية متداخلة، اعتبرت مؤشراً على تحول في مقاربة الدولة لإدارة الحرب.

يأتي الإعلان في توقيت يشهد تصعيداً غير مسبوق في خطاب جماعة الحوثي المصنفة إرهابية، وتحركاتها في البحر الأحمر، الأمر الذي منح القرار الحكومي أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي لمعالجة أزمة الإيرادات او دفع الرواتب، ليصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل المواجهة العسكرية والسياسية في اليمن.

فالنفط بالنسبة للحكومة اليمنية، ليس مورداً مالياً فقط، بل عنواناً لعودة الدولة وإنعاش الاقتصاد وتمويل مؤسساتها، فيما يمثل بالنسبة لجماعة الحوثي إحدى أهم أوراق الضغط التي استخدمتها منذ استهدافها موانئ التصدير في حضرموت وشبوة أواخر عام 2022، وهو الهجوم الذي أدى إلى توقف الصادرات النفطية وحرمان الحكومة من أهم مصادر دخلها.

وأدى توقف التصدير إلى حرمان الخزينة العامة للدولة من نحو 70% إلى 80% من إيرادات الموازنة العامة، مما كبد الاقتصاد اليمني خسائر مالية تجاوزت 7.5 مليار دولار.

ومن هنا، فإن إعلان استئناف التصدير يحمل دلالات تتجاوز الاقتصاد إلى السياسية والعسكرية، إذ يضع الجماعة أمام معادلة جديدة: إما السماح بعودة صادرات النفط، وهو ما يفقدها واحدة من أهم وسائل الابتزاز السياسي، أو العودة إلى استهداف المنشآت النفطية، بما يعني فتح جبهة مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود الموانئ إلى معركة شاملة، لا سيما على الساحل الغربي.

رئيس الرئاسي اليمني: آن الأوان لاستعادة الدولة وإنهاء كابوس الانقلاب

النفط.. نقطة التحول في الحرب

ركز “العليمي”، في بيانه على أن استئناف تصدير النفط سيبدأ “بكل الوسائل”، وهي عبارة تحمل بعداً سيادياً أكثر من كونها إدارية، إذ تعني أن الدولة لن تقبل باستمرار تعطيل أهم مورد اقتصادي بسبب تهديدات الحوثيين.

كما ربط الرئيس “العليمي”، عائدات النفط مباشرة بصرف الرواتب وتحسين الخدمات والاستقرار الاقتصادي، بكل أنحاء البلاد، في محاولة لنقل الصراع من كونه نزاعاً عسكرياً إلى معركة لاستعادة موارد الدولة وإنهاء اقتصاد الحرب الذي بنته جماعة الحوثي خلال السنوات الماضية.

لكن في المقابل، يدرك الحوثيون أن نجاح الحكومة في إعادة تصدير النفط سيمنحها مورداً مالياً مستقراً يمكنها من تمويل مؤسساتها العسكرية والمدنية، وهو ما يجعل استهداف موانئ التصدير أحد أكثر السيناريوهات ترجيحاً إذا مضت الحكومة في تنفيذ القرار.

خارطة الطريق.. بند اقتصادي عاد خارج مسار السلام

لم يكن استئناف تصدير النفط بنداً جديداً في مسار الأزمة اليمنية، بل شكّل أحد أهم مرتكزات “خارطة الطريق” التي أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن “هانس غروندبرغ” في 23 ديسمبر/كانون الأول 2023م، التزام الأطراف بها، عقب مشاورات قادتها السعودية وسلطنة عمان، بهدف الانتقال من الهدنة إلى تسوية سياسية شاملة.

الأمم المتحدة تعلن توصل الأطراف اليمنية للالتزام بمجموعة تدابير تتعلق بالسلام و”غرندبرغ” يرحب

وتضمنت خارطة الطريق، إلى جانب وقف شامل لإطلاق النار، وصرف رواتب موظفي الدولة، وتخفيف القيود على مطار صنعاء وموانئ الحديدة، بنداً يقضي باستئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز وتوجيه عائداته لدعم الموازنة العامة وصرف الرواتب في مختلف أنحاء اليمن، باعتباره أحد أهم المرتكزات الاقتصادية لإنجاح عملية السلام. إلا أن هذا المسار دخل مرحلة جمود بعد تعثر تنفيذ الخارطة وتصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وهو ما أدى إلى تراجع فرص التسوية السياسية.

وكان من المفترض أن يشكل استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز أحد أبرز استحقاقات المرحلة الثانية من خارطة الطريق الأممية، التي تمتد لستة أشهر، بعد إنجاز المرحلة الأولى الخاصة بإجراءات بناء الثقة، إلا أن تعثر تنفيذ الخارطة وتصاعد التوترات الإقليمية حالا دون الوصول إلى هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة أن إعلان “العليمي”، إعادة استئناف تصدير النفط لم يعد يُطرح باعتباره بنداً ضمن اتفاق سلام مرتقب، بل كقرار سيادي تسعى الحكومة إلى تنفيذه بصورة منفردة، حتى وإن قاد ذلك إلى مواجهة مع الجماعة التي سبق أن عطلت صادرات النفط باستهداف موانئ التصدير.

القبائل في صدارة المشهد

اللافت في بيان “العليمي”، لم يكن الحديث عن النفط فقط، بل تركيزه غير المسبوق على القبائل اليمنية، ودعوته الصريحة لها للالتفاف حول القوات المسلحة واستعادة الدولة.

هذه الدعوة جاءت في توقيت تتسارع فيه مؤشرات الحشد القبلي، وفي مقدمتها “مطارح الريان”، بمحافظة الجوف (شمال اليمن)، التي شهدت خلال الأيام الماضية توافداً واسعاً للقبائل، إضافة إلى الوقفة القبلية المسلحة التي نظمها أبناء مديرية “الخوخة” بمحافظة الحديدة (غرباً)، وأعلنوا خلالها استعدادهم للالتحاق بجبهات القتال ودعم أي معركة لتحرير ما تبقى من الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

الحديدة.. وقفة قبلية مسلحة تعلن دعمها لإطلاق معركة “استكمال تحرير اليمن”

هذا التزامن يُقرأ باعتباره جزءاً من تهيئة البيئة الشعبية لأي تحرك عسكري واسع، خاصة مع انتقال الخطاب الرسمي من الحديث عن السلام إلى الحديث عن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.

لماذا الحديدة؟

إذا كان قرار استئناف تصدير النفط يمثل بداية المعركة الاقتصادية، فإن الحديدة تبدو المرشح الأول لتكون عنوان المعركة العسكرية. فالحديدة ليست مجرد محافظة ساحلية، بل تمثل العقدة الاستراتيجية الأهم على البحر الأحمر، إذ تضم ثلاثة موانئ رئيسية هي ميناء الحديدة التجاري، وميناء رأس عيسى النفطي، وميناء الصليف.

كما تمثل الحديدة نقطة ارتكاز رئيسية في أمن البحر الأحمر، نظراً لقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

ويعد ميناء رأس عيسى المنشأة النفطية الأهم على الساحل الغربي لليمن، إذ أنشئ أساساً لتصدير النفط الخام القادم من حقول مأرب عبر خط أنابيب يمتد لنحو 428 كيلومتراً، وظل لعقود المنفذ الرئيسي لصادرات النفط اليمنية عبر البحر الأحمر.

أما ميناء الحديدة فيمثل الشريان التجاري الأكبر للمناطق الشمالية، ويستقبل معظم واردات الوقود والسلع الأساسية، فيما يؤدي ميناء الصليف دوراً لوجستياً مهماً بفضل أعماقه الطبيعية وقدرته على استقبال السفن الكبيرة.

لذلك فإن أي خطة طويلة الأمد لإعادة تنشيط الاقتصاد اليمني وتأمين صادرات النفط لن تكون مكتملة دون معالجة ملف الساحل الغربي وتأمين هذه الموانئ وخطوط الملاحة المرتبطة بها.

البحر الأحمر.. ساحة المعركة المقبلة

تزداد أهمية الحديدة لأنها تتحكم بجزء واسع من الساحل المطل على البحر الأحمر (بطول يقارب 300 كيلومتر)، وتقع بالقرب من “مضيق باب المندب”، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم وشحنات الطاقة.

وخلال الأشهر الماضية لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى ساحة صراع إقليمي، مع تصاعد هجمات الحوثيين على السفن التجارية، وتهديداتهم المتكررة بإغلاق باب المندب.

وجاء إعلان الحوثيين، قبل ساعات فقط من بيان العليمي، فرض ما وصفوه بـ”حظر الملاحة البحرية على السعودية” والحديث عن معادلة “الحصار بالحصار”، ليضيف بعداً جديداً للأزمة، خصوصاً أنه تزامن مع تقارير عن تنسيق مع إيران بشأن أمن باب المندب.

الحوثيون يعلنون حظر الملاحة البحرية على السعودية ويهددون بـ”تصعيد شامل”

وبذلك، أصبح ملف النفط مرتبطاً مباشرة بأمن الملاحة الدولية، ولم يعد شأناً يمنياً داخلياً فقط.

هل يعود الحوثيون لاستهداف الموانئ؟

السوابق تشير إلى أن الجماعة المدعومة إيرانيًا، استخدمت المسيّرات والصواريخ لاستهداف ميناءي “الضبة والنشيمة”، في العام 2022م، ما أدى إلى توقف الصادرات النفطية بالكامل.

واليوم، ومع إعلان الحكومة استئناف التصدير، تبدو احتمالات تكرار السيناريو قائمة بقوة، خاصة أن نجاح الحكومة في استعادة صادرات النفط يعني إنهاء إحدى أهم أوراق الضغط الحوثية.

لكن المشهد الحالي يختلف كليًا عن عام 2022م؛ فالحكومة تتحدث هذه المرة عن استئناف التصدير “بكل الوسائل”، فيما يتزامن ذلك مع حراك قبلي متسارع، وخطاب رسمي يدعو إلى الاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية، وتصريحات سياسية تعتبر أن المرحلة المقبلة تتطلب إنهاء الانقلاب، وليس فقط احتواءه.

ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية بالنظر إلى أن استئناف تصدير النفط كان يمثل أحد البنود الاقتصادية الرئيسة في خارطة الطريق الأممية، ما يعني أن الحكومة انتقلت من انتظار تنفيذ هذا البند عبر المسار السياسي إلى محاولة فرضه كاستحقاق سيادي على الأرض.

رسالتان متعاكستان

في أقل من 24 ساعة، صدرت رسالتان تعكسان اتجاهين متناقضين في مسار الأزمة اليمنية.

الأولى من جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا والمصنفة “إرهابية”، وتقوم على توسيع دائرة التصعيد إلى البحر الأحمر وربط أمن الملاحة الإقليمية بحسابات إيرانية.

أما الثانية، فجاءت من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وربطت استعادة الدولة بإعادة تشغيل الاقتصاد واستئناف تصدير النفط، مع دعوة صريحة للقبائل والقوى الوطنية للالتفاف حول القوات المسلحة.

وبين الرسالتين، تبدو محافظة الحديدة في قلب المعادلة؛ فهي تمثل في الوقت نفسه بوابة الاقتصاد اليمني، ومفتاح السيطرة على الساحل الغربي، والعقدة الأكثر تأثيراً في أمن البحر الأحمر وباب المندب.

جاهزون براً وبحراً وجواً

ولم يقتصر التصعيد في الخطاب الرسمي على بيان رئيس مجلس القيادة، إذ جاء موقف وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، ليعزز الانطباع بأن الدولة تتجه نحو مرحلة مختلفة في إدارة الصراع.

وزير الدفاع أكد عقب بيان “العليمي” – وفق ما نقله إعلام الوزارة – أن القوات المسلحة بمختلف تشكيلاتها باتت في أعلى درجات الجاهزية القتالية والمعنوية لخوض “معركة التحرير والخلاص” وإنهاء الانقلاب الحوثي، مجدداً التزامها بحماية مقدرات الشعب وصون الجمهورية والسيادة الوطنية براً وبحراً وجواً.

وزير الدفاع اليمني: جاهزون لخوض معركة التحرير وإنهاء الانقلاب

كما اعتبر دعوة الرئيس العليمي لالتفاف اليمنيين حول القوات المسلحة “محطة مفصلية”، داعياً أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في ما وصفها بـ”معركة يخوضها وكلاء النظام الإيراني”.

ويضيف هذا الموقف العسكري بعداً عملياً للرسائل التي حملها بيان “العليمي”، ويعزز قراءة ترى أن الحكومة لا تكتفي بإعلان استئناف تصدير النفط، بل تربط ذلك بتهيئة سياسية وشعبية وعسكرية لمرحلة قد تشهد تحولات ميدانية واسعة.

هل تقترب المواجهة؟

لا يتضمن بيان العليمي إعلاناً صريحاً عن عمل عسكري، لكنه يبتعد بصورة واضحة عن خطاب التهدئة الذي طغى خلال السنوات الماضية.

فالدعوة إلى الالتفاف حول القوات المسلحة، والتركيز على استعادة الدولة، والإعلان عن إعادة تصدير النفط، جاءت جميعها في توقيت يترافق مع إعلان رفع الجاهزية القتالية والعسكرية، وحراك قبلي متسارع، وتصعيد حوثي في البحر الأحمر، وتحذيرات رسمية من استمرار تهديد الجماعة للممرات البحرية.

هذه المؤشرات مجتمعة قد تعكس دخول الأزمة اليمنية مرحلة جديدة، يكون عنوانها استعادة الموارد الاقتصادية للدولة، بالتوازي مع تحركات ميدانية تهدف إلى تغيير موازين القوى، خصوصاً في الساحل الغربي، حيث تمثل الحديدة مركز الثقل في أي معادلة تتعلق بالنفط وأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.

مرحلة جديدة

لا يمكن قراءة إعلان استئناف تصدير النفط بوصفه قراراً مالياً منفصلاً عن التطورات العسكرية والسياسية. فالتوقيت، ولغة البيان، والحراك القبلي، والتصعيد الحوثي في البحر الأحمر، كلها مؤشرات توحي بأن اليمن قد يكون مقبلاً على مرحلة مختلفة عنوانها استعادة الموارد السيادية بالتوازي مع تحولات ميدانية محتملة.

وإذا كانت عودة النفط تمثل بالنسبة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بداية استعادة الدولة، فإن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بقدرتها على حماية منشآت التصدير وتأمين خطوط الملاحة، وهو ما يجعل الساحل الغربي والحديدة تحديداً محوراً أساسياً في أي معادلة قادمة، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة