الصحفي عبدالكريم الخياطي يروي لـ”يمن ديلي نيوز” تجربته مع رمضان في بلجيكا

يمن ديلي نيوز: سلسلة تقارير رمضانية أعدها لـ”يمن ديلي نيوز”: محمد العياشي: يجلس عبدالكريم الخياطي أمام شاشة حاسوبه، في أحد أحياء العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث تتداخل لغات العالم في شوارع أوروبا الهادئة، محاولاً التوفيق بين واجباته كصحفي، ودراسته للغة الهولندية، ومسؤولياته كرئيس للجالية اليمنية في بلجيكا.
لكن مع أذان المغرب، يتحول المشهد: رائحة الشفوت والتمر تفوح من المطبخ، وأصوات الأبناء تملأ المكان، ومكالمة فيديو توشك أن تبدأ مع الوالدة في اليمن.
هكذا يمضي رمضان الصحفي اليمني عبدالكريم الخياطي في المهجر الذي استقر به المطار في قلب أوروبا.
منذ عام 2011، عمل الصحفي الخياطي المنتمي لمحافظة المحويت، مراسلاً لقناة الجزيرة، متنقلاً بين جبهات مأرب والجوف ونهم والبيضاء، قبل أن تمتد رحلاته الصحفية إلى إثيوبيا والسودان وجيبوتي. لكن التنقل الأصعب كان ذلك بين الحرب والعائلة.
في حديث خاص لـ”يمن ديلي نيوز”، يستعيد الخياطي تلك الفترة العصيبة: كنت أترك أسرتي في ماليزيا وأعود إلى الجبهات، ثم أزورهم في الإجازات. كانت حياة معلّقة بين الحرب والعائلة.
لم يكن قرار مغادرة اليمن خياراً شخصياً بقدر ما كان ضرورة فرضتها الظروف. يقول الخياطي: الأسباب كثيرة ومتشابكة “غياب الأمن، انهيار مؤسسات الدولة، إغلاق المؤسسات الإعلامية، ثم إغلاق مكتب الجزيرة في اليمن في سياق الأزمة الخليجية، إضافة إلى الملاحقات والتهديدات التي تعرض لها الصحفيون بشكل عام. في ظل هذه الظروف، أصبح الاستمرار في العمل الصحفي داخل اليمن مخاطرة يومية”.
بدأت رحلة الخروج الأولى عام 2015 عقب انقلاب الحوثيين، حيث انتقل مع أسرته إلى ماليزيا، قبل أن يعود في العام نفسه إلى اليمن لتغطية الحرب.
بعدها تنقل بين قطر وجيبوتي وإثيوبيا حيث عمل منذ بداية 2019 حتى نهاية 2022، ثم انتقل إلى أوروبا ليستقر أخيراً في بلجيكا نهاية عام 2022.
في بروكسل، يبدو رمضان مختلفاً تماماً. يصف الخياطي لـ”يمن ديلي نيوز” يومه قائلاً: رمضان هنا يشبه شعبان في النهار.
يقول: الحياة تمضي بشكل طبيعي.. الأطفال يذهبون إلى المدارس صباحاً، نستيقظ جميعاً مبكراً لتجهيز من يذهب للعمل ومن يذهب لمعهد اللغة.. لا يوجد ذلك الإيقاع الرمضاني الجماعي الذي نعرفه في اليمن. المجتمع هنا غالبيته غير مسلمة، ولا يوجد تعديل في ساعات العمل أو الدراسة، لكن مع حلول الليل، تبدأ محاولات خلق الأجواء الرمضانية.
يضيف: في الليل نحاول أنا وأسرتي أن نخلق أجواءنا الخاصة “أطعمة يمنية، شعائر روحانية بسيطة، ولمّة عائلية. نتواصل مع أهلنا في اليمن عبر وسائل الاتصال الحديثة، نحاول أن نختصر المسافة بالصوت والصورة”.
رغم البعد، يحرص الخياطي وعائلته على الحفاظ على العادات الرمضانية اليمنية. يقول: اللمة العائلية، الإفطار معاً، التمر والقهوة، الأكلات اليمنية، الشفوت، ومكالمات يومية مع الأهل والأسرة في اليمن. هذه تفاصيل صغيرة لكنها تمنحنا إحساساً بالانتماء. كما يحرص على الالتقاء بالأصدقاء اليمنيين أسبوعياً كلما أمكن.
وعن تفاعله مع المجتمع المحيط، يضيف: أحياناً نعزم بعض البلجيكيين لتذوق الطعام اليمني، مثل الكبسة أو المندي. الطعام يصبح وسيلة للتعارف وكسر الحواجز.
إلى جانب عمله الصحفي كمراسل للجزيرة نت بنظام العمل الحر، ودراسته للغة الهولندية، يتولى الخياطي حالياً رئاسة الجالية اليمنية في بلجيكا.
يصف هذا الدور قائلاً: نحاول من خلاله لمّ الشمل وخدمة الناس بما توفر.. الجالية اليمنية هنا ما تزال حديثة، ومعظم الشباب مشغولون بالعمل أو الدراسة، لذلك يصعب جمع الجميع. نحاول على الأقل الالتقاء مع من يعيشون في مدينتنا.
عند سؤاله عن أكثر ما يفتقده في اليمن خلال رمضان، قال الخياطي: والدتي أولاً… ثم أخواتي وإخوتي وأصدقائي، خصوصاً في المحويت. أشتاق لصوت الأذان، لرائحة الدخان المتصاعد من مطابخ القرى قبل المغرب، للجلسات الرمضانية في المساجد، وحتى لمجالس القات التي كانت جزءاً من المشهد الاجتماعي.
ويصف الخياطي تجربة البعد عن الوطن في الشهر الفضيل بأنها مزيج من الحزن والحنين. وهناك أيضاً ألم أعمق، حين تفكر في حال الشعب اليمني اليوم. رمضان لم يعد كما كان قبل عقد من الزمن. الظروف السياسية والاقتصادية جعلت الفرح ناقصاً، ونشعر بالعجز تجاه ما يعيشه أهلنا هناك.
في ختام حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”، وجه الخياطي رسالة إلى الشباب اليمني في الداخل والخارج، قال فيها: تمسكوا بهويتكم، تعلّموا، واستغلوا كل فرص الحداثة والتكنولوجيا لتطوير أنفسكم. ابحثوا عن الفرص، وحاولوا دعم مسار استعادة الدولة. اليمن يحتاج وعيكم بقدر ما يحتاج صمود أهله. الغربة مرحلة، لكنها لا يجب أن تكون بديلاً عن الوطن.



