أهم الاخبارالأخبارتقارير

في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية

أغنية مصرية حملت صوت سبتمبر من القاهرة إلى صنعاء، وخلّدت بصوتها حكاية شعب كسر قيود الإمامة وأعلن ميلاد الجمهورية

سلسلة حلقات يعدها لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: لم تكن ثورة 26 سبتمبر صوتًا يمنيًا وحسب؛ فقد تجاوز صداها حدود الجغرافيا، ووجدت طريقها إلى أصوات عربية رأت في ما حدث في اليمن لحظة تحرر تستحق أن تُغنّى وتُروى وتُحفظ في الذاكرة.

ومن القاهرة، جاء أحد تلك الأصوات التي حملت حكاية سبتمبر إلى المستمع العربي. صوتٌ جهوري لفنانة مصرية عرفت كيف تجعل من الأغنية الوطنية موقفًا، ومن اللحن مساحة للتعبير عن أحلام الشعوب في الحرية والتحرر.

إنها الفنانة الراحلة “فايدة كامل”، مطربة الثورات العربية، كما تُعرف، والتي ارتبط اسمها في ستينيات القرن الماضي بالأغنية الوطنية، قبل أن تحمل صوتها إلى اليمن، وتشارك في حفلاته، وتسجل أعمالًا تغنت بثورته وجمهوريته الوليدة.

لكن قصة فايدة كامل مع سبتمبر لم تكن مجرد أغنية سجلت في استوديو، ثم غابت مع مرور السنوات، فقد تداخل الفن مع التاريخ في واحدة من أكثر مراحل اليمن حساسية.

كانت الثورة تواجه تحدياتها الأولى، والجمهورية الوليدة تبحث عن تثبيت أقدامها، بينما كانت أصوات الفنانين العرب تصل إلى صنعاء لتمنح اللحظة الثورية وجهًا آخر.

وفي قلب تلك الذاكرة، بقيت أغنية “ثورة اليمن السعيد”، التي كتب كلماتها الشاعر المصري كمال منصور ولحنها الموسيقار عبد العظيم محمد، واحدة من الأعمال التي اختزلت في كلماتها وصورها الغنائية، حكاية سبتمبر كما استقرت في الذاكرة الجمهورية: فجرٌ طال انتظاره، وأسودٌ زأرت، وقيودٌ انكسرت، وحلمٌ تحول إلى جمهورية.

ومن “يا سلام على الأفراح” إلى “أعلنوها جمهورية”، ومن “وحدة الشعب” إلى “الإرادة والعزيمة والجهاد”، لا تكتفي الأغنية بسرد ما جرى؛ إنها ترسم صورة كاملة للثورة: شعب يخرج من زمن القيود، وثوار يحولون الحلم إلى واقع، ووطن يرى في الجمهورية بداية لعهد جديد.

وفي هذه الحلقة من سلسلة “في حضرة الثورة”، نعود إلى الأغنية لا باعتبارها تسجيلًا قديمًا من زمن مضى، وإنما بوصفها وثيقة فنية حملت شيئًا من روح سبتمبر؛ نتوقف عند كلماتها وصورها، ونقرأ ماذا أراد شاعرها أن يقول عن الثورة والثوار والجمهورية، وكيف استطاع صوت فايدة كامل أن يجعل من حكاية اليمن أغنية ظل صداها حيًا في الذاكرة اليمنية بعد أكثر من ستة عقود.

فايدة كامل.. صوت مصري في ذاكرة سبتمبر

ارتبط اسم الفنانة المصرية الراحلة فايدة كامل، بالأغنية الوطنية، وكانت واحدة من أبرز الأصوات التي قدمت أعمالًا ارتبطت بالمناسبات الوطنية والقومية خلال تلك المرحلة.

وفي سياق الثورة اليمنية، جاء حضورها ضمن مشاركة فنية عربية ومصرية واسعة في اليمن، حيث قدمت مع عدد من الفنانين المصريين حفلات في صنعاء، في وقت كانت فيه الجمهورية اليمنية الوليدة تحاول تثبيت حضورها وسط تحديات سياسية وعسكرية كبيرة.

وتشير الذاكرة الفنية التي وثقت تلك المرحلة إلى أن الفنانة فايدة كامل، سجلت أعمالًا وطنية متعلقة باليمن، من بينها أغنية “ثورة اليمن السعيد”، التي غنتها في العام 1963م، لإذاعتي “صوت العرب” المصرية و”صنعاء”، لتصبح تلك الأعمال جزءًا من الأرشيف الفني الذي واكب ثورة 26 سبتمبر، ونقل صداها إلى الجمهور اليمني والعربي.

ولم يكن حضور فايدة كامل في اليمن مجرد مشاركة فنية عابرة؛ فقد جاءت إلى بلد يعيش واحدة من أكثر لحظاته تحولًا، ووجدت في الثورة مادة غنائية تحمل مزيجًا من الفرح والأمل والصراع والتحول، وهي المعاني التي ستظهر بوضوح في كلمات “ثورة اليمن السعيد”.

واكتسب ارتباطها باليمن وثورة 26 سبتمبر، بُعدًا شخصيًا إلى جانب حضوره الفني، فقد كانت في تلك المرحلة زوجة اللواء النبوي إسماعيل، الذي ارتبط اسمه بالمهمة المصرية في اليمن عقب قيام الثورة، كأول قائد عام للقوات المصرية في اليمن وأبرز القادة المصريين المرتبطين بهذه المرحلة.

وهكذا تداخل في قصة فايدة كامل مع سبتمبر أكثر من مسار؛ زوج حاضر في الميدان، وفنانة تحمل صوتها إلى الجمهور، وكلاهما ارتبط بمرحلة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة اليمنية والعربية.

ومن هنا لم تكن “ثورة اليمن السعيد” بالنسبة إلى فايدة كامل مجرد أغنية عن بلد بعيد، بل صوتًا لمرحلة عايشتها عن قرب، امتزج فيها الفن بالتاريخ، والحياة الشخصية بقضية ثورة.

ولهذا بقيت الأغنية حاضرة في الذاكرة اليمنية، بوصفها واحدة من الأعمال التي لم تكتفِ بالغناء للثورة، بل حملت شيئًا من روح سبتمبر إلى أجيال لم تعش لحظته الأولى، لكنها ما زالت تسمع صداها في الأغنية.

من صوت الثورة إلى قاعة البرلمان

ولم تتوقف مسيرتها عند الفن والأغنية الوطنية؛ إذ خاضت لاحقًا تجربة سياسية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، بعدما أصبحت عام 1971 عضوًا في مجلس الشعب المصري، واستمرت في العمل البرلماني حتى عام 2005، لتجمع في مسيرتها بين الفن والحضور العام والعمل النيابي.

وهكذا أصبحت فايدة كامل شخصية تجاوز حضورها حدود المسرح والميكروفون؛ فصوتها الذي حمل القضايا الوطنية إلى الجمهور في الأغنية، امتد لاحقًا إلى قاعة البرلمان، في مسيرة جعلت الفن والعمل العام جانبين متداخلين في تجربتها.

لكن أهمية “ثورة اليمن السعيد” لا تتوقف عند اسم من غنتها أو المناسبة التي ظهرت فيها؛ فالنص نفسه يكشف كيف كانت الثورة تُرى وتُروى في الخطاب الفني العربي في تلك المرحلة. فمن الفرح بالثورة، إلى تمجيد الثوار، ثم إعلان الجمهورية، وصولًا إلى كسر القيود ووحدة الشعب، تتحرك الأغنية في مسار يشبه سردًا شعريًا مكثفًا لحكاية سبتمبر.

“يا سلام على الأفراح”.. حين وصلت الثورة إلى القلب

تفتتح فايدة كامل الأغنية بموال يضع المستمع منذ اللحظة الأولى أمام حالة من الفرح واللقاء، قبل أن تدخل الكلمات في صلب الحديث عن الثورة:

“يا ليل يا ليل
يا ليل يا ليل
يا سلام على الأفراح اللي ملت قلبي
ياسلام ياسلام
أصل النهار ده قابلت أهلي وحبايبي”.

منذ اللحظات الأولى، لا تدخل الأغنية إلى الثورة من بوابة المعركة، وإنما من بوابة الفرح واللقاء.

اختيار الفرح مدخلًا للأغنية ليس عابرًا؛ فالشاعر لا يريد أن يقدم الثورة باعتبارها مواجهة عسكرية أو تحولاً سياسيًا فحسب، وإنما باعتبارها لحظة فرح شعبي انتظرها اليمنيون طويلاً، وحملت إليهم شعورًا بالخلاص وبداية مرحلة مختلفة.

فالفرح هنا ليس فرحًا شخصيًا، وإنما فرح ببلدٍ خرج من مرحلة إلى أخرى، وفرحاً بلقاء اليمن وأهله بعد أن أصبحت الثورة حدثًا حيًا يتردد صداه خارج حدود البلاد.

والحديث عن الأهل والحبايب، يجعل العلاقة باليمن علاقة إنسانية ووجدانية، ويخرج الثورة من حدود السياسة إلى معنى أوسع: فرحة شعب باستعادة حقه في أن يختار طريقه ومستقبله.

ثم تأتي أسماء “صنعاء والحديدة وتعز”، لا بتسميتها كمدن يمنية، بل لتقدم صورة لليمن بوصفه وطنًا واحدًا تتقاطع فيه الثورة والفرح، ولتضع اليمن على خريطة الأغنية منذ بدايتها، قبل أن يتحول الموال إلى دعاء لليمن بالحماية والنصر:

“يا رب صون اليمن وانصرها”..

وهنا تتشكل أول صورة للثورة في الأغنية: فرحٌ بالتحول، وارتباطٌ بالأرض، ودعاءٌ بأن ينجح العهد الجديد في حماية ما تحقق.

إنها بداية وجدانية للأغنية، قبل أن يتحول الفرح إلى خطاب ثوري مباشر.

“بالإرادة والعزيمة والجهاد”.. الثورة كفعل لا كحلم

بعد الموال، تنفجر الأغنية في عبارتها الأكثر رسوخًا:

“بالإرادة والعزيمة والجهاد
اليمن أشعلها ثورة على الفساد
ثورة على النار والحديد”

في هذا المقطع تضع الأغنية تفسيرها الخاص للثورة: الإرادة أولًا، ثم العزيمة، ثم الجهاد.

وهنا يتغير إيقاع الحكاية بالكامل. لم تعد الثورة في النص مجرد حدث سياسي، بل أصبحت نتيجة مباشرة لـ “الإرادة والعزيمة والجهاد” ثلاث مفردات تختصر الطريق في مسار الثورة.

“بالإرادة والعزيمة والجهاد”

هذه العبارة تمثل أحد مفاتيح النص الأساسية؛ فالثورة، وفق البناء الغنائي، لم تولد من التمني، وإنما من إرادة تحولت إلى عزيمة، ثم إلى فعل وكفاح.

وهنا تصبح الكلمات أقرب إلى تلخيص للطريق الذي تتصوره الأغنية بين الحلم والواقع: أن التغيير يحتاج إلى من يؤمن به، ثم يمتلك القدرة على تحويل هذا الإيمان إلى فعل.

وعندما تصف الكلمات الثورة بأنها ثورة على الفساد والظلم والقيود، فإنها تحدد بوضوح ما تعتبره الأغنية سببًا للثورة وما أرادت أن تضعه في الماضي.

وفي هذا السياق، تظهر الجمهورية باعتبارها النتيجة السياسية الكبرى لذلك التحول؛ فالثورة في النص ليست حدثًا قائمًا بذاته، وإنما طريق إلى نظام جديد.

ولهذا لا يقول الشاعر فقط إن اليمن “ثار” وإنما يقول إنه “أشعلها ثورة”؛ أي أنه يصور الثورة باعتبارها فعلًا بدأ من إرادة اليمنيين أنفسهم.

ثم تتوالى الكلمات:

“ثورة اليمن السعيد
ثورة الشعب المجيد”

وهنا تمنح الأغنية الثورة صفتين متلازمتين: اليمن السعيد بوصفه الوطن الذي يستعيد أمله، والشعب المجيد، بوصفه صاحب الفعل وصانع التحول.

وهذا الوصف، يمنح الحدث بعدًا يتجاوز إسقاط نظام سياسي؛ فالثورة، وفق النص، هي الطريق إلى استعادة اليمن لسعادته ومجد شعبه.

وتزداد حدة الخطاب مع:

“ثورة على الظلم والطغاة
لا إمامة لا قيود ولا عبيد”

في هذا البيت تختصر الأغنية جوهر اللحظة التاريخية كما أرادتها الذاكرة الجمهورية: ثورة ضد نظام الإمامة، وضد ما تصفه الكلمات بالقيود والاستعباد، وانتقال إلى زمن الجمهورية.

فالقيود والعبيد هنا ليست مجرد صور شعرية، وإنما رموز لمرحلة يريد النص أن يضعها في الماضي، مقابل حاضر جديد عنوانه الجمهورية.

ولذا فإن هذه الكلمات، تلخص ما تعتبره الأغنية جوهر التحول الذي جاءت به سبتمبر: الخروج من نظام الإمامة إلى فضاء الجمهورية والحرية.

إنها ليست أغنية تكتفي بذكر الثورة؛ إنها تحاول أن تشرح، لماذا ثار اليمنيون؟.

“الأسود زأروا وثاروا”.. حين أصبح الثوار قوة تصنع التاريخ

بعد أن تحدثت الأغنية عن الثورة، تنتقل إلى رجالها، فتستخدم صورة الأسود لتقديم الثوار باعتبارهم القوة التي دفعت الحدث إلى الأمام.

“الأسود زأروا وثاروا”
أعلنوها جمهورية
على البشائر هجموا وغاروا”

اختار الشاعر صورة الأسود ليمنح الثوار قوة وهيبة، وكأن لحظة إعلان الجمهورية لم تكن مجرد إعلان سياسي، وإنما لحظة خروج شعب من الصمت إلى الفعل.

اختيار “الأسود” لوصف الثوار يحمل معنى واضحًا؛ فالثائر في الأغنية ليس شخصًا خائفًا أو مترددًا، وإنما إنسان استعاد قوته وقرر أن يواجه واقعًا كان يبدو عصيًا على التغيير.

بعدما أعلن الثوار انطلاق الثورة، تقول الأغنية:

“أعلنوها جمهورية”

وهنا تربط الأغنية بصورة مباشرة بين الثورة والجمهورية.

فالغاية من الثورة، كما يقدمها النص، لم تكن غاية منفصلة، وإنما وسيلة للوصول إلى مشروع سياسي جديد: الجمهورية.

وللوصول إلى ما أراد الثوار، تواصل الأغنية كلماتها بتصوير دقيق لما حدث:

“على البشائر هجموا وغاروا”..

“البشائر” هنا هي توصيف لأحد أبرز القصور الملكية التابعة للإمامة في صنعاء، ويقع تحديداً في حي بير العزب التاريخي. ويكتسب هذا القصر رمزية تاريخية استثنائية في الوجدان اليمني المعاصر، لكونه شهد الشرارة الأولى والحدث الفاصل الذي طوى عهد المملكة المتوكلية وأعلن قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن.

ففي ليلة 26 سبتمبر 1962، كان القصر هو الهدف الرئيسي الأول لقوات الثورة بقيادة المشير عبد الله السلال. حُوصر القصر وقُصف بواسطة الدبابة الشهيرة “مارد الثورة”، ليعلن ذلك القصف نهاية حكم الأئمة وهروب الإمام البدر، وبداية العصر الجمهوري.

ثم تنتقل الكلمات إلى فكرة أن ما كان يبدو حلمًا وخيالًا أصبح واقعًا على أيدي رجال آمنوا به.

“واللي كان حلم وخيال
قاموا فيه أعظم رجال”

وهنا تكشف الأغنية عن واحدة من أهم أفكارها: أن الجمهورية التي بدت في زمن ما حلمًا بعيدًا، أصبحت واقعًا عندما تحولت إرادة التغيير إلى فعل.

فالجمهورية، كما يصورها النص، لم تكن أمرًا مضمونًا أو سهل التحقق؛ كانت حلمًا يبدو بعيدًا، وربما مستحيلًا في نظر كثيرين. لكن الذين آمنوا به نقلوه من “الحلم والخيال” إلى الواقع.

ولهذا يتحول الثوار في الصورة التي يرسمها النص من مجرد مقاتلين إلى صنّاع تاريخ، ارتبط فعلهم بلحظة انتقال اليمن إلى عهد جديد.

وتعود الأغنية للعزيمة مرة أخرى:

“بالإرادة والعزيمة والجهاد
اليمن أشعلها ثورة على الفساد”.

لتؤكد أن الثورة، في تصور الأغنية، لم تكن لحظة غضب عابرة، وإنما فعلًا احتاج إلى إرادة وعزيمة وصمود.

“من سنين الفجر مستني الأسود”.. انتظار طويل للحظة الخلاص

في المقطع التالي، تستعيد الأغنية ما قبل الثورة:

“من سنين الفجر مستني الأسود
يرفعوا فوق اليمن راية الخلود”

هنا يتحول الفجر إلى استعارة لزمن الخلاص الذي طال انتظاره.

فالليل في النص ليس مجرد وقت، وإنما صورة لمرحلة طويلة من الانتظار، بينما يمثل الفجر لحظة الثورة التي ستكشف وجهًا جديدًا لليمن.

لكن اللافت أن الفجر نفسه “مستني الأسود”؛ أي أن الخلاص، في منطق الأغنية، لم يكن سيأتي من تلقاء نفسه، وإنما كان ينتظر من يصنعه.

وهذه الفكرة تعود بنا إلى لازمة الأغنية: الإرادة والعزيمة والجهاد. فالفجر لا يأتي وحده؛ هناك من يفتح له الطريق.

وبهذه الصورة تختزل الأغنية المسافة بين زمنين: زمن الإمامة الذي تصفه الكلمات بالقهر، وزمن الجمهورية الذي ظهر مع الثورة.

ثم تعود الأغنية إلى اللحظة الفاصلة لإعلان الجمهورية:

“الأسود قاموا وثاروا
أعلنوها جمهورية
والطغاة راحوا وغاروا
وانتهوا بساعة عشية”

توصيف وثقت من خلاله الكلمات، مسارات متعددة للثورة: الانطلاقة، إعلان الجمهورية، نهاية الطغاة في ساعة.

“البشاير يومها طارت”.. الجمهورية تدخل كل بيت

من أكثر صور الأغنية دفئًا ذلك المقطع الذي يقول:

“والبشاير يومها طارت
على اليمن لفت ودارت
كل حارة وكل دار
فيها فرحة وانتصار”

هنا تخرج الثورة من ساحة المعركة إلى البيت والحارة والشارع.

لم تعد الجمهورية خبرًا سياسيًا، بل أصبحت فرحًا شعبيًا يصل إلى كل دار، بحسب الصورة التي ترسمها الأغنية.

هذه الصورة تجعل الجمهورية حدثًا شعبيًا لا يبقى محصورًا في صنعاء أو في مواقع القتال، وإنما يصل إلى الناس العاديين في حياتهم اليومية.

ثم يكتمل المشهد:

“فيها مجد وفيها مستقبل سعيد
صوته بينادي على الشعب المجيد”

فالانتصار في الأغنية لا يتوقف عند إسقاط للماضي، وإنما يرتبط بفكرة المستقبل.

فإذا كان التخلص من الإمامة يمثل نهاية مرحلة، فإن “المستقبل السعيد”، يمثل السؤال الأكبر الذي يأتي بعدها: ماذا سيفعل اليمنيون بالحرية التي جاءت بها الثورة؟.

وهذه نقطة مهمة في قراءة العمل؛ إذ لا تقدم الكلمات الثورة باعتبارها نهاية الطريق، بل باعتبارها بداية زمن جديد يفترض أن يحمل المجد والأمل.

“وحدة الشعب النهاردة أغلى وحدة”.. الجمهورية تحتاج إلى شعب واحد

في المقطع الأخير، تنتقل الأغنية إلى معنى مختلف لكنه شديد الارتباط بالثورة:

“وحدة الشعب النهاردة أغلى وحدة
واليمن شعبه وجيشه يد واحدة”

هنا تصبح قوة الجمهورية مرتبطة بتماسك المجتمع.

فالعبارة لا تتحدث عن الوحدة السياسية بمعناها الجغرافي فقط، وإنما تبدأ من وحدة الشعب، ومن اجتماع المجتمع والقوات المسلحة حول مشروع الدولة الجديدة.

وترى الأغنية أن القوة التي صنعت الثورة يجب أن تستمر في حماية الجمهورية، ولذلك يجمع في صورة واحدة بين الشعب والجيش.

ومعنى “يد واحدة”، أن المشروع الجديد لا يستطيع الاستمرار إذا تحول المجتمع إلى قوى متصارعة؛ فالجمهورية، في الصورة التي ترسمها الأغنية، تحتاج إلى تماسك اجتماعي يحميها من العودة إلى الماضي.

ثم تقول:

“إيد ولا كل الأيادي
حطمت كل الأعادي”

وهي صورة غنائية تجعل قوة اليمن في اجتماع أيادي أبنائه، لا في قوة فرد أو جماعة منفردة.

وهنا، الأغنية تعود مرة أخرى إلى فكرة الجماعة: الثورة لم يصنعها فرد، والجمهورية لا يحميها فرد، وإنما إرادة شعب يرى نفسه شريكًا في مصيره.

“والسلاسل كسرتها بعدما كانت أسيرة”.. الحرية كأهم مكاسب سبتمبر

وتبلغ الصورة ذروتها في:

“والسلاسل كسرتها
بعدما كانت أسيرة”

ربما يكون هذا المقطع من أكثر المقاطع وضوحًا في رمزيته.

فالسلاسل هنا صورة مباشرة للقيود، لكنها في سياق الأغنية تصبح رمزًا لكل ما تريد الثورة التخلص منه: القهر، والخوف، والاستبداد، وغياب الحرية.

والفعل “كسرتها”، مهم جدًا؛ لأن الشاعر لا يقول إن السلاسل سقطت وحدها، وإنما يجعل كسرها فعلًا قامت به الثورة.

وهكذا تصبح الحرية في الأغنية إنجازًا صنعه الناس، لا منحة حصلوا عليها.

“والطغاة والظلم ولى وعهده راح”.. نهاية زمن وبداية آخر

تعود الأغنية في ختامها إلى الفكرة التي بدأت منها، لكنها هذه المرة أكثر حسمًا:

“والطغاة والظلم ولى وعهده راح
بالإرادة والعزيمة والكفاح
بالإرادة والعزيمة والجهاد”

إنها نهاية دائرية تعود فيها الأغنية إلى مفتاحها الأول: الإرادة والعزيمة والجهاد.

لكنها تضيف هذه المرة كلمة “الكفاح”، لتصبح الثورة في النص رحلة متكاملة: إرادة تقاوم، وعزيمة تصمد، وكفاح يحقق التغيير.

فالثورة بدأت بالإرادة، وواجهت الظلم بالكفاح، وانتهت، وفق الرواية التي تقدمها الأغنية، إلى سقوط عهد الطغيان وقيام الجمهورية.

لكن تكرار “الإرادة والعزيمة”، في النهاية يحمل دلالة أعمق من مجرد اللازمة الموسيقية؛ فهو بمثابة تلخيص فلسفة الأغنية كلها.

فالتحرر لم يكن، في صورتها، نتيجة صدفة أو حدث عابر، وإنما ثمرة إرادة بشرية آمنت بأن الواقع يمكن تغييره.

ولهذا تختم الأغنية كما بدأت: بالثورة، ولكنها تترك المستمع أمام المعنى الذي أرادت ترسيخه: أن الشعوب تستطيع أن تنتقل من الحلم إلى الفعل عندما تمتلك الإرادة والعزيمة والكفاح.

وبذلك لا تنتهي الأغنية عند إعلان الجمهورية فقط، وإنما تترك المستمع أمام معنى أوسع: أن الانتقال من الحلم إلى الواقع يحتاج إلى إرادة، وأن الجمهورية التي جاءت ثمرة للثورة تحتاج إلى من يحافظ على معناها.

أغنية لم تحفظ حدث سبتمبر فقط.. بل حفظت روحه

بهذه القراءة، تبدو “ثورة اليمن السعيد” أكثر من أغنية وطنية واكبت ثورة 26 سبتمبر.

إنها محاولة فنية لإعادة بناء الحكاية في دقائق معدودة: ليل طويل، وفجر منتظر، وثوار يخرجون من الصمت، وجمهورية تعلن، وبشارة تدخل البيوت، وقيود تنكسر، وشعب يرى أمامه مستقبلًا جديدًا.

ولهذا بقي صوت فايدة كامل حاضرًا في الذاكرة اليمنية؛ ليس فقط لأنه غنى عن الثورة، وإنما لأنه منحها لغة تختصر صورتها كما أرادت الذاكرة الجمهورية أن تتذكرها: ثورة شعب، وإرادة رجال، ونهاية عهد، وبداية جمهورية.

من “ثورة اليمن السعيد” إلى الذاكرة

بعد أكثر من ستة عقود، بقيت “ثورة اليمن السعيد” حاضرة كلما عاد سبتمبر، لا لأنها سجلت حدثًا تاريخيًا فحسب، بل لأنها حفظت شيئًا من الشعور الذي رافقه: فرحة الثورة، وهتاف الجمهورية، وكسر القيود، والحلم بمستقبل مختلف.

فالأغنية في بنيتها الكاملة تبدو كأنها تعيد ترتيب قصة سبتمبر في دقائق: ليل طويل، وفجر منتظر، وثوار يخرجون إلى الفعل، وجمهورية تعلن، وبشائر تصل إلى البيوت، وقيود تنكسر، ثم تطلع آمال المستقبل.

وهنا تكمن قيمتها كوثيقة فنية؛ فهي لا تقدم سردًا تاريخيًا تفصيليًا للثورة، وإنما تقدم صورتها في الوجدان الغنائي العربي خلال تلك المرحلة.

أما فايدة كامل، فلم يكن صوتها في هذه الحكاية مجرد صوت مطربة عربية تغني عن بلد بعيد؛ فقد حملت الأغنية من القاهرة إلى صنعاء، ومن الاستوديو إلى الحفل، ثم تركتها تعبر أجيالًا لم تعش لحظة سبتمبر الأولى، لكنها ما زالت تسمع صداها.

وفي حضرة سبتمبر، يعود صوت فايدة كامل من بعيد:

“ثورة اليمن السعيد.. ثورة الشعب المجيد”..

فتعود معه حكاية شعبٍ رأى الفجر يقترب، فاختار أن يفتح له الطريق.

  • في حضرة الثورة.. سلسلة حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية

في حضرة الثورة.. حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية

الحلقة (1): في حضرة الثورة| “دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم

“دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم

الحلقة (2): في حضرة الثورة| “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية

في حضرة الثورة | “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية

الحلقة (3): في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية

في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية

الحلقة (4): في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة

في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة

الحلقة (5): في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن

في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن

الحلقة (6): في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية

في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة