في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن
أغنية تبدأ بالفداء وتصل بين الثورة والجمهورية والوحدة والتاريخ في حكاية وطنية واحدة

سلسلة حلقات يعدها لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: في الذاكرة الوطنية اليمنية، ثمة أغنيات لم تكن مجرد ألحان عابرة أو أناشيد ارتبطت بمناسبة ثم غابت بانقضائها؛ بل تحولت مع مرور الزمن إلى ما يشبه الذاكرة المسموعة للوطن، كلما أقبل سبتمبر عادت أصواتها، وكلما استعيدت حكاية الثورة والجمهورية والوحدة، وجدت كلماتها طريقها إلى الوجدان.
ومن بين هذه الأغنيات تقف “يا مارداً في هامة التاريخ يقهر المحن”، واحدة من الأعمال الوطنية التي اتسعت دلالاتها لتتجاوز الاحتفاء بثورة 26 سبتمبر المجيدة، فتجمع في كلماتها بين سبتمبر في صنعاء وأكتوبر في عدن، وبين الجمهورية والوحدة والتاريخ اليمني القديم.
كتب كلماتها الشاعر اليمني عباس الديلمي، وألبسها الموسيقار السوري سهيل عرفة، لحنًا وطنيًا يطرب الوجدان ويخاطب الروح عند سماعه، بينما منحها الفنان السوري فؤاد غازي صوته الذي حملها إلى وجدان الجمهور، لتولد من تعاون فني عربي عابر للحدود، لكنه ظل يحمل اليمن في كلماته وصورته ورسالته.
وتوثق “موسوعة الغناء اليمني”، العمل بهذه الأسماء الثلاثة، فيما تسجل الأغنية بالنص الذي يبدأ بـ”أرواحنا دماؤنا تفديك يا يمن”، قبل أن يصل إلى مطلعها الأشهر: “يا مارداً في هامة التاريخ يقهر المحن”.
رغم تعدد أسمائها وأصواتها ظلت “يا ماردًا في هامة التاريخ”، يمنية الروح، تستحضر الوطن في كلماتها وصورها ورسالتها، وتعيد صياغة الحنين إليه بلغة الفن.
وهكذا ولدت الأغنية من تلاقٍ فني عربي، لكن بوصلتها ظلت يمنية خالصة؛ فالكلمات تتحدث عن صنعاء وعدن، وعن سبتمبر وأكتوبر، وعن الجمهورية والوحدة و “ذي يزن”، فيما يأتي اللحن والصوت من خارج اليمن ليحملا هذه الحكاية إلى مسامع اليمنيين.
وربما في ذلك مفارقة جميلة تختصر قوة الفن: أن يكون الوطن يمنياً في القصيدة، بينما تتشارك أصوات عربية في صياغة الأغنية التي أصبحت لاحقاً جزءاً من ذاكرة اليمن الوطنية، تصدح ألحانها كلما جاء سبتمبر وحل أكتوبر ضيفاً على اليمنيين شمالاً وجنوباً.
من “نفديك يا يمن” إلى “يا مارداً في هامة التاريخ”
وراء الاسم الذي استقر في الذاكرة قصة أخرى؛ فالأغنية تُعرف في بعض الروايات والأرشيفات باسم “نفديك يا يمن”، وهو الاسم الذي أورده كاتب كلماتها نفسه في شهادة منشورة تحدث فيها عن ظروف ولادتها.
ويشير الشاعر إلى أن علاقته بالموسيقار السوري سهيل عرفة بدأت من خلال هذا العمل، وأنه اصطحب الأغنية من دمشق عام 1982، في عمل أراد “عرفة” من خلاله التعبير عن محبته لليمن بعد زيارة قام بها إليها.
وتكشف رواية الشاعر عباس الديلمي أن سهيل عرفة كان قد تأثر باليمن، ورأى فيها، بحسب تعبيره، ما يعبر عن عمقها التاريخي والروحي، فكان التعاون مع الديلمي لإنتاج عمل غنائي وطني عن اليمن.
وتورد مصادر أخرى روايات مختلفة حول ظروف إنتاج العمل وأداء نسخته الأولى، لذلك تبدو سنة 1982 نقطة زمنية موثقة في شهادة الديلمي عن وجود الأغنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها سنة كتابة النص أو أول تسجيل أو أول بث إذاعي لها.
وهنا تكمن إحدى الحكايات الجميلة في الأغنية: شاعر يمني يكتب وطنه، وملحن سوري يضع له اللحن، وصوت دمشقي يحمل الكلمات إلى أجيال يمنية ستتعرف إلى الأغنية لاحقاً بوصفها جزءاً من ذاكرتها الوطنية.
“أرواحنا ودماؤنا”.. حين يتحول حب الوطن إلى عهد ووفاء
منذ مطلعها، لا تترك الأغنية المستمع أمام صورة وطنية عابرة، بل تضعه مباشرة أمام علاقة تقوم على الفداء والولاء: “أرواحنا دماؤنا تفديك يا يمن”.
إنها صياغة تنقل حب الوطن من مجرد شعور إلى موقف، وتجعل التضحية من أجل اليمن أعلى صور الانتماء إليه؛ فالأرواح والدماء هنا ليستا مجرد مفردتين شعريتين، وإنما رمزان لما يمكن أن يقدمه الإنسان حين يصبح الوطن جزءاً من هويته ووجدانه.
ثم يكتمل هذا المعنى في قوله: “ولاؤنا إخلاصنا للشعب للوطن”، حيث ينتقل النص من الفداء إلى الوفاء، ومن التضحية إلى الالتزام. فالولاء في الأغنية لا يُقدَّم منفصلاً عن الشعب والوطن، بل بوصفه إخلاصاً لهما معاً، في صورة تختصر رؤية النص لليمن باعتباره وطناً تتقدم مصلحته على الأفراد، وتلتقي فيه مشاعر الانتماء والتضحية والإخلاص.
ومن هذه البداية المشحونة بالوفاء، يمضي النص إلى صورته الكبرى: “يا مارداً في هامة التاريخ يقهر المحن”، ليحوّل اليمن من وطن يُفدى إلى وطن يقهر المحن، ومن موضوع للحب والولاء إلى شخصية تاريخية تقف في مواجهة الزمن.
حين يتحول اليمن إلى “مارد”
لم يكتب عباس الديلمي اليمن في هذه الأغنية بوصفه رقعة جغرافية أو اسماً لبلد فحسب، بل قدّمها في صورة كيان شامخ وبطل يواجه المحن ويتجاوزها. ويظهر هذا التصوير منذ أبيات القصيدة الأولى:
يا مارداً في هامة التاريخ يقهر المحن
فاليمن هنا ليست مجرد مكان، وإنما “مارد”، يقف في صدارة التاريخ، ويواجه المحن بقوة وصلابة. صورةٌ تمنح الوطن حضورًا إنسانيًا وبطوليًا، وتحوّل الأغنية من مجرد نشيد للوطن إلى حكاية عن وطن يتحدى الصعاب ويصنع حضوره في التاريخ.
وبهذه الصورة، يضع الديلمي اليمن في مواجهة الزمن، لا بوصفه بلدًا عاش الأحداث فحسب، وإنما وطنًا صنع لنفسه مكانًا في التاريخ، وظل قادرًا على النهوض كلما أثقلته المحن، وكأن في داخله قوةً لا تسمح له بالانكسار.
ثم تأتي عبارة “وصانعاً أيلول صنعاء، وتشرين عدن”، لتفتح الصورة على تاريخ الثورة اليمنية بشطريها 26 سبتمبر في شمال اليمن و14 أكتوبر في الجنوب، وتمنح الأغنية واحداً من أهم مفاتيح قراءتها.
“أيلول صنعاء” و”تشرين عدن”.. ثورتان في بيت واحد
ربما لا توجد عبارة تختصر اتساع الرؤية الوطنية في الأغنية أكثر من: وصانعاً أيلول صنعاء، وتشرين عدن.
فـ”أيلول صنعاء”، يحيل إلى ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بالنظام الإمامي في شمال اليمن وأعلنت الجمهورية، بينما يحيل “تشرين عدن” إلى ثورة 14 أكتوبر 1963 التي انطلقت من ردفان ضد الوجود الاستعماري البريطاني في جنوب اليمن.
وهكذا لا يتعامل النص مع سبتمبر بوصفه حدثاً منفصلاً عن أكتوبر، بل يضعهما في سطر شعري واحد، ويجمع صنعاء وعدن في ذاكرة ثورية مشتركة.
إنها صورة لليمن كما أرادها النص: شمال وجنوب، سبتمبر وأكتوبر، صنعاء وعدن، في سردية وطنية واحدة.
ولذلك فإن اختزال الأغنية في كونها “أغنية سبتمبرية”، فقط لا يستوعب كامل مضمونها؛ فهي أغنية عن الثورة، لكنها أيضاً عن الجمهورية والوحدة والتاريخ ومقاومة التدخل والطامعين.
من الثورة إلى الوحدة.. وطن لم يكن قد اكتمل بعد
لا تتوقف الأغنية عند استعادة الماضي، بل تمضي إلى المستقبل في قولها: في وحدة تقودنا إلى النهوض بالوطن.
وهنا تنتقل القصيدة من الثورة باعتبارها لحظة تحرر إلى الوحدة باعتبارها أفقاً للنهوض. فالعمل لا يكتفي باستحضار ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وإنما يضعهما ضمن تصور أوسع لليمن، حيث يتحول الانتصار للثورة إلى مشروع لبناء وطن موحد وقادر على النهوض.
وفي ذلك تبدو الأغنية وكأنها تنظر إلى اليمن من أعلى: تستحضر ماضيه، وتتغنى بثوراته، وتضع الوحدة في قلب مستقبله.
وهذه السعة في الرؤية هي التي منحت العمل قابلية للبقاء خارج حدود المناسبة التي قيل فيها؛ فالكلمات لا تحتفل بذكرى محددة فقط، وإنما تصوغ صورة متكاملة للوطن.
“لا لن ينال الطامعون”.. لغة زمنها وموقفها
بعد صورة المارد الذي يقهر المحن، ينتقل النص إلى لغة أكثر مباشرة:
لا لن ينال الطامعون من شموخه ولن
فلا مكان بيننا لعابد الوثن
وليس في صفوفنا من يزرع الفتن
وهي لغة تنتمي إلى قاموس الأغنية الوطنية في تلك المرحلة؛ حيث الوطن في مواجهة الطامعين، والصف الوطني في مواجهة الفتنة، والشموخ في مواجهة محاولات النيل من البلاد.
ولا تبدو هذه الأبيات منفصلة عن صورة اليمن التي رسمها الشاعر في المطلع؛ فالمارد الذي “يقهر المحن”، هو نفسه الوطن الذي لا يريد النص له أن يكون ساحة للطامعين أو الانقسام.
وبذلك تتدرج الأغنية من الصورة الشعرية إلى الموقف الوطني، ومن التاريخ إلى الحاضر، ومن الثورة إلى حماية ما تعتبره مكتسباتها.
“ذي يزن”.. حين يعود سبتمبر إلى أعماق التاريخ
في خاتمة الأغنية يقول الديلمي: وبوركت مسيرة على طريق ذي يزن. وهنا يفتح النص نافذة أخرى على تاريخ اليمن القديم، باستحضار شخصية سيف بن ذي يزن، الشخصية التاريخية التي تحولت في الذاكرة اليمنية إلى رمز من رموز القوة ومقاومة التدخل الأجنبي.
لكن قصة هذا البيت تحمل أيضاً جانباً طريفاً من تاريخ الأغنية، فقد روى عباس الديلمي في شهادة منشورة أن عبارة “على طريق ذي يزن”، تعرضت في وقتها لتفسيرات سياسية ربطتها بشخصيات معاصرة، وهو ما تسبب، بحسب روايته، في جدل حول العمل وتأخير التعامل معه.
غير أن الديلمي نفسه يشرح المقصود بصورة مختلفة؛ فاستدعاء “ذي يزن” عنده ليس إحالة إلى شخص معاصر، وإنما عودة إلى رمز تاريخي يمني، وإلى فكرة انتقال إرث مقاومة التدخل والدفاع عن اليمن من جيل إلى جيل.
وهكذا يصبح “ذي يزن”، في بنية الأغنية امتداداً زمنياً للثورة: يمن قديم، ويمن ثائر، ويمن يتطلع إلى المستقبل.
أغنية واحدة.. ثلاثة أزمنة لليمن
يمكن قراءة الأغنية في ثلاثة مستويات متداخلة:
■ اليمن القديم: ويظهر في استدعاء “ذي يزن”، بوصفه رمزاً للعمق التاريخي والحضاري.
■ اليمن الثائر: ويظهر في “أيلول صنعاء”، و”تشرين عدن”، بما يحيلان إليه من ثورتي سبتمبر وأكتوبر.
■ اليمن الذي يتطلع إلى المستقبل: ويظهر في الوحدة والنهوض بالوطن، وفي الدعوة إلى مواصلة المسيرة.
وهذا التداخل هو أحد أسرار بقاء الأغنية خالدة في وجدان الشعب؛ فهي لا تحبس اليمن في لحظة زمنية واحدة، وإنما تمد خيطاً بين ماضيه وثوراته ومستقبله.
فؤاد غازي.. صوت سوري في الذاكرة الوطنية اليمنية
ارتبط التسجيل الأشهر للأغنية باسم الفنان السوري فؤاد غازي، الذي منح الكلمات صوتاً أصبح لاحقاً جزءاً من الذاكرة اليمنية للأغنية الوطنية.
وتكمن المفارقة الجميلة في أن العمل الذي يحمل كل هذا القدر من التفاصيل اليمنية خرج بأصوات وألحان عربية متعددة: الكلمات لشاعر يمني، واللحن لموسيقار سوري، والأداء لفنان سوري.
وتوثق موسوعة الغناء اليمني الأغنية باسم عباس الديلمي وسهيل عرفة وفؤاد غازي، فيما تشير مصادر أخرى إلى روايات مختلفة بشأن بعض تفاصيل الأداء الأول، وهو ما يجعل الأدق صحفياً القول إن الأغنية اشتهرت بصوت فؤاد غازي، دون الجزم بأنه كان أول من أداها ما لم يظهر أرشيف أولي يحسم ذلك.
تعاون فني عبر الحدود.. واليمن في القلب
لم تكن “نفديك يا يمن”، عملاً عابراً في مسيرة كاتب كلمات الأغنية الشاعر اليمني عباس الديلمي، ولا محطة منفردة في علاقته بالموسيقار السوري سهيل عرفة، الذي صاغ من تلك الكلمات سيمفونية وطنية يمنية خالصة؛ فقد امتد تعاونهما إلى سلسلة من الأعمال الغنائية التي حملت اليمن في كلماتها وألحانها.
وتشير مصادر تناولت تجربة الديلمي الشعرية إلى أن عدد تلك الأعمال بلغ نحو 11 عملاً في مقدمتها “نفديك يا يمن”، ومن ثم “صباح الخير يا وطناً”، و”يمن الأمجاد”، و”يمن الشموخ”.
كان عرفة، في هذه الأعمال، لا يضع لحناً للكلمات فحسب، بل كان يمنحها مساحة أخرى للتحليق؛ يصوغ الموسيقى التي تسبق الكلمات أحياناً إلى الوجدان، ثم تترك للأبيات مهمة استكمال الصورة، حتى يصبح اللحن والكلمة معاً جزءاً من الحكاية الوطنية التي تريد الأغنية أن ترويها.
وتكشف هذه التجربة جانباً مهماً من تاريخ الأغنية اليمنية؛ إذ لم تكن الأغنية الوطنية بالضرورة صناعة محلية مغلقة على حدود الجغرافيا، بل كانت قادرة على العبور إلى الفضاء العربي، فتخرج الكلمات من شاعر يمني، وتحملها ألحان وأصوات عربية، ثم تعود إلى اليمن وقد اكتسبت حياة جديدة، لتستقر في الذاكرة والوجدان اليمني بوصفها واحدة من الأغنيات التي رافقت استحضار الثورة والوطن والتاريخ.
في حالة “يا مارداً في هامة التاريخ”، تبدو الحكاية أكثر حضورًا؛ فاليمن كان قلب الأغنية وروحها، ومنه خرجت الكلمات التي استحضرت الثورة والجمهورية والوحدة والتاريخ، بينما جاء صوت اللحن والأداء من سوريا. شاعر يمني كتب اليمن كما يراه في ذاكرته وتاريخه وانتصاراته، وموسيقار سوري حمل هذه الرؤية إلى لغة موسيقية أوسع، ثم جاء صوت فنان سوري أيضاً ليمنحها حضورًا غنائيًا ارتبط به العمل في الذاكرة اليمنية.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في قصة الأغنية: كان الوطن يمنياً في الكلمة، عربياً في اللحن والصوت، لكنه ظل يمنياً خالصاً في الروح.
ولعل هذا ما يمنح “يا مارداً في هامة التاريخ” قيمة تتجاوز حدود العمل الغنائي؛ فهي ليست فقط نموذجاً للتعاون الفني العربي، وإنما شاهد على قدرة الأغنية على أن تحمل هوية وطن بأكملها، وأن تجعل من الكلمة واللحن والصوت جسراً يصل اليمن بفضائه العربي، دون أن يتوارى اليمن في الطريق.
لماذا بقيت الأغنية؟
ربما لأن الأغنية لم تعتمد على مناسبة واحدة كي تبقى، فقد ظلت حاضرة في الوجدان اليمني بوصفها واحدة من الأغنيات التي رافقت استحضار الثورة والوطن والتاريخ.
فهي تبدأ باليمن، ثم تعبر إلى التاريخ، وتستحضر سبتمبر وأكتوبر، وتتحدث عن الجمهورية والوحدة، وتحذر من الفتن والطامعين، ثم تعود في النهاية إلى “ذي يزن”.
ولهذا بقيت قابلة لإعادة الأداء والاستماع في المناسبات الوطنية، وظهرت لها تسجيلات ونسخ حديثة بأصوات جماعية وفردية، بينما ظل جوهر النص مرتبطاً باسم الديلمي ولحن عرفة والتسجيل المرتبط بفؤاد غازي.
إنها، في جوهرها، ليست أغنية عن يوم واحد؛ بل أغنية عن صورة وطن كما تخيلها شاعر يمني: وطن يقف في “هامة التاريخ” يقهر محنه ويحمل ذاكرة سبتمبر وأكتوبر ويتطلع إلى الوحدة والنهوض.
“يا مارداً”.. حين تصبح الأغنية ذاكرة وطن
بعد عقود من ظهورها، لا تزال العبارة الأولى قادرة على اختصار الحكاية كلها: يا مارداً في هامة التاريخ يقهر المحن.
فـ”ماردٌ” هو اليمن في مخيلة الشاعر، والتاريخ هو ساحته، والمحن هي اختباراته المتعاقبة؛ لكنه، في كل مرة، ينهض من بين الركام أكثر حضوراً، ويستعيد صورته في الذاكرة بوصفه وطناً لا تختصره محنة، ولا تطفئ حضوره سنوات الألم.
ومن “أيلول صنعاء”، إلى “تشرين عدن”، ومن الثورة إلى الجمهورية، ومن سبتمبر وأكتوبر إلى الوحدة، ثم إلى “ذي يزن” بما يحمله من رمزية التاريخ اليمني، بنت الأغنية جسراً بين أزمنة اليمن المختلفة، وحولت الوطن من جغرافيا إلى شخصية حية تُخاطب وتُغنى وتُستعاد، كلما احتاج اليمنيون إلى استحضار صورة وطنهم في لحظات الفرح أو المحنة.
وربما هنا تكمن واحدة من أهم أسرار بقاء هذه الأغنية؛ حتى أصبحت كلماتها جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تستعيدها الأجيال كلما عاد سبتمبر، واستُحضرت حكاية الثورة والجمهورية والوطن.
وهنا ربما تكمن قيمة الأغنية التي بقيت حاضرة بعد أن تغيرت الأجيال وتبدلت الأزمنة، فهي لم تترك الثورة حبيسة كتب التاريخ أو صور المناسبات، بل منحتها لحناً وصوتاً وصورة شعرية، ثم تركتها تمضي من جيل إلى آخر، حتى أصبحت كلماتها جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تستعيدها الأجيال كلما عاد سبتمبر، واستُحضرت حكاية الثورة والجمهورية والوطن.
ولهذا، فإن “يا مارداً في هامة التاريخ يقهر المحن”، ليست مجرد أغنية عن اليمن، ولا مجرد عمل وطني ارتبط بمناسبة عابرة؛ بل إنها قصيدة شعرية رسمت وطن كامل في بضعة أبيات: يمنٌ تتجاور في ذاكرته صنعاء وعدن، وسبتمبر وأكتوبر، الثورة والوحدة، الماضي والمستقبل؛ يمنٌ يقف في هامة التاريخ، ويواجه محنه، ثم يواصل المسير.
وربما لهذا أيضاً بقي صوت الأغنية حاضراً؛ لأن بعض الأغنيات، لا تنتهي حين ينتهي لحنها، بل تبدأ حياتها الحقيقية عندما تتحول إلى ذاكرة وطن.
- في حضرة الثورة.. سلسلة حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
في حضرة الثورة.. حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
الحلقة (1): في حضرة الثورة| “دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
“دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
الحلقة (2): في حضرة الثورة| “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
في حضرة الثورة | “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
الحلقة (3): في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية
في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية
الحلقة (4): في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة
في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة
الحلقة (5): في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن
في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن



