وفاة الفيلسوف والمفكر الإسلامي الماليزي من أصول يمنية سيد العطاس .. أبرز ما يُعرف عنه

يمن ديلي نيوز: توفي الفيلسوف والمفكر الإسلامي الماليزي من أصول يمنية حضرمية، سيد محمد نقيب العطاس، مساء الأحد الماضي 8 مارس 8 مارس/ آذار، عن عمر ناهز 95 عامًا بعد مسيرة علمية وفكرية طويلة.
وشهدت جنازة الفقيد صباح الاثنين الماضي في كوالالمبور مراسم رسمية مهيبة، بمشاركة كبار المسؤولين والعلماء، وانطلق الموكب من مسجد التقوى إلى مقبرة “بوكيت كيارا”، حيث ووري جثمانه الثرى.
ويعد العطاس من أبرز المفكرين في العالم الإسلامي المعاصر، واشتهر بمشروعه الفكري حول “أسلمة المعرفة” وإسهاماته العميقة في الفلسفة والفكر الإسلامي، إضافة لمشاركته في مؤتمرات دولية وجامعات عالمية.
نشأته وتعليمه
وُلد سيد محمد نقيب العطاس عام 1931م في مدينة بوغور بجزيرة جاوة، لعائلة حضرمية عريقة، وتمتزج أصولها العربية مع الثقافة العثمانية والملايوية الرفيعة.
ونشأ في بيئة غنية بالمعرفة، حيث كانت المكتبة محور الأسرة، والحوار حول التاريخ والسياسة والدين جزءاً من روتينه اليومي، ما ساهم في صقل شخصيته الفكرية منذ الصغر.
وتلقى تعليمه الأولي في جوهور، قبل أن تلحقه ظروف الحرب العالمية الثانية إلى مدرسة العروة الوثقى في سوكابومي، حيث درس العربية والفقه والحديث والأدب.
بعد 1946، انتقل إلى الكلية الإنجليزية للاطلاع على الأدب الأوروبي، ما أتاح له مقارنة مستمرة بين الفكر الإسلامي والتجربة الغربية في التحليل العلمي والفلسفي.
وفي 1951، انضم إلى الجيش ضمن فوج الملايو، وتلقى تدريباته في كلية “إيتون هول” البريطانية وأكاديمية “ساند هيرست”، ما غرس فيه قيم الانضباط والالتزام التي طبعت مسيرته الأكاديمية لاحقًا.
وخلال رحلاته إلى إسبانيا والمغرب، تأثر العطاس بالعمارة الإسلامية، وخاصة قصر الحمراء، ما أثار لديه تساؤلات فلسفية حول الجمال وعلاقته بالروحانية الإسلامية.
وترك الخدمة العسكرية للتفرغ للبحث العلمي، وانضم إلى جامعة مالايا في سنغافورة، حيث أصدر كتابه الأول “سلسلة الرباعيات”، ثم واصل دراساته في جامعة ماكغيل بمونتريال وحصل على درجة الماجستير بامتياز.
وأكمل دراسته في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، حيث أعد رسالة الدكتوراه حول “لتصوف عند حمزة فنصوري” تحت إشراف خبراء عالميين.
وعند عودته إلى ماليزيا، شغل عمادة كلية الآداب بجامعة مالايا، وقاد إصلاحات أكاديمية شملت تعزيز دور الهيئة التدريسية وصياغة هوية وطنية عبر اعتماد اللغة الملايوية في التعليم العالي.
وأسس العطاس مشروع “أسلمة المعرفة”، معتبراً أن أزمة الأمة تكمن في خلل النظام المعرفي، وأوضح أن العلم الحديث غالباً ما يفصل الطبيعة عن الروحانية، ما يؤدي إلى اختلال الوعي.
مؤلفاته
قدم في مؤلفاته فكرة “التأديب” بدلاً من التربية التقليدية، مؤكداً أن الهدف هو إنتاج الإنسان الصالح المنضبط بوعيه الأخلاقي ومسؤوليته تجاه الخالق.
ودعا العطاس إلى “إصلاح الأسماء” لغوياً، باعتبار أن الكلمات هي مفاتيح الواقع، وأن تشويه المعاني يؤدي إلى فساد السلوك الاجتماعي والمجتمعي.
وأسس عام 1987 المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية (ISTAC) في كوالالمبور، ليكون فضاءً يجمع بين التعليم والمعمار والجمال، ويحتوي على مكتبة ضخمة تضم نحو 150 ألف مجلد ومخطوط.
وترك إرثاً علمياً واسعاً تجاوز 28 مؤلفاً ورسالة، من بينها “الإسلام والعلمانية”، و”الإسلام وفلسفة العلم”، و”مقدمات في ميتافيزيقا الإسلام” وصولاً إلى عمله الأخير “الإسلام: العهود التي تم الوفاء بها”.
وحصل العطاس على تقدير دولي واسع، منها عضوية الأكاديمية الملكية الأردنية، والأكاديمية الإمبراطورية الإيرانية للفلسفة، وكرسي الغزالي في معهد ISTAC، إضافة إلى الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم.
وكرمت ماليزيا مسيرته بمنحه لقب “البروفيسور الملكي” عام 2024م، ليكون ثاني شخصية تحصل على هذا الوسام، وكان في سنواته الأخيرة يفضل العزلة الهادئة لمواصلة الحوار مع طلابه وإبقاء إرثه الفكري حياً في نفوس الأجيال.



