في حضرة الثورة | “يمينًا بمجدك يا موطني” .. نشيد العهد المتجدد للجمهورية
نشيدٌ سبتمبري جعل من الوفاء عهدًا، ومن التضحية طريقًا، ومن السلام ثمرةً لنضال جيل الثورة

سلسلة حلقات يعدها لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: في الذاكرة اليمنية، ثمة أغانٍ لم تكن مجرد ألحانٍ مرت وانتهت بانتهاء مناسباتها؛ بل بقيت شاهدة على زمنها، تحمل في كلماتها صورة جيلٍ عاش الثورة، وفي ألحانها أصوات الذين رأوا في الوطن قضية، وفي الغناء وسيلة لحفظ ما أرادوا أن يبقى في الذاكرة.
وفي يوم 26 سبتمبر، حين تستعيد اليمن ذكرى ثورتها الجمهورية الـ64، لا تعود الأغنية الوطنية مجرد لحنٍ من زمن مضى، بل تستعيد صوت جيلٍ رأى في الكلمة عهدًا، وفي النشيد ذاكرة، وفي الوطن قضية تستحق الوفاء.
وفي هذه الذكرى التي أنهت حقبة إمامية اتسمت باستعباد شعب رفض الا أن يكون حرا، يستعيد “يمن ديلي نيوز”، نشيدًا سبتمبريًا وطنيًا حمل في عنوانه معنى العهد، وفي كلماته سيرة جيلٍ آمن بالثورة ومضى في طريقها: “يمينًا بمجدك يا موطني”.
إنها أغنية تبدأ بقسم، ثم تمضي في درب الثورة والنضال، وتعبر سنوات الحرب والموت والصمود، قبل أن تبلغ السلام والبناء والحياة. وبين كل مقطع وآخر، يضع كاتبها صورة للثائر الذي لا يرى التضحية نهاية الطريق، بل وسيلة ليحيا الوطن ويعيش أبناؤه في ظلال السلام.
“يمينًا بمجدك يا موطني”، المعروف أيضًا بـ”نشيد القسم”، كتب كلماته الشاعر والمناضل عثمان سيف المخلافي، المعروف بـ”عثمان أبو ماهر”، ولحنه وأداه الفنان اليمني أحمد علي ناجي المعطري عام 1971، في مرحلة كانت الأغنية الوطنية فيها جزءًا من الذاكرة الجمهورية الجديدة، وصوتًا يخاطب الجندي والمواطن والشاب بلغة واحدة: الوطن والوفاء له أولًا.
لكن أهمية النشيد لا تتوقف عند تاريخه؛ فالكلمات تكشف عن مسار كامل يبدأ بالقسم، ثم يمضي إلى الثورة والنضال والصمود، قبل أن يصل إلى السلام والبناء، وكأن الشاعر أراد أن يقول إن الثورة لا تكتمل بالانتصار وحده، وإنما بما يصنعه أبناؤها بعد انتهاء المعركة.
ومنذ الكلمة الأولى، يختار الشاعر للقصة مدخلها: القسم. لا يقول “أحبك يا موطني”، ولا يكتفي بوصف جمال الأرض ومجدها، وإنما يقول: “يمينًا بمجدك يا موطني”.
وهنا تبدأ الحكاية.
“يمينًا بمجدك يا موطني”.. حين يبدأ النشيد بالقسم
يفتتح الشاعر النشيد بالقسم وتتلوه ألحان الفنان صادحة منذ مطلع الأغنية:
“يمينًا بمجدك يا موطني
ويا مهد كل فتى مؤمنِ”..
الافتتاح هنا ليس وصفًا للوطن، وإنما قسمٌ به.
وكلمة “يمينًا”، هي مفتاح النص كله؛ فاليمين في اللغة هو القسم والعهد والتزام الإنسان بما يقول، ولذلك فإن اختيارها عنوانًا ومطلعًا للأغنية يمنح النص منذ لحظته الأولى معنى الالتزام، لا مجرد التعبير عن المشاعر.
وعندما يختار الشاعر أن يقسم بـ”مجد” الوطن، فإنه لا يقسم بالأرض وحدها، وإنما بكل ما تختزنه من تاريخ، وكرامة، وذاكرة، وتضحيات.
أما “مجدك”، فهي كلمة تستدعي الماضي، لكنها لا تحبسه في الماضي. فالمجد في هذا السياق ليس مجرد تاريخ يُروى، بل قيمة يُطلب من الحاضر أن يحافظ عليها ويضيف إليها.
ثم يأتي قوله: “يا موطني”.
إن النداء هنا يقرّب الوطن من الإنسان. لم يقل الشاعر “يا اليمن” بصيغة الاسم المجرد، وإنما اختار “موطني”، وهي صيغة الملكية الوجدانية؛ الوطن الذي ينتمي إليه المتكلم وينتمي إليه من يخاطبه.
ثم يصفه اليمن بأنه “مهد كل فتى مؤمن”.
والمهد هو مكان النشأة والبداية. وكأن الوطن، في رؤية الشاعر، ليس مكانًا يعيش فيه الإنسان فقط، بل المكان الذي تتشكل فيه شخصيته وقيمه وإيمانه بمستقبله.
لكن القسم لا يبقى في حدود الكلام، ومنه ينتقل الشاعر مباشرة إلى التعهد:
“سأمضي على الدرب لا أنحني
ولن أتوانى ولن أنثني”..
الدرب هنا هو طريق الثورة والنضال، بينما “لا أنحني” تنفي الخضوع والتراجع.
وبعد الحديث عن العهد فب المضي، تأتي الجملة في صورة ثلاثية متتابعة: لا أنحني، لا أتوانى، لا أنثني”، وكلها أفعال تنتمي إلى معنى الاستمرار والثبات.
“أمضي”، تعني أن الطريق طويل، وأن القسم ليس لحظة عاطفية عابرة.
و”لا أنحني”، تعني رفض الخضوع، و”لا أتوانى”، تعني ألا يتراجع العزم، و”لن أنثني” تعني ألا يعود صاحب القسم عن الطريق الذي اختاره.
بهذه الكلمات يتحول القسم من وعد لفظي إلى موقف عملي؛ ومن خطاب عاطفي إلى عهد واضح: الوطن يُحب، لكن هذا الحب في تصور الشاعر يُترجم إلى فعل. فالوطن في النص لا يطلب من أبنائه مشاعر مجردة، وإنما يطلب منهم أن يمضوا.
“الفداء والوفاء والتقى”.. ثلاث كلمات تختصر الطريق
بعد القسم، يضع الشاعر شعاره:
“شعاري الفداء والوفاء والتقى
مدى الدهر أخدمه موطني”
وهنا يختصر الشاعر منظومة هذا الالتزام في عبارة: “شعاري الفداء والوفاء والتقى”.
ثلاث كلمات تختصر شخصية الثائر كما يريد النص تقديمها.
“الفداء” يعني التضحية والاستعداد لبذل النفس في سبيل غاية أكبر.
و”الوفاء”، يعني أن يبقى العهد قائمًا وعدم التخلي عنه، حتى عندما تصبح الطريق شاقة.
أما “التقى”، فيضيف إلى الثورة بُعدًا أخلاقيًا؛ فالقوة في النص ليست منفصلة عن القيم، والتضحية ليست غاية بذاتها، وإنما جزء من منظومة أخلاقية يرى الشاعر أنها تحكم علاقة الإنسان بوطنه.
ثم تأتي الخاتمة:
“مدى الدهر أخدمه موطني”
وهنا تنتقل الأغنية من لحظة الثورة إلى الزمن كله.
فالخدمة ليست مؤقتة بانتهاء المعركة، ولا مرتبطة بمرحلة سياسية، وإنما “مدى الدهر”.
ومن هنا تبدأ الأغنية في الكشف عن فكرتها الأوسع: الثورة ليست غاية منفصلة عن حياة الناس، وإنما طريق إلى وطن يُخدم في الحرب والسلم معًا.
“أنا الثائر الحر”.. حين تتكلم القصيدة بلسان المقاتل
بعد أن يبدأ النص بالقسم، ينتقل إلى تعريف صاحبه:
“أنا الثائر الحر رمز النضال
وجندي بلادي ليوم القتال”
هنا يتحدث الشاعر بلسان الثائر.. فـ”الحرية”، في النص ليست مجرد عبارة تعريفية، وإنما إعلان عن هوية.
الثائر هنا “حر”، لأنه يرى نفسه خارج الخضوع، و”رمز النضال” لأنه لا يقدم نفسه بوصفه فردًا معزولًا، وإنما صورة لجيل يرى في النضال طريقًا للخلاص.
ثم تأتي كلمة “جندي بلادي”
وهي عبارة تحمل أهمية خاصة في حالة عثمان أبو ماهر؛ فصاحب الكلمات نفسه كان مرتبطًا بتجربة الثورة والعمل العسكري، وعُرف في سيرته بجمعه بين الميدان العسكري والكتابة والأدب، وجمع في تجربته بين البندقية والقلم.
وتذكر المصادر سيرته بوصفه مشاركًا في ثورة 26 سبتمبر، ثم في مطاردة فلول الحكم الإمامي، قبل أن ينتقل لاحقًا بين العمل العسكري والأمني والمدني والثقافي.
ولهذا تبدو بعض مفردات القصيدة، ومنها عبارة “جندي بلادي”، أقرب إلى شهادة رجل عاش أجواء الصراع، لا مجرد خيال شاعر يصفه من بعيد.
ثم تأتي واحدة من أكثر صور الأغنية قوة:
“شربت المنايا كشرب الزلال”
و”المنايا”، هي الموت، بينما “الزلال”، هو الماء العذب الصافي.
والمفارقة بين الكلمتين هي التي تمنح الصورة قوتها. فالموت الذي يمثل أقصى درجات الخوف لدى الإنسان، يصوره الشاعر كأنه شيء يُشرب مثل الماء.
لا يريد الشاعر هنا أن يجعل الموت غاية او تمجيده لذاته، وإنما يريد أن يصف مقدار الاستعداد الذي كان يراه في الثائر الذي اختار طريقه، وأن يضع التضحية في مقابل الخوف الذي يمكن أن يمنع الإنسان من الدفاع عن قضيته ليبين استعدادٌ يجعل الخوف من الموت أقل من الخوف على الوطن ومصير الثورة.
ثم يقول:
“وتُوّجت بالنصر هام التلال”..
التلال هنا ليست مجرد تضاريس. إنها تتحول إلى شاهد على المعركة، وإلى صورة للنصر الذي يعلو فوق الأرض.
والتاج في “تُوّجت” يستحضر صورة المنتصر، لكن التتويج لا يحدث في قصر أو احتفال، وإنما فوق “هام التلال”؛ أي في فضاء المعركة نفسها.
وكأن الشاعر يقول إن تلك الأرض التي شهدت القتال هي نفسها التي حملت أثر الانتصار.
“وحدثني الصخر عند الصمود”.. حين تصبح الجبال شاهدًا
يصل النص إلى واحدة من أجمل صوره:
“وحدثني الصخر عند الصمود
لك الله فاصمد صمود الجبال”..
الصخر هنا لا يتحدث حرفيًا؛ إنه استعارة تجعل الطبيعة نفسها شاهدة على صلابة الإنسان، وجزءًا من ذاكرة الثورة
اختيار “الصخر” تحديدًا ليس عابرًا، فالصخر هو الثبات والقوة ومقاومة التآكل. وعندما يقول الشاعر إن الصخر “حدثني”، فهو يجعل الجبل جزءًا من ذاكرة الثورة، وكأن الأرض نفسها تروي للثائر معنى الصمود.
ولا يكتفي النص بالصمود، بل يكرر الكلمة ويضيف إليها معيارها:
“فاصمد صمود الجبال”..
التكرار هنا ليس حشوًا موسيقيًا؛ إنه يثبت المعنى في ذهن المستمع، إن الصمود ليس لحظة، وإنما حالة.
والجبال في المخيال اليمني ليست مجرد تضاريس؛ إنها فضاء ارتبط تاريخيًا بالحصون والطرق والمعارك والاحتماء والمقاومة. ولذلك تصبح “الجبال” في هذا البيت معيارًا للثبات.
“سنون مضت”.. حين لا يكون النضال نهاية الحياة
بعد مقطع الحرب والصمود، يغير الشاعر اتجاه القصيدة:
“سنون مضت كان ظني بها
مَماتًا فكانت حياة الكرام”..
هنا تظهر المفارقة الكبرى، فما كان يبدو موتًا أصبح “حياة الكرام”.
فالثورة في وجدان الشاعر لم تكن مجرد خسائر أو سنوات قتال، وإنما تجربة يرى أنها منحت أصحابها معنى جديدًا للحياة والكرامة.
وهذه النقلة مهمة؛ لأن القصيدة لا تبقى في لغة المعركة، فبعد “المنايا”، و”القتال” و”الصمود”، يفتح النص الباب للسلام.
“وجاء السلام سلام الختام”.. الثورة حين تصبح طريقًا إلى الحياة
يقول النص:
“وجاء السلام سلام الختام
تمخض عن حربنا والحمام”..
السلام هنا ليس نقيض الثورة، بل الثمرة التي ينتظرها النص من سنوات الحرب.
و”سلام الختام” يحمل معنى إغلاق صفحة القتال وفتح صفحة أخرى.
أما “تمخض”، فهي كلمة ذات دلالة عميقة؛ فالتمخض هو الألم السابق للولادة. وكأن الشاعر يصور السلام مولودًا خرج من رحم سنوات صعبة.
لكن هذا السلام لا يأتي ليُنهي القصة، وإنما ليبدأ بها:
“وها أنا أبني ليحيا أخي
ويحيا البنون بظل السلام”..
هنا تصل الأغنية إلى واحدة من أهم رسائلها وأكثر لحظاتها إنسانية: الثائر الذي حمل السلاح لا يريد أن تبقى البلاد في حالة حرب.
فالذي حمل السلاح في المقطع السابق أصبح الآن “يبني”.
ولم يعد الهدف أن ينتصر هو، وإنما أن “يحيا أخي”، وأن “يحيا البنون”.
الأخ يمثل الجيل الحاضر، والأبناء يمثلون المستقبل.
وبين الاثنين يصبح السلام غاية تتجاوز الجيل الذي خاض المعركة إلى الأجيال التي ستأتي بعده.
وهكذا تقول الأغنية، بصورة واضحة، إن التضحية لا تكتمل إلا إذا انتهت إلى حياة.
فالغاية النهائية في النص ليست استمرار المعركة، وإنما أن يأتي يوم يستطيع فيه الأخ والأبناء أن يعيشوا “بظل السلام”.
“مضينا على درب أيلولنا”.. حين يتحول سبتمبر إلى طريق
بعد الحديث عن الحرب والسلام، يعود النص إلى سبتمبر:
“مضينا على درب أيلولنا
يقود خطانا الإخاء والوئام”..
لم يقل الشاعر “إلى أيلول”، وإنما “على درب أيلول”، وهذه مفردة شديدة الأهمية. فسبتمبر هنا ليس تاريخًا على التقويم، وإنما طريق يبدأ بالثورة ويستمر بعدها.
لكن اللافت أن قائد هذا الطريق ليس القتال، وإنما “الإخاء والوئام”.
بعد أن كانت مفردات النص في بدايته “الفداء” و”القتال” و”المنايا”، تصبح المفردات في نهايته “الإخاء” و”الوئام” و”السلام”.
وكأن بنية القصيدة نفسها تحاكي مسار الثورة: مواجهة، ثم انتصار، ثم بناء، ثم سلام.
“فرشنا الدروب بأرواحنا”.. التضحية بوصفها طريقًا إلى المستقبل
يقول الشاعر:
“فرشنا الدروب بأرواحنا
وسرنا على هديها للأمام”..
الصورة هنا تقوم على مفارقة شديدة الكثافة، فالطريق عادةً يُفرش بالحجارة أو التراب، لكن الشاعر يجعل الأرواح هي التي تمهد الطريق.
ومعنى ذلك أن الطريق إلى المستقبل لم يكن مجانيًا، وأن الأجيال اللاحقة تصل إلى ما وصلت إليه فوق تضحيات من سبقوها.
لكن البيت الثاني يمنع القصيدة من التحول إلى مرثية:
“وسرنا على هديها للأمام”.
الأرواح التي قدمها السابقون لا تُستدعى للبكاء عليها فقط، بل لتكون هداية لمن يأتي بعدها. وهنا تتحول الذاكرة إلى مسؤولية.
“وقفنا على قمم الحادثات”.. الثورة أمام امتحان التاريخ
ثم يقول:
“وقفنا على قمم الحادثات
أردنا مصيرًا وشئنا حياة”..
“الحادثات” هنا هي تقلبات التاريخ وصروفه، أما “القمم” فتمنح الصورة معنى المواجهة من موقع مرتفع؛ كأن الجيل الذي يخاطبه الشاعر لم يكن متلقيًا للأحداث، وإنما وقف في وجهها.
ثم تأتي العبارة الأكثر إنسانية:
“أردنا مصيرًا وشئنا حياة”..
الثورة في هذه الصياغة ليست رغبة في تغيير السلطة لذاتها، وإنما رغبة في “مصير” مختلف و”حياة” مختلفة.
وهو ما يفسر عودة القصيدة قبل ذلك إلى الأخ والأبناء والسلام، فالهدف النهائي هو الحياة.
“فكانت حياة الشروق السني”.. من ليل الماضي إلى صباح الجمهورية
تصل الأغنية إلى خاتمتها:
“فكانت حياة الشروق السني
يمينًا بمجدك يا موطني”..
“الشروق” هنا صورة للنور الذي يأتي بعد الظلام، أما “السني”، فيضيف معنى الإشراق والضياء.
وبذلك تعود القصيدة في نهايتها إلى صورتها الأولى، لكنها تعود وقد قطعت رحلة كاملة.
بدأت بالقسم، ثم مرت بالثائر والجندي، ثم دخلت ساحات القتال والصمود، ثم عبرت سنوات الحرب، ثم وصلت إلى السلام والبناء، ومن ثم عادت إلى أيلول بوصفه طريقًا.
وفي النهاية، جاء “الشروق” بوصفه خلاصة لهذه الرحلة.
وتعود العبارة الأولى مرة أخرى: “يمينًا بمجدك يا موطني”، لكن معناها في النهاية يصبح أوسع من معناها في البداية؛ ففي البداية كان القسم وعدًا، أما بعد كل ما مر به النص، فقد أصبح القسم خلاصة تجربة.
أحمد المعطري.. فنان حمل الأغنية الوطنية إلى الميدان
يرتبط النشيد أيضًا بتجربة فنية مختلفة في تاريخ الأغنية اليمنية.
فالفنان أحمد علي ناجي المعطري، المولود عام 1946 في قرية ضراس بمديرية السياني في محافظة إب، عُرف بلقب “فنان القوات المسلحة”، وجمع في تجربته بين الغناء والتلحين والعمل الفني داخل المؤسسة العسكرية.
ويقول المعطري، في شهادات إعلامية عن مسيرته، إن “يمينا بمجدك يا موطني”، كان أول نشيد من ألحانه وأدائه، وأنه يعود إلى عام 1971، من كلمات عثمان أبو ماهر.
بدأ تسجيل أعماله في أواخر الستينيات، وامتدت تجربته التسجيلية حتى عام 2002، وفق ما رواه في مقابلات صحفية. كما شارك في فعاليات فنية خارج اليمن، وقدم أعمالًا وطنية عديدة جعلت صوته حاضرًا في الذاكرة الفنية اليمنية.
وفي شهاداته عن تجربته الفنية، وصف المعطري نفسه بأنه اعتمد في بداياته على الموهبة الفطرية، قبل أن يطور أدواته الفنية ومعرفته بالموسيقى والمقامات. وهذه الثنائية بين الفطرة والتطوير تبدو حاضرة في صوته الذي ارتبط بعدد من الأعمال الوطنية.
ولم تكن علاقته بالمؤسسة العسكرية مجرد ارتباط وظيفي؛ فقد تولى إدارة المسرح والفنون العسكرية، وشارك في إقامة أنشطة وحفلات فنية في المعسكرات والمحافظات والمناطق البعيدة، وهو ما جعل الأغنية الوطنية في تجربته قريبة من الجندي والميدان، لا حبيسة الإذاعة أو المسرح.
وهكذا لم تكن الأغنية الوطنية بالنسبة إلى المعطري مجرد عمل يُسجل في الاستوديو، وإنما صوتًا يصل إلى الجندي في موقعه، وإلى الجمهور في المناسبة، وإلى اليمنيين في مختلف مناطق البلاد.
عثمان أبو ماهر.. شاعر حمل البندقية والقلم
أما صاحب الكلمات، عثمان سيف قاسم المخلافي، المعروف بـ”عثمان أبو ماهر”، فقد جمع في سيرته بين الثورة والشعر.
ولد عام 1941 في منطقة المخلاف بمحافظة تعز، وتلقى تعليمه الأولي في كتاتيب قريته، ثم واصل دراسته في زبيد، قبل أن ينتقل إلى المملكة العربية السعودية عام 1955، حيث درس العلوم الدينية. وتذكر المصادر أنه عاد إلى اليمن وشارك في ثورة 26 سبتمبر، ثم خدم في مواقع عسكرية وأمنية ومدنية مختلفة، إلى جانب نشاطه الأدبي والشعري.
وله ديوان “النغم الثائر”، وهو عنوان يلخص جانبًا أساسيًا من تجربته؛ فقد كان الشعر عنده متصلًا بالثورة، والوطن، والإنسان، ولم تكن القصيدة منفصلة عن تجربته في الحياة.
وتصفه كتابات تناولت سيرته بأنه جمع بين “السيف والقلم” وهي عبارة تبدو مناسبة خصوصًا عند قراءة “يمينًا بمجدك يا موطني”، لأن كثيرًا من مفرداتها العسكرية لا تأتي من خيال شاعر بعيد عن الميدان، وإنما من تجربة رجل عاش جزءًا من التحولات التي يكتب عنها.
وتوفي عثمان أبو ماهر في 20 يناير/كانون الثاني 2013، تاركًا وراءه أعمالًا غنائية وشعرية ارتبط بعضها بالأغنية الوطنية اليمنية.
من البندقية إلى القصيدة
كان عثمان أبو ماهر من أولئك الذين جمعوا بين تجربتين تبدوان مختلفتين في الظاهر: الميدان والقصيدة.
في الميدان كان السلاح أداة مواجهة، وفي القصيدة أصبح السلاح صورة لمعنى أكبر: الدفاع عن الوطن والكرامة.
وفي “يمينًا بمجدك يا موطني” لا يكتب الشاعر عن الثورة من موقع المتفرج؛ إنه يتحدث بلسان “الثائر” و”الجندي”، ثم يضع أمامهما صورة المستقبل الذي يريدانه: أخٌ يحيا، وأبناء يعيشون تحت ظل السلام.
وهنا تكمن واحدة من أهم خصائص النص، فالشاعر لا يتوقف عند تمجيد الماضي، بل يحاول أن يجيب عن السؤال الأصعب: ماذا بعد الثورة؟.
والجواب يأتي واضحًا:
“أبني ليحيا أخي
ويحيا البنون بظل السلام”.
أي أن الثورة، في نهاية الطريق، يجب أن تتحول إلى حياة.
نشيد القسم.. سردية غنائية لا تبدأ من الثورة ولا تنتهي عندها
ربما تكمن خصوصية “يمينًا بمجدك يا موطني” في أنها لا تقدم الثورة باعتبارها لحظة منفصلة عن حياة اليمنيين.
وفي يوم 26 سبتمبر، وبعد 64 عامًا على الثورة، تعود “يمينًا بمجدك يا موطني” من أرشيف الأغنية الوطنية إلى ذاكرة المناسبة.
لكنها لا تعود فقط لأنها أغنية سبتمبريّة، وإنما لأن بنيتها تحمل قصة كاملة.
قسمٌ في البداية.
ثائرٌ في الطريق.
جنديٌ في الميدان.
موتٌ يُواجه.
صخرٌ يُستدعى للصمود.
سنواتٌ تمضي.
سلامٌ يولد من رحم الحرب.
أخٌ وأبناء ينتظرون الحياة.
ثم سبتمبر الذي يتحول من تاريخ إلى “درب”.
وأخيرًا شروقٌ يضيء نهاية القصيدة.
وبين البداية والنهاية، يضع النص، تصورًا كاملًا للإنسان الذي يريد أن يكونه: وفيًا لوطنه، ثابتًا أمام المحن، مستعدًا للتضحية، لكنه لا يجعل الحرب غايته الأخيرة؛ بل يعود في النهاية إلى الحياة.
لهذا تبدو “يمينًا بمجدك يا موطني” أقرب إلى قسم طويل صاغه شاعر ثائر، وغناه فنان حمل صوته إلى ميادين الجيش، ليبقى النشيد بعد أكثر من نصف قرن شاهدًا على مرحلة كانت الأغنية فيها واحدة من أدوات صناعة الذاكرة الجمهورية.
إنها أغنية تقول إن أيلول لم يكن يومًا فقط، وإن الثورة لم تكن طلقة فقط، وإن النصر لا يكتمل إلا حين يتحول إلى حياة.
وفي يوم الثورة، يعود القسم مرة أخرى:
“يمينًا بمجدك يا موطني”..
لا كجملة في أغنية قديمة، وإنما كصوت من ذاكرة اليمن، يستعيد قصة جيلٍ رأى في أيلول بداية طريق، وكتب ذلك الطريق شعرًا، وغناه لحنًا، ليتحول القسم إلى نشيد، والنشيد إلى ذاكرة، والذاكرة إلى جزء من حكاية سبتمبر.
- في حضرة الثورة.. سلسلة حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
في حضرة الثورة.. حلقات على “يمن ديلي نيوز” تستعيد حكايات الأغنية السبتمبرية
الحلقة (1): في حضرة الثورة| “دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
“دمت يا سبتمبر التحرير”.. الأغنية التي رسمت جغرافيا الوطن قبل أن يكتمل الحلم
الحلقة (2): في حضرة الثورة| “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
في حضرة الثورة | “جمهورية ومن قرح يقرح”.. حين جعل الكفيف من بصيرته صوتًا للجمهورية
الحلقة (3): في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية
في حضرة الثورة | “بالله عليك يا طير يا رمادي”.. الأغنية التي حملت بشارة الجمهورية
الحلقة (4): في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة
في حضرة الثورة | “أنا شعبي ثائر”.. سردية غنائية جمعت عراقة الماضي بوهج الثورة
الحلقة (5): في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن
في حضرة الثورة| “يامارداً”.. حين غنّت دمشق لأيلول صنعاء وتشرين عدن
الحلقة (6): في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية
في حضرة الثورة | “ثورة اليمن السعيد”.. ملحمة غنائية مصرية وثّقت مسار إعلان الجمهورية
الحلقة (7): في حضرة الثورة | “نحن الشباب”.. الأنشودة التي حملت راية الجمهورية إلى جيل المستقبل
في حضرة الثورة | “نحن الشباب”.. الأنشودة التي حملت راية الجمهورية إلى جيل المستقبل
الحلقة (8): في حضرة الثورة | يا جماهير سبتمبر وأكتوبر.. معزوفة وطنية تختزل وفاء محسن الجبري للثورة
في حضرة الثورة | يا جماهير سبتمبر وأكتوبر.. معزوفة وطنية تختزل وفاء محسن الجبري للثورة
الحلقة (9): في حضرة الثورة| “يمينًا بمجدك يا موطني”.. نشيد العهد المتجدد للجمهورية
في حضرة الثورة | “يمينًا بمجدك يا موطني” .. نشيد العهد المتجدد للجمهورية



