قناة الجنوب اليوم.. قراءة تحليلية في فلسفة الشعار وبنية الخطاب والسياسة الإعلامية

تحليل خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: في الـ 18 من فبراير/ شباط 2026م، أعلنت قناة “الجنوب اليوم” انطلاق بثها التجريبي، كوسيلة إعلامية ولدت من رحم اللحظة وظرف الأحداث التي شهدتها الجغرافيا في جنوب اليمن منذ الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2025م.
أطلت القناة من العاصمة السعودية “الرياض”، معلنةً عن نفسها كمنبر يسعى لتمثيل تطلعات أبناء الجنوب تحت شعار عريض: “الجنوب لكل وبكل أبنائه”.
هذا الانطلاق لم يكن مجرد إضافة رقمية للقنوات الفضائية، بل حمل في طياته دلالات سياسية وهوياتية عميقة تستحق القراءة والتحليل.
في هذه التحليل يقدم “يمن ديلي نيوز” قراءة أولية لما بثته قناة “الجنوب اليوم”، منذ إطلاق بثها التجريبي، بالإضافة إلى الجوانب الفنية والتحريرية والسياسية والمحتوى للقناة، على النحو التالي:
الهوية والتأسيس (قراءة في التوقيت والمنشأ)
بدأت رحلة القناة رقمياً باسم “الجنوب اليوم” في 27 يناير/ كانون الثاني 2026م عبر منصة “فيسبوك”، قبل أن يتم تعديل اسمها رسمياً إلى “قناة الجنوب اليوم” مع انطلاق بثها التجريبي في الـ18 من فبراير/ شباط 2026م.
يعكس تعريف القناة لنفسها كـ”منبر يعبر عن القضية الجنوبية العادلة بمسؤولية” رغبتها في تقديم إعلام يوازن بين “الرسالة المهنية” وبين “الالتزام السياسي” بالسياسة العامة للدولة ومخرجات التوافق الوطني.
الشعار
بناءً على الشعار الخاص بقناة “الجنوب اليوم” كما يظهر في منصاتها الرسمية، يتكون التصميم من عدة عناصر رمزية تعبر عن الهوية السياسية والجغرافية التي تمثلها القناة، وهي كالتالي:
● لوحة الألوان: يعتمد التصميم بشكل أساسي على (الأبيض، والأحمر) كلون لنص الشعار (الجنوب اليوم) بخلفية زرقاء في إشارة غير مباشرة لعلم جنوب اليمن.
● التايبوغراف: كُتب الاسم بخط عربي حديث وعريض، مع إعطاء كلمة “الجنوب” الحجم الأكبر، لترسيخ الهوية الجغرافية في ذهن المشاهد من الوهلة الأولى.
السياسة التحريرية (من قاموس المناهضة إلى لغة الدولة)
تشير المعطيات الحالية إلى أن القناة تأتي كبديل أو “نسخة مطورة” مدعومة من المملكة العربية السعودية، وتهدف إلى تمثيل الصوت الجنوبي ضمن رؤية تتماشى مع توجهات التحالف العربي والحكومة الشرعية، بعيداً عن الاستقطاب الحاد الذي قد تمارسه وسائل إعلامية أخرى محسوبة على أطراف محلية معينة.
وتحت شعار “الواقعية السياسية”، تبتعد القناة عن لغة التحريض، وتتبنى قاموساً إخبارياً منضبطاً وفقاً لتوجهات الدولة اليمنية، وذلك مع الحفاظ على سياستها الموجهة لمطالب أبناء الجنوب ولكن وفق رؤية الدولة للقضية.
من خلال متابعة المواد الخبرية المنشورة على صفحة القناة، (خاصة مع انطلاق بثها الأولي من الرياض) يمكن استخلاص قراءة أولية لسياستها التحريرية وتوجهاتها العامة وفق النقاط التالية:
● تعزيز الشرعية والوحدة (بمفهوم التوافق): تركز القناة في خطابها على دعم مجلس القيادة الرئاسي اليمني، ومحاولة خلق توازن بين تطلعات أبناء الجنوب وبين الاستقرار السياسي العام في اليمن.
● مناهضة النفوذ الحوثي: كأي قناة تنطلق من الرياض، يظل العداء للمشروع الحوثي ومواجهة “الأجندة الإيرانية” في المنطقة حجر زاوية في سياستها الإخبارية.
أيضا يظهر الالتزام بمصطلحات “المليشيات الانقلابية”، تماشياً مع خطاب التحالف والشرعية.
● المؤسساتية: تستخدم القناة مصطلح “قوات الأمن” بصبغة مؤسسية شاملة، ونادراً ما تستخدم مسميات فصائلية ضيقة إلا في سياق مهني، مما يوحي برغبتها في إظهار “دولة” لا “مليشيات”.
● الخطاب التصالحي: تبتعد القناة (مقارنة بغيرها) عن لغة التحريض ضد الأطراف المنضوية تحت راية التحالف، وتحاول تقديم مادة تجمع بين “الهوية الجنوبية” والتعاون الإقليمي.
● الخطاب التنموي: التركيز على “الحقوق والخدمات” ومشاريع “البرنامج السعودي لإعمار اليمن”، وهو ما يحول القضية من “صدام سياسي” إلى “بناء مؤسسي”.
التوجه العام:
من خلال متابعة المواد الخبرية المنشورة على صفحة القناة خلال نحو 48 ساعة على إطلاق بثها التجريبي، يبدو أن القناة تحاول أن تكون “صوتاً جنوبياً معتدلاً” يرفض الانفصال التصادمي وفي الوقت ذاته يرفض التهميش، وذلك بمثابة “قوة ناعمة” تهدف إلى:
1. سحب البساط من الإعلام الذي يهاجم الشرعية والسعودية في الجنوب.
2. تقديم رؤية سياسية جنوبية تتوافق مع “اتفاق الرياض” ومخرجات المشاورات “اليمنية – اليمنية”.
الجنوب اليوم مقابل عدن المستقلة
تضع القناة الجديدة نفسها كبديل “معتدل” أمام الخطاب التعبوي لقناة “عدن المستقلة (AIC) – قناة إخبارية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي “المنحل” وفيما يلي أبرز الفوارق:
● التبعية: “قناة الجنوب اليوم” مدعومة من “الرياض” وتدعم خطاب مجلس القيادة الرئاسي وتوجهات الدولة، فيما “قناة عدن المستقلة (AIC)” تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي ومدعومة من الإمارات، وكانت تتبنى خطابا مناهضا للدولة ومجلس القيادة الرئاسي.
● الهدف: “قناة الجنوب اليوم” من حيث الأهداف فإن خطابها يمشي وفق توجهات “التهدئة، البناء، والوحدة التوافقية” فيما “قناة عدن المستقلة (AIC)” كانت سياستها تهدف إلى “الحشد، التعبئة، وفك الارتباط”
ردود الفعل:
أحدث انطلاق القناة انقساماً في الشارع الجنوبي بين تيار متفائل يرى فيها كسراً للاحتكار الإعلامي وفرصة للتنمية، وبين تيار متشكك يخشى من تمييع “القضية الجنوبية” وتذويبها في مشاريع إقليمية، إلا أن انتقال كوادر مهنية من عدن إلى الرياض للعمل في القناة يشير إلى تحول في خارطة التحالفات الإعلامية، حيث يتم استقطاب الكفاءات لتقديم “صوت جنوبي هادئ”.
الخلاصة
يمكن مما سبق أن نخلص إلى أن قناة “الجنوب اليوم” وسيلة إعلامية ولدت من رحم اللحظة، كأداة لإعادة ضبط الإيقاع الجنوبي ليتوافق مع رؤية الرياض لعام 2026م بشأن ضبط الأحداث الأخيرة وخلق خطاب إعلامي مساند لتوجه الدولة.
القناة تراهن على الخطاب العقلاني والخدمات، بدلاً من “العاطفة والشعارات”، تسعى القناة لتكون منبرًا وسطيًا في تشكيل الرأي العام الجنوبي بما يخدم الاستقرار ودعم مؤسسات الدولة.



