أهم الاخبارالأخبارتقارير

الشقب في تعز.. حكاية صمود 11 ألف إنسان أمام 10 آلاف قذيفة

يمن ديلي نيوز – تقرير خاص: على السفوح الشرقية لجبل صبر، جنوب شرقي مدينة تعز، تتناثر قرى الشقب بين المدرجات الزراعية والوديان.. كان سكانها يقضون نهارهم في الحقول ويعودون إلى منازلهم مساءً، قبل أن تحوّل الحرب طرق المنطقة ومزارعها إلى مساحات محفوفة بالمخاطر.

منذ اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء واندلاع الحرب في العام 2015 تعيش الشقب على وقع القصف والقنص والهجمات المتكررة، فيما تراجعت قدرة السكان على الوصول إلى مزارعهم والخدمات الأساسية، وتزايدت خسائرهم البشرية والمادية.

وتقول لجنة الحقوق الإنسانية والتنموية والرصد في المنطقة إن حصيلة الانتهاكات الموثقة تجاوزت 14 ألف واقعة منذ اندلاع الحرب، في منطقة يُقدّر عدد سكانها بنحو 11 ألف نسمة، موزعين على قرابة 43 محلة سكنية.

وفي أحدث فصول المعاناة، قُتلت الفتاة طيبة عبدالرقيب عبدالله، البالغة 18 عاماً، وسائق سيارة إسعاف، وأصيب الطبيب المرافق، بعدما تعرضت المركبة لقذيفة هاون، صباح الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول، أثناء نقل الفتاة المصابة برصاص مسلحين حوثيين، وفق معلومات محلية وردت إلى “يمن ديلي نيوز”.

وكانت الرحلة التي انطلقت لإنقاذ الفتاة قد انتهت بمقتلها، وتدمير سيارة الإسعاف، وإصابة الطبيب، في حادثة تعيد إلى الواجهة المخاطر التي تواجه المدنيين حتى أثناء محاولتهم الوصول إلى العلاج.

آلاف القذائف في سجل الانتهاكات

تكشف بيانات لجنة الحقوق الإنسانية والتنموية والرصد عن حجم القصف الذي تعرضت له الشقب خلال سنوات الحرب.

ووفق تقرير أعده فريق الرصد والتوثيق القانوني التابع للجنة، للفترة من 24 أبريل/نيسان 2015 حتى 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بلغ عدد الانتهاكات الجسيمة الموثقة 13 ألفاً و696 واقعة. وفي بيان صدر في 10 أغسطس/آب 2026، أعلنت اللجنة ارتفاع الحصيلة إلى أكثر من 14 ألف واقعة.

ووثق التقرير 10 آلاف و75 واقعة انتهاك مباشر باستخدام أسلحة مختلفة، بينها 8 آلاف و697 قذيفة هاون، و638 صاروخ كاتيوشا، و467 قذيفة من نوع “RPG”، و245 قذيفة من نوع “B10″، إلى جانب أنواع أخرى من الأسلحة.

كما سجل 641 انتهاكاً جسيماً ضد الأشخاص، شملت 84 حالة قتل خارج القانون، بينها 13 طفلاً و11 امرأة، و513 حالة إصابة، بينها 284 إصابة بالقنص المباشر، إضافة إلى 38 حالة اختطاف وتعذيب.

وتشير هذه الأرقام، وفق بيانات اللجنة، إلى حجم الأضرار التي لحقت بالسكان في منطقة تتداخل فيها التجمعات السكنية والمزارع مع خطوط المواجهة.

منازل مدمرة ومزارع محترقة

لم تقتصر آثار القصف على القتلى والجرحى، بل امتدت إلى المنازل ومصادر الرزق والبنية الأساسية التي يعتمد عليها السكان.

ووثق التقرير تدمير 777 منزلاً كلياً أو جزئياً، وإحراق 1113 مزرعة ومستجمعاً إنتاجياً، وتضرر أكثر من 50 خزاناً أو منبعاً للمياه.

كما رصد 346 هجوماً على مرافق مدنية حيوية، بينها مرافق صحية وطرق إمداد ومخازن للغذاء، إلى جانب تهجير 694 أسرة قسرياً.

وتقول اللجنة إن المنطقة ظلت تحت الحصار لأكثر من 3620 يوماً وفق الحصيلة الواردة في تقريرها، فيما يشير تحديث لاحق إلى استمرار القيود المفروضة على حركة السكان. ويتطلب تحديد مدة الحصار حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026 اعتماد تاريخ بداية موثق وطريقة احتساب واضحة.

الألغام تهدد المزارعين

إلى جانب القصف والقنص، تشكل الألغام الأرضية خطراً إضافياً على سكان الشقب، خصوصاً أثناء توجههم إلى الحقول ومصادر الرزق.

وفي 10 أغسطس/آب 2026، أعلنت لجنة الحقوق الإنسانية والتنموية والرصد مقتل المواطنة قبول سعيد عقلان، البالغة 65 عاماً، إثر انفجار لغم أرضي في مزرعة بحي نجد المراقب في الشقب.

وقالت اللجنة إن الحادثة رفعت عدد ضحايا الألغام في المنطقة، وفق سجلاتها، إلى 33 قتيلاً ومصاباً، محذرة من استمرار المخاطر التي تهدد الأهالي في الأراضي الزراعية والمناطق التي شهدت مواجهات.

ويضيف انتشار الألغام عبئاً جديداً على السكان الذين يعتمدون على الزراعة، إذ لا تنتهي مخاطر الحرب بالابتعاد عن خطوط المواجهة، بل قد تلاحقهم إلى الحقول والطرق التي يسلكونها يومياً.

تصعيد أكتوبر يفاقم الخسائر

خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، شهدت الشقب تصاعداً في الهجمات التي طالت مناطق سكنية، وفق معلومات محلية وتقارير نشرها “يمن ديلي نيوز” وبيانات حقوقية.

ففي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أفادت مصادر محلية بمقتل الطفل محمد عبدالله عبده مقبل، البالغ 14 عاماً، والمرأة ذكريات عبدالواحد أحمد يحيى، وإصابة ستة مدنيين آخرين، جراء قصف مدفعي استهدف المنطقة.

وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول، قُتلت آسيا عبدالصمد سعيد ردمان، وهي امرأة في الخمسينات من عمرها، وأصيبت الفتاة مذهلة شهاب عبده عبيد محمد، البالغة 17 عاماً، إثر قصف مدفعي طال قرى المنطقة، وفق مصادر محلية.

وفي 17 أكتوبر/تشرين الأول، تحدث مركز تعز الحقوقي، في بيان نقلته وكالة الأنباء اليمنية “سبأ”، عن مقتل مواطنة وإصابة طفلة جراء قصف استهدف منازل وقرى سكنية في الشقب. كما أشار إلى إصابة مواطنة برصاص قناصة في منطقة كحلان، وثلاثة أشقاء بشظايا قذيفة سقطت على منزلهم في حي عقاقة.

وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول، قُتلت طيبة عبدالرقيب عبدالله وسائق سيارة الإسعاف، وأصيب الطبيب المرافق، في الحادثة التي وقعت أثناء نقل الفتاة المصابة لتلقي العلاج.

وتُظهر هذه الحوادث كيف تمتد مخاطر المواجهات إلى المنازل والطرق المدنية، في وقت يواجه فيه السكان صعوبات في التنقل والوصول إلى المرافق الصحية.

قرية جبلية على خطوط المواجهة

تقع الشقب في مديرية صبر الموادم بمحافظة تعز، ضمن عزلة النجادة، على السفوح الشرقية لجبل صبر. ويُقدّر عدد سكانها بنحو 11 ألف نسمة، يتوزعون على قرابة 43 محلة سكنية بين المرتفعات والأودية والمدرجات الزراعية.

ومنذ مارس/آذار 2015، تحولت المنطقة إلى جبهة مواجهة بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية والمقاومة الشعبية، بفعل موقعها المطل على مرتفعات ومسارات محيطة بمدينة تعز.

ويتمركز الحوثيون في مواقع مرتفعة، بينها تبة الصالحين، فيما تتمركز القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في مواقع أخرى، بينها تبة دار مزعل وموقع الحصن وموقع السينة وموقع العروس، وفق المعلومات الواردة من المنطقة.

وأبقت هذه المواقع القرى والمزارع عرضة لنيران المواجهات، كما زادت صعوبة الحركة بين التجمعات السكنية والوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتتفاقم المعاناة بفعل وعورة الطرق وضعف الخدمات الصحية؛ إذ يحتاج الأهالي، وفق معلومات محلية، إلى نحو ثلاث ساعات للوصول إلى مدينة تعز. وفي الحالات الحرجة، تتحول المسافة إلى تحدٍ إضافي أمام المصابين وأسرهم، خصوصاً عندما يتزامن التنقل مع القصف أو تعذر تأمين الطريق.

“غزة اليمن”.. مقارنة تفرضها معاناة المدنيين

تطرح الخسائر التي شهدتها الشقب تساؤلات بشأن حماية المدنيين في اليمن، في وقت ترفع فيه جماعة الحوثي شعارات مناصرة الفلسطينيين وتندد بالقصف الإسرائيلي على قطاع غزة.

ولا تعني المقارنة بين الشقب وغزة تطابق ظروف الحرب أو حجم الدمار أو أعداد الضحايا، لكنها تفتح المجال لمناقشة معاناة السكان في المناطق المحاصرة أو المعرضة للقصف، وضرورة إخضاع سلوك أطراف النزاع لمعايير حماية المدنيين.

وفي الشقب، لا تقتصر المخاطر على لحظة سقوط القذيفة؛ إذ تمتد إلى الألغام المزروعة في المزارع، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، وتدمير المنازل ومصادر الدخل، وما يترتب على ذلك من أعباء طويلة الأمد على الأسر.

وتعيد حادثة سيارة الإسعاف هذه المسألة إلى الواجهة، وتؤكد أهمية التحقيق المستقل في ملابساتها، وتحديد المسؤولية عنها، وضمان حماية الجرحى والعاملين في المجال الطبي ووسائل نقل المصابين، وفق القواعد الإنسانية الواجبة التطبيق.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة