من باب المندب إلى أوبوخ.. حكاية لجوء تختزل مأساة وطن شردته الحرب

أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” كمال حسن: عندما قرر سالم (اسم مستعار) مغادرة باب المندب (منطقة ساحلية تقع غربي اليمن) مع تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثي المصنفة إرهابية، ظن أن عبوره البحر الأحمر إلى جيبوتي لن يكون سوى رحلة قصيرة تنتهي بعودته إلى منزله.
كان سالم يأمل أن تكون وجهة لجوئه بداية لانتهاء المعاناة التي تسببت بها الحرب، لكنه فوجئ بفصل جديد من معاناة اللجوء، بدءاً بالفرار عبر البحر، مروراً بالبحث عن مأوى له مع زوجته وطفله، وصولاً إلى قسوة الحياة في ظل اللجوء.
غادر سالم منزله رفقة أسرته بعد أن دخل الحوثيون قريته، وتصاعد المعارك والغارات الجوية، متجهًا إلى جيبوتي في رحلة اعتقد أنها لن تستغرق سوى أيام قليلة قبل أن يتمكن من العودة.
لكن غيابه طال، ووجد سالم نفسه، وفق ما يقول لـ”يمن ديلي نيوز”، في مواجهة ظروف معيشية صعبة داخل مخيم النزوح في إقليم أوبوخ شمالي جيبوتي، بعيدًا عن منزله ومصدر رزقه، وفي واقع لم يكن يتوقع أن يطول أمده.

أرقام تختصر المعاناة
تقول منظمة الهجرة الدولية، إن أكثر من 3700 لاجئ من اليمن وصلوا إلى جيبوتي خلال الأسابيع الأخيرة بعد رحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحر الأحمر، فيما تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن النساء والأطفال وكبار السن يشكلون أكثر من 60% من الوافدين الجدد.
وفي ذات السياق، أظهرت بيانات محدثة في 27 سبتمبر/ أيلول، نشرتها وكالة الأنباء الجيبوتية، أن عدد اللاجئين اليمنيين المسجلين في القائمة الموحدة لوزارة الشؤون الاجتماعية والتضامن الجيبوتية بلغ 3635 شخصا، ينتمون إلى 988 أسرة، بينهم 1693 قاصراً، يمثلون 46.6% من الإجمالي، فيما بلغ عدد النساء والفتيات 1851، بنسبة 50.9%، إضافة إلى 108 أشخاص تزيد أعمارهم على 60 عاماً.
ووفق البيانات، فإن 344 أسرة تضم طفلاً واحداً على الأقل دون سن الخامسة، بإجمالي 485 طفلًا، فيما تشمل القائمة 22 امرأة حاملاً و23 مرضعة، إلى جانب 55 شخصاً من ذوي الإعاقة.

ونقلت الوكالة عن وزير الداخلية الجيبوتي عمر عبدي سعيد تأكيده اتخاذ تدابير، بالتعاون مع الشركاء، لضمان استقبال اللاجئين، داعيًا المجتمع الدولي إلى تقاسم المسؤولية في التعامل مع تدفق الفارين من الحرب في اليمن.
الأرقام وحدها لا تحكي ما يواجهه اللاجئون في جيبوتي، فبالنسبة لـ”سالم”، لم تنتهي رحلة الفرار بمجرد عبور البحر، بل بدأت بعدها رحلة أخرى للبحث عن مأوى وتدبير احتياجات أسرته في ظروف لم يكن مستعداً لها.
رحلة نزوح عبر البحر
يقول سالم لـ”يمن ديلي نيوز” إنه غادر باب المندب برفقة زوجته وطفله على متن قارب انطلق نحو الثانية والنصف بعد الظهر، ووصلوا إلى الساحل الجيبوتي قرابة السادسة مساءً، وكان القارب يقل عدداً كبيراً من الركاب، بينهم عدة أسر غادرت المنطقة مع تصاعد المواجهات.
لم يدفع سالم مقابل الرحلة، إذ كان يعرف مالك القارب، وهو من أبناء منطقته، فيما كان بعض الركاب يساهمون في توفير تكاليف الوقود.
لكن الوصول إلى جيبوتي لم ينهي معاناة الأسرة، فقد بات سالم وزوجته وطفله ليلة وصوله قرب الساحل، قبل أن يتوجهوا صباح اليوم التالي إلى مخيم اللاجئين في أوبوخ.
يتحدث سالم بأنه لم يكن يتوقع أن تطول إقامته خارج منزله، فقد ظن أنه سيعود خلال يوم أو يومين، لكن، وفق قوله، الأيام مضت، ووجد نفسه مضطرا إلى تدبير شؤون أسرته في مكان جديد.
مأوى ضيق وظروف قاسية
في مخيم اللاجئين بإقليم “أوبوخ” حيث كانت محطة لجوئه، لم يجد سالم الوضع المعيشي الذي توقعه عندما فر من قريته. يقول إن الرجال يقيمون في عنابر مصنوعة من الزنج (هناجر)، فيما تسكن النساء والأطفال في خيام، وهي مساكن مؤقتة من القماش.

يشير سالم في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”، إلى أن بعض الأسر في المخيم تضطر إلى مشاركة خيامها مع أسر أخرى، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وضيق المساحة.
كذلك يشير سالم إلى صعوبة الحصول على شرائح اتصال، ما يحد من قدرته على التواصل مع أقاربه في اليمن.
ويضيف: “بعض اللاجئين الذين يملكون المال استأجروا منازل خارج المخيم”، بينما لا يزال آخرون، بحسب قوله: “يعيشون في الخيام، أو ينامون في العراء لعدم توفر مكان يأويهم”.

غذاء محدود
ولا تتوقف الصعوبات عند السكن، فالحصول على الطعام يمثل تحديا آخر للأسر اللاجئة. ويقول سالم أن الوجبات المقدمة محدودة، إذ يحصل ، بحسب إفادته، على الفاصوليا أو البازلاء وثلاث قطع من الخبز صباحاً ومساء، فيما يتناولون الأرز في وجبة الغداء.

أما مياه الشرب، فيقول إنهم يحصلون عليها من خزانات المياه المبردة المنتشرة في المخيم.

مخاطر صحية
وتزداد مخاوف سالم مع مرض طفله، إذ يقول لـ”يمن ديلي نيوز” إن الوحدة الصحية الموجودة في المخيم تفتقر إلى الأدوية الكافية، ما يزيد من صعوبة حصوله على العلاج.

كما يتحدث عن مخاوف من انتشار الكوليرا بين اللاجئين، مشيراً إلى أنه سمع عن حالات إصابة بالمرض، وأن المعلومات المتداولة بين اللاجئين تتحدث عن وفاة تسعة أشخاص.
تدخلات السفارة
وفي إطار التحقق من المعلومات المتداولة بشأن الوفيات جراء الكوليرا، تواصل “يمن ديلي نيوز” مع السفير اليمني لدى جيبوتي عبدالله مسلم السقطري، الذي نفى صحة الأنباء بشأن وفاة تسعة لاجئين يمنيين بالمرض.
السقطري أوضح لـ”يمن ديلي نيوز” أن الوفيات بمرض الكوليرا بلغت ثلاث حالات فقط، شملت طفلا يبلغ من العمر 11 عاما وامرأتين.
وقال إن حالات الإصابة بالكوليرا سجلت في بداية وصول اللاجئين من اليمن، مشيرا إلى أنه لم تسجل أي حالات جديدة حاليا.
وأشار السفير اليمني لدى جيبوتي في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز”، إلى أن الجهات المعنية اتخذت التدابير الصحية اللازمة لاحتواء الوباء والحد من انتشاره، لافتًا إلى استمرار احتياجات اللاجئين إلى الأدوية ودورات المياه والخيام الإيوائية والمستلزمات التعليمية.
جهود لإغاثة اللاجئين
وقال السفير السقطري إن السفارة تواصل التنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية لتوفير مساعدات إضافية خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن السفارة حشدت جهودها لإغاثة اللاجئين وتوفير المستلزمات الأساسية والضرورية، لافتًا إلى أنها طلبت من المنظمات والمؤسسات الإنسانية والإغاثية تقديم المساعدات اللازمة لهم.
وأضاف أن الدعم اللازم تم توفيره، وأن العمل لا يزال مستمرًا لاستكمال عملية استقرار اللاجئين وتحسين أوضاعهم المعيشية.
وأشار السقطري إلى أن الحكومة الجيبوتية قدمت “كل التسهيلات المطلوبة”، موضحًا أن العمل جارٍ على تركيب خيام إضافية، وتوفير الإنارة للمخيم، ضمن جهود تحسين ظروف الإقامة فيه.
ولفت إلى أن المساعدات الغذائية تُوزع يوميًا داخل المخيم، إلى جانب توافر الخدمات الصحية والتعليمية، مؤكدًا استمرار الجهود لتحسين أوضاع المخيم بصورة عامة.
وأوضح السفير اليمني لدى جيبوتي بأن هناك جهات حكومية جيبوتية مختصة تتولى إدارة المخيم، بالتعاون مع منظمات دولية متخصصة، قال إنها تقوم بمهامها والتزاماتها في هذا الجانب.
مساعدات لا تكفي
وبينما تتواصل الجهود الرسمية والإنسانية لتوفير مزيد من المساعدات، يقول سالم إن بعض التجار اليمنيين والجيبوتيين يقدمون مساعدات للاجئين، إلى جانب ما توزعه المنظمات الإنسانية.

ويشير إلى أنهم حصلوا في وقت سابق على بطانيات، لكنه يرى أن هذه المساعدات لا تزال دون احتياجاتهم، في ظل صعوبة الظروف المعيشية داخل المخيم.
البحث عن مصدر دخل
ولمواجهة هذه الظروف، يقول سالم إنه وجد نفسه مضطراً إلى البحث عن مصدر دخل يساعده على توفير احتياجات زوجته وطفله. فبعد أن كان يعمل في بيع الأسماك في باب المندب قبل نزوحه، بدأ في المخيم بيع الملابس والأحذية التي يوفرها له تجار يمنيون، على أن يسدد قيمتها لاحقاً.
لكن هذا العمل، بحسب ما تحدث سالم لـ”يمن ديلي نيوز” لا يخلو من المخاوف؛ إذ يقول إنه يمارسه بحذر خشية تدخل السلطات لمنعه من البيع أو مصادرة البضائع.
التفكير في العودة
وبين محاولاته تأمين لقمة العيش لعائلته، وتزايد أعباء الإقامة بعيدًا عن منزله، بدأ سالم يفكر في العودة إلى باب المندب، رغم المواجهات التي دفعته إلى المغادرة.
ويقول إن الحياة في المخيم أصبحت صعبة عليه وعلى أسرته.
وأشار إلى أن بعض اللاجئين الآخرين يفكرون بدورهم هم أيضا في العودة إلى اليمن، بعد أن أرهقتهم ما وصفها بـ”ظروف اللجوء القاسية”.
وبالنسبة لسالم، لم تعد العودة مجرد فكرة مؤجلة، بل خيارًا يفرض نفسه مع استمرار صعوبة الحياة في المخيم، رغم ما قد يحمله من مخاطر.
وبين الخوف من العودة إلى قريته في منطقة المواجهات، والعجز عن تحمل أعباء البقاء في اللجوء، يجد سالم نفسه أمام خيارين كلاهما صعب؛ إذ لم يحقق الفرار الأمان والاستقرار اللذين بحث عنهما، فيما باتت العودة إلى المنزل، رغم مخاطرها، تبدو أقل قسوة من استمرار حياة اللجوء.



