مراقبون يتحدثون لـ”يمن ديلي نيوز” عن أبعاد أيديولوجية ورسائل إقليمية في تصعيد الحوثيين

يمن ديلي نيوز – تقرير خاص: أعادت محاولة جماعة الحوثي المصنفة إرهابية، استهداف مكة المكرمة، الثلاثاء الماضي، بطائرة مسيّرة أسقطتها الدفاعات السعودية، ملف استهداف الأراضي المقدسة إلى واجهة التصعيد الإقليمي، في حادثة قالت السعودية إنها الثانية من نوعها منذ عام 2017، وأثارت تنديداً عربياً وإسلامياً واسعاً، نظراً لحساسية استهداف مكة ومكانتها الدينية لدى المسلمين.
ويذهب باحثون مهتمون في حديثهم لـ”يمن ديلي نيوز” إلى أن الحادثة لا يمكن قراءتها من زاوية عسكرية منفردة، إذ يرون أنها تثير تساؤلات بشأن الخلفيات الفكرية والعقائدية التي تحكم خطاب جماعة الحوثي، إلى جانب ارتباطها بالصراع اليمني والحسابات السياسية والعسكرية بين الجماعة والمملكة العربية السعودية.
وبينما يستند بعض الباحثين إلى ما يعتبرونه مواقف وخطابات سابقة للجماعة، يربط آخرون المحاولة بسياق الصراع الإقليمي الأوسع وتداخلاته.
جزء من عقائدهم
يقول رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، عادل الأحمدي، لـ”يمن ديلي نيوز” إن استهداف جماعة الحوثي لمكة المكرمة “جزء من عقائدهم لهدم مرتكزات الإسلام ومقدساته”.
وأضاف: الحوثيون “يفضلون كربلاء على مكة المكرمة”، مستشهداً بما ورد في خطابهم من عبارات من قبيل: “ومن أن “الكعبة لكربلاء “.
وأشار إلى أن الاستهداف، بحسب رأيه، “لا يستهدف فقط مكة المكرمة أرضاً، وإنما يستهدفها كقبلة”، مشيراً إلى أن “ممثل خامنئي في مشهد عام 2004 دعا إلى نقل القبلة من مكة المكرمة إلى مشهد، إلى مدينة مشهد حيث قبر الإمام الكاظم”.
حادثة ليست غريبة
بدوره، يقول عبدالله إسماعيل – الكاتب المهتم بالتاريخ اليمني – إنه “لا يستغرب أن تقوم جماعة الحوثي باستهداف الأماكن المقدسة”، مشيراً إلى أنها، بحسب قوله، استهدفت في طريقها إلى الحرب في اليمن أكثر من 1200 مسجد، معتبراً أن ذلك يعكس عدم احترامها للمقدسات.
وأضاف لـ”يمن ديلي نيوز”: هذه الجماعات “تنطلق من منطلقات فكرية زيدية تراثية واضح فيها أنها لا تؤمن بقداسة الأرض المقدسة في مكة المكرمة والمدينة وأرض الشعائر الإسلامية باعتبار أنهم لا يسيطرون عليها”.
وقال إن “النظرية الزيدية تحدد بوضوح أنه حتى الحج تم إبطاله من قبل أئمة الزيدية، ولم يحج إمام زيدي قط إلى مكة المكرمة”، مشيراً إلى أن عبدالله بن حمزة يؤكد في كتابه “المجموعة المنصورية” في الجزء الأول، أن أئمتهم “أبطلوا الحج باعتبار أن هذه أرض مشبهة ومجبرة وأنها أرض كفر ودار حرب”.
وأضاف: “هذا البعد العقدي لابد أن لا ننساه أبداً”. معتبراً أن جماعة الحوثي تمثل وفق تقديره، جزءاً من “الوظيفة الإيرانية”، وأن إيران تريد إلحاق الضرر بالمملكة العربية السعودية والضغط عليها.
وأردف: “وبالتالي الأصح أن يقال إن الحرم ومكة المكرمة والمدينة استُهدفا بصواريخ إيرانية على أيدي حوثية، وعلى أيدي شيعة الحشد الشعبي في العراق، وبالتأكيد هؤلاء يقومون بما تريده منهم إيران”.
وأشار إلى أنه جمع، قبل الحادثة، أكثر من 22 خطبة أو حديثاً لخطباء وقيادات مهمة في الجماعة، قال إنها تتحدث عن أن هدفها التالي هو “الحرمين وأرض الحرمين الشريفين”، قبل ما وصفه بـ”تحرير مزاعم تحرير الأقصى”.
وأضاف أن قيادات حوثية، بينهم منتحل منصب محافظ محافظة صعدة ومنتحل منصب وزير الصحة طه المتوكل، وغيرهما، تحدثوا، بحسب قوله، عن أن “الطريق إلى القدس تمر بالحرمين الشريفين”.
وختم قائلاً: “وبالتالي لا أستغرب أن يقوموا بمثل هذا الإجرام”.
استهداف يحمل أبعاداً أيديولوجية
من جانبه، يرى رئيس مركز تهامة للدراسات والتنمية، مرزوق الغرباني، أن استهداف جماعة الحوثي لمكة المكرمة يحمل أبعاداً متعددة، تتجاوز، وفق قوله، الإطار العسكري المباشر إلى مستويات أيديولوجية ومحلية وإقليمية.
وقال الغرباني لـ”يمن ديلي نيوز”، إن المستوى الأول يتمثل في البعد الأيديولوجي والعقائدي، مشيراً إلى أن جماعة الحوثي سبق أن أعلنت في خطابها ومشروعها استهداف مكة والمدينة والسيطرة عليهما.
وأضاف: “المستوى الثاني يرتبط بالصراع المحلي في اليمن”، معتبراً أن استهداف السعودية يمثل، من وجهة نظر الجماعة، رسالة لرفع كلفة المواجهة وهز الثقة لدى الحاضنة المحلية الداعمة للحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية، وتعزيز ما وصفها بـ”حاضنة المحور” في اليمن.
وأوضح أن المستوى الثالث يتعلق بالصراع الإقليمي، لافتاً إلى أن الاستهداف قد يكون، وفق قراءته، جزءاً من مقايضة مرتبطة بملف الملاحة في باب المندب، في إشارة إلى استمرار مرور السفن الإسرائيلية مقابل عدم استهدافها من قبل الحوثيين، وتوجيه الاستهداف نحو مكة لممارسة الضغط عليها للرضوخ لاتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل.
واعتبر أن ذلك يعكس، بحسب وصفه، نوعاً من “التخادم” الذي يمثل أعلى صور التخادم بين إسرائيل وجماعة الحوثي لخدمة أهداف سياسية وإقليمية أوسع.
ويرى الغرباني أن استهداف مكة يحمل حساسية استثنائية لارتباطها بالمكانة الدينية للمملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي، معتبراً أن ذلك يضع التطور في إطار ما وصفه بـ”صراع الحاضنات وتنافس المشاريع” في المنطقة.
كما اعتبر أن التطورات الأخيرة تمثل، بحسب تقديره، اختباراً عملياً للتحالفات والتحولات الإقليمية، ولا سيما ما يرتبط بالسعودية وإيران وتركيا، لقياس مدى انتقال هذه التحالفات من التفاهمات السياسية إلى تحولات فعلية يمكن أن تنعكس على طبيعة الصراع وحرب المضائق واستخدام القوة.
وتابع: التقاطع بين المصالح الإسرائيلية والإيرانية في بعض ملفات المنطقة يحتاج إلى قراءة في سياق مجريات الصراع منذ السابع من أكتوبر،.
وقال: استهداف مكة، لا ينبغي النظر إليه كحدث عسكري منفصل، وإنما ضمن مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات اليمنية والإقليمية والدولية.
وختم الغرباني بأن المملكة العربية السعودية، تولي اهتماماً بالغاً بعدم التمييز بين المذاهب الإسلامية والجماعات في مناسك الحج والعمرة، وهي البلد التي تساوي بين الجميع، بعيداً عن الصراع السياسي ونفوذ القوة.



