أهم الاخبارالأخبارتقارير

ثلاثة عقود من المشاريع الانفصالية حول العالم أجهضتها الجغرافيا السياسية (تقرير)

أعد التقرير – عدنان الشهاب: على امتداد عقود طويلة، شهدت العديد من دول العالم بروز تجارب ومشاريع ذات نزعات انفصالية، رفعت خلالها شعارات ومطالب ذات طابع حقوقي، إلا انه وبالتحليل الموضوعي لمسارات هذه المشاريع يُظهر أن معظمها استند في جوهره إلى طموحات سياسية واقتصادية لقادتها.

بعض المشاريع والنزعات الانفصالية ارتبطت بأجندات خارجية، وجرى توظيف مبررات أخرى بوصفها أدوات تعبئة مرحلية سرعان ما فقدت زخمها بانحسار تلك الدعوات، حتى في الحالات التي حققت فيها بعض النجاحات المؤقتة.

وعلى المستوى الدولي، أخفقت عشرات المشاريع الانفصالية في بلوغ أهدافها، ولم يكتب النجاح إلا لعدد محدود منها، غالبًا نتيجة دعم خارجي مباشر كما سجلته بعض التجارب.

في المقابل، انتهت الغالبية العظمى من هذه المشاريع إلى الفشل، بعد مواجهتها بإجراءات قانونية صارمة وسياسات حازمة، وصلت في بعض الأحيان إلى استخدام القوة لاحتوائها وإنهائها.

وتتباين دوافع الحركات الانفصالية حول العالم بين أسباب دينية أو إثنية أو قومية، إضافة إلى مظالم تاريخية أو مساعٍ للسيطرة على الموارد الطبيعية، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى اندلاع صراعات داخلية وإقليمية ممتدة، تستمر آثارها لسنوات طويلة.

“يمن ديلي نيوز” يستعرض في هذا التقرير أبرز مشاريع الانفصال في العالم خلال الثلاثة العقود الأخيرة ونتائج تلك المشاريع.

روسيا ـ استقلال الشيشان (1991):

في نوفمبر/ تشرين الثاني 1991، أعلنت الشيشان انفصالها عن روسيا (الاتحاد السوفيتي آنذاك) بعد عدة خطوات سياسية متصاعدة، ثم بخوضها حربين طاحنتين، وتأسيس جمهورية مستقلة.

ورغم نجاح الإقليم في انتزاع استقلال “بحكم الأمر الواقع” بين عامي 1996 و1999، إلا أن الحملة العسكرية الروسية الثانية بقيادة فلاديمير بوتين استعادت السيطرة الكاملة على الإقليم كان ذلك عام 2000.

انتهت المحاولة بإعادة دمج الشيشان كجمهورية ضمن الاتحاد الروسي بتركيبة سياسية جديدة موالية لموسكو، مما أنهى طموحات الانفصال العسكري.

كندا ـ استقلال إقليم كيبيك (1995):

نموذج انفصال او استقلال إقليم كيبيك، من أبرز النماذج العالمية التي لجأت الى الوسائل السلمية والديمقراطية لتحقيق الانفصال عن كندا.

حيث جرى في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1995، تنظيم استفتاء شعبي وتم القبول بالنتائج، حيث رجحت نسبة ضئيلة جدا النتيجة ضد مطالب الانفصاليين، بنسبة 1% فقط، وأجهضت المحاولة. الاستفتاء الذي وصف بالتاريخي، صوت فيه 50.58% لصالح البقاء ضمن كندا، مقابل 49.42% لصالح الاستقلال.

عقب فشل التصويت للانفصال أصدرت المحكمة العليا الكندية قانون يجرم الاستقلال، أطلق عليه “قانون الوضوح” حيث وضع القانون شروطاً صارمة لأي محاولة انفصال مستقبلية، مما قلص فرص تكرار المحاولة في العقود التالية، وأغلقت الحكومة بهذا القانون الباب أمام محاولات انفصالية مشابهة.

مالي ـ محاولة انفصال “أزواد” (2012):

استغلت الحركة الوطنية لتحرير أزواد (الطوارق) الفوضى في مالي عام 2012 لتعلن استقلال “دولة أزواد” في شمال البلاد، وسيطرت ميدانيا على الأرض.

ورغم ذلك فشلت الحركة في الحصول على أي اعتراف دولي، استمر الوضع نحو 3 سنوات، وبسبب سيطرة الجماعات المتطرفة على المشهد السياسي، استدعى ذلك تدخلاً عسكرياً فرنسياً ودولياً، لينتهي المشروع بتوقيع “اتفاق الجزائر للسلام” عام 2015، الذي نص على وحدة أراضي مالي مع منح الأقاليم الشمالية نوعاً من الحكم اللامركزي، دون استقلال.

العراق ـ محاولة انفصال إقليم كردستان:

في 27 سبتمبر/ ايلول 2017، صوت أغلبية أكراد العراق لصالح الانفصال وإعلان دولة، بعد سنوات من محاولة الإقليم تأسيس دولة خاصة بالأكراد.

فشل المشروع نتيجة الرفض الشعبي، وإجراءات حازمة اتخذتها حكومة بغداد وتحرك عسكري لاستعادة المناطق المتنازع عليها ومنها كركوك، كما فرضت حصارا جويا ودبلوماسيا على الإقليم، مما أجبر القيادة الكردية على تجميد نتائج الاستفتاء والعودة لطاولة الحوار تحت سقف الدستور العراقي.

الرفض العربي والدولي كان له أثرا كبيرا ما أفقد المشروع عنصرا مهما في الاعتراف والتأييد باستثناء الاحتلال الإسرائيلي، كما لعبت تركيا وإيران، دورا كبيران بإغلاق الحدود مع الإقليم والتلويح بالحصار الاقتصادي، خوفا من مخاطر مشاريع مماثلة في البلدين.

إسبانيا – استقلال إقليم كتالونيا 2017:

في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2017، أعلن برلمان إقليم كتالونيا، “كتالونيا” جمهورية مستقلة، بعد استفتاء اعتبرته مدريد غير قانوني.

عقب اعلان البرلمان، ردت الحكومة الاسبانية باجراءات صارمة، حيث فعّلت المادة 155 من الدستور، وأقالت الحكومة المحلية، وحلت البرلمان.

إقليميا ودليا رفض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الاعتراف بالإقليم، وانتهى الأمر بفرار رئيس الإقليم كارليس بوجديمون إلى بلجيكا وسجن قادة آخرين، ليتحول المشروع من “انفصال واقعي” إلى أزمة دستورية طويلة داخل إطار الدولة الإسبانية.

إثيوبيا – انفصال إقليم التيغراي (2020 ـ 2022)في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، اندلع صراع بين جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، عقب خلافات سياسية حادة، تطورت الى تحدي الجبهة للسلطة المركزية.

وفي ذروة الصراع نجحت قوات التيغراي في الوصول إلى مشارف العاصمة أديس أبابا إلا أن عدة عوامل أدت الى فشل المحاولة والرضوخ الى الحوار.

من تلك العوامل الضغوط الدولية والتدخل العسكري الإريتري واستعادة الجيش الإثيوبي لزمام المبادرة أدى إلى توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، والذي نص على نزع سلاح الجبهة والاعتراف بالسيادة الكاملة للحكومة الفيدرالية، مجهضاً بذلك طموحات الانفصال.

اليمن ـ محاولة انفصال الجنوب 2025:

في 11 مايو/ اذار 2017، أُعلن في العاصمة المؤقتة عدن، عن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم سخي من دولة الامارات، كحامل سياسي للقضية الجنوبية، على انقاض الحراك الجنوبي الذي يناضل سلميا لحل القضية منذ تأسيسه عام 2007.

تأسيس المجلس الانتقالي، جاء ردا على قرارات الرئيس هادي اقالة محافظة عدن عيدروس الزبيدي، ووزير الدولة هاني بن بريك.

منذ لحظات تأسيسه الأولى، ظهر المجلس كحركة انفصالية تعمل على فصل جنوب اليمن وليس على إيجاد حلول حقيقية لقضية الجنوب، حيث لم يقدم أي مشروع خدمي خلال سنوات سيطرته على تلك المحافظات رغم نهب إيرادات المؤسسات الى حسابات خاصة.

حظي الانتقالي بدعم عسكري واعلامي اماراتي هائل، وكانت أولى مهماته السيطرة على عدن وحصار الحكومة ومنع رئيس البلاد من دخول عدن.

انتزع الانتقالي باسم الجنوب معظم الحقائب السيادية في الحكومة اليمنية، وكل مناصب محافظي المحافظات الجنوبية، وفي ابريل/ نيسان 2022، اُعلن نقل سلطات الرئيس هادي لمجلس رئاسي من ثمانية أعضاء، ثلاثة منهم للانتقالي.

تضخمت المجلس سياسيا وعسكريا وامنيا، وابتلع تدريجيا جغرافيا الجنوب وايراداتها أيضا، ومطلع ديسمبر الماضي، اجتاحت قواته محافظتي حضرموت والمهرة ما أثار حفيظة المملكة العربية السعودية التي رفضت تواجد تلك القوات على حدودها وطالبته باخراجها، لكن دون فائدة.

مطلع يناير/ كانون الثاني الجاري أعلن عيدروس الزبيدي، في كلمة متلفزة “الإعلان الدستور” الذي يحدد مدة عامين لإجراء استفتاء شعبي يمهد لانفصال المحافظات الجنوبية بدولة مستقلة تسمى “دولة الجنوب العربي”.

التحركات العسكرية لـ “الانتقالي” تزامن مع اعلان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي اعتراف حكومته بإقليم “صومالي الاند” كدولة ذات سيادة ليكشف بذلك عن ملامح مشروع التقسيم في المنطقة والجنوبي اليمني جزءا من هذا المشروع وهو ما ساهم في التصدي بحزم لتحركات الانتقالي وإعلان معظم قياداته حله وجميع هيئاته وأجهزته واغلاق مقراته ومكاتبه.

دور الجغرافيا:

يؤكد مؤلف كتاب وحدة اليمن تاريخياً الدكتور “سيف علي مقبل” في الفصل الأول من كتابه الذي عنوان “الوحدة اليمنية في التاريخ القديم” بأن الجبال والسهول والسواحل شكلت نظاماً جغرافياً واحداً متفاعلاً.

ونسجت طرق التجارة، والهجرات الداخلية، والعلاقات القبلية والرعوية، شبكة تواصل مستمرة بين مختلف مناطق اليمن.المؤلف أعطى للجغرافيا مكانة تأسيسية في تحليله، فاليمن، كما يراه، ليس رقعة يمكن تقطيعها إدارياً دون أن تنكسر بنيتها الاجتماعية.

فالجبال، في قراءته، لم تكن حواجز فصل، بل ممرات تفاعل، والسواحل لم تكن حدوداً نهائية، بل بوابات اتصال. ويكتب بوضوح أن “الجغرافيا اليمنية صنعت عبر التاريخ وحدة اقتصادية واجتماعية يصعب تفكيكها دون تدخل قسري”.

سردية الوحدة في مواجهة خطاب التفكيك.. قراءة في كتاب “وحدة اليمن تاريخياً” لـ”سيف علي مقبل”

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من يمن ديلي نيوز Yemen Daily News

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading